بعد خمسة عشر عاماً من الإطاحة بمعمر القذافي، لا تزال ليبيا عالقة في ما يُسمَّى - على نحو مهذّب - "مرحلةً انتقالية". الحكومات التي وُصِفت بالمؤقتة أصبحت دائمة، ويُوعَد بالانتخابات ثم تُؤجَّل، والمؤسسات التي انتهى تفويضها الديمقراطي منذ زمن طويل تواصل ممارسة السلطة. الجماعات المسلحة أصبحت جهات فاعلة في الدولة، وأفراد العائلات أصبحوا قادة، والمال العام يُسهِّل نظاماً إنجازه الرئيس هو الحفاظ على بقائه. لقد حوّلت ليبيا الحكومة المؤقتة إلى...
العام الدراسي الحالي هو الرابع وسطَ الحرب. فالأوّل فقدهُ الطلاب وتوقّف فجأةً مع اندلاعها في "أكتوبر 2023"، وظلوا عاماً كاملاً بلا دراسة، حيث شُلَّت كامل المنظومة الإنسانية والرسمية والإغاثية، فلم تستطع حينها لا وكالة "أونروا" ولا المنظومة الرسمية أو المؤسسات الدولية إنعاش هذا القطاع، إذ كانت صدمة الحرب وشدّتها في الأشهر الأولى، وحتى منتصف عام 2024، أكبر من القدرة على استيعابها.
تُظْهِر بعض الأموال المتكدِّسة، والمسترَدة في حملات مكافحة الفساد و"صولات الفجر"، أنّه لا نقص في الأموال، بل في طريقة التعامل معها، وإمكانية استرداد المنقول منها إلى الخارج. يشرئب عندها سؤالٌ، كما لو أنه سرابٌ من صيف البصرة: لماذا نضطر إلى النوم في نصف درجة حرارة الغليان، ويضطر أطفالنا إلى تعلم كيفية النجاة في المدارس من دون مكيفات، وكيفية السباحة في الطين شتاءً، وكيفية تحمل الجوع؟
شهدت مصر تركيزاً شديداً لملكيات وسائل الإعلام والمحطات التلفزيونية والصحف، تحت مظلة شركات مقرَّبة من الأجهزة السيادية (من مثل "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية")، ناهيك عن حجب مئات المواقع الإخبارية والحقوقية المستقلة، الذي واكبته سياسة "التضليل الممنهج"، من خلال الحسابات الوهمية (اللجان الإلكترونية). كل ذلك أدى إلى توحيد السردية الإعلامية، وغياب الرأي الآخر، وحرمان المواطن من الرواية الثالثة (المستقلة)، وشيطنة المعارِضين، وتزييف الوسوم، وإغراق الفضاء الإلكتروني بمعلومات ومقاطع فيديو مجزأة أو...
تندرج المساعي المحلية المتواصلة التي تَطرَح ما يسميه أصحابها "حواراً سياسياً"، ضمن وصفة دولية موضوعة أمام طاولة البرهان، بحيث تصبح طبيعة الحكم رأسية، بدلاً من الهيكل الأفقي، الممثَّل في مجلس سيادة مكوَّن من عدة أعضاء، مما خلق مراكز نفوذ متعددة ومتضاربة. لذا، فحينما تتبارى المبادرات المصنوعة لتنصيب البرهان رئيساً، فهذا يعني منحه تفويضاً بإجراء جراحة عميقة، في هيكل الحكم الذي فرضته الفترة الانتقالية منذ 2019، تفويضاً يمنحه الحق في إلغاء...
في هذا النص عن مذابح الأشجار الجارية في مصر، يتم الكشف - بالأرقام والوقائع الميدانية - عن الانقسام الطبقي الحاد في إدارة وتوزيع الفضاء العام. فالأحياء السكنية المفتوحة تُجرَّد تدريجياً من حزامها الشجري تحت ذريعة توسعة الحارات المرورية، وتسهيل حركة التدفق السريع نحو العاصمة الإدارية الجديدة، بينما تُسوَّق "الكومباوندات" في أطراف العاصمة ببحيراتها ومساحاتها الخضراء المروية بانتظام، ليتحول الظل من منفعة عامة، وحق دستوري، إلى امتياز نخبوي في مقابل محاصرة...
يظل التزام الحكومة بنشر مخرجات لجنة التحقيق المستقلة، وتطبيق توصياتها، المحك الفعلي لإثبات جدية الإرادة السياسية في إصلاح المرفق العمومي، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. ويستدعي ذلك إخضاع جميع عقود التوريد والصيانة، لآليات تفتيش صارمة، تشمل اختبارات القبول الميداني للمعدات قبل استلامها النهائي.
دارت النقاشات بين النازحين من النبطية حول معنى "إسناد غزة"، وما إذا كانت المدينة قادرة على تحمّل هذا العبء. أما في المدينة، لدى الذين اختاروا البقاء، ليس لأنهم لا يخافون، بل لأنهم أدركوا أن الرحيل يعني خسارة ما تبقّى من هوية ومكان، وأن النبطية ليست مجرد مدينة، بل هي ذاكرةٌ حيّة ترفض أن تُمحى من على الخريطة، مهما تكاثفت غيوم العدوان.. فقد عضّوا على جرح سرقة أموالهم في المصارف وترهيبهم...
مع تكرار الانقطاعات، وتفاوت جودة الماء وطعمه بين الجهات والمواسم، وتدهور أجزاء من الشبكات، صارت القارورة، بالنسبة إلى شرائح واسعة، نوعاً من التأمين الخاص ضد هشاشة الخدمة العامة. وفي صيف 2026، انكشفت حدود هذا النموذج نفسه: ارتفع الطلب على المياه المعلَّبة بحوالي 30 في المئة فوق المستويات الصيفية المعتادة، في بلد يتجاوز فيه الاستهلاك السنوي 1.2 مليار قارورة، بينما أثَّرت انقطاعات الكهرباء، ودرجات الحرارة القياسية، في قدرة وحدات الإنتاج على...
ثمة حقيقة لا تُقال في الجزائر بالوضوح الكافي: منذ عام 2021، بنت البلاد منظومة معتبرة لمكافحة حرائق الغابات، تتجاوز بكثير ما يمكن توقعه من دولة نامية ذات ميزانية عمومية محدودة، ومع ذلك تكاد هذه المنظومة تكون غائبة عن المقارنات الدولية الجادة. وثمة حقيقة أخرى لم يبدأ الحديث عنها أصلاً: إذا جرى تعزيز هذه المنظومة وإسنادها بعقيدة عملياتية متماسكة، فإنها قد تتحول إلى مصدر دخل وإلى أداة من أدوات القوة الناعمة...
تُظهِر التعديلات الممتدة والممارسات القضائية كيف تُوظِّف الدولة والأحكام التقليدية مفهوم "الولاية الجبرية" كتقنية لإخضاع النساء، حيث يُعاد حصر موقع المرأة في خانة الوعاء الرعائي المجرد من الحقوق السياسية والقانونية الكاملة، بينما يُمنح الرجل سلطة مطلقة، تحوِّل الأطفال إلى أصول تفاوضية ووسائل إكراه. إن هذا التفاوض - الممتد من المال إلى الجسد - يكشف عن أن الهدف ليس حماية الاستقرار الأسري أو مصلحة الطفل الفضلى، بل إعادة ترسيم حدود السيطرة...
بنسبة كبيرة لا يعرف الناس عن غزّة شيئًا. أدركتُ ذلك سواء من سفرتي اليتيمة تلك، أو من حواراتي العديدة مع أصدقاء في الخارج، أو من متابعتي اليومية الطويلة لآراء الناس وكلماتهم على منصات التواصل. حاولتْ إسرائيل مراراً، وعلى مدار ثلاث سنوات إلا قليلاً من الحرب، الترويج بأن غزة مكان متنوّع وواسع، ويمكن لأهله المغادرة من منطقة إلى أخرى، حتى انتهاء تنفيذ "العمليات العسكرية" فيها!
يتناول هذا التحقيق سوق التمويل الاستهلاكي في مصر، راصداً البدايات، وأسباب الانفجار غير المسبوق، ومحلِّلاً الفجوة المصرفية التي تركت المواطن فريسة لهذه الشركات، ومُسلَّطاً الضوء على الكلفة الإنسانية الباهظة التي يدفعها، ليس فقط المقترِضون المتعثِّرِون، بل وأيضاً صغار الموظفين الذين تحولوا بفعل سياسات الشركات الإدارية التعسفية، من "مسوِّقين" إلى "ضامِنين ومطارِدين" للديون، في بيئة عمل خانقة، أدت في بعض الأحيان إلى نهايات مأساوية.
بين التمكين والواقع، تبرز غزة كتجسيد لهذا التناقض. أنت هناك، تنتظر أن يفتح عالمٌ بلا حدود أبوابه لك، بينما تُغلَق عليك كل الحدود المادية الممكنة، من حصار بري وبحري وجوي، إلى عزل رقمي. فحين يذيب الإنترنت الحدود الجغرافية، ماذا يحدث إذا كانت الجغرافيا نفسها تحت الحصار والقصف؟ وكيف يصبح حصار الجغرافيا ميزة تنافسية في السوق العالمية، وأداة فاعلة في الاستغلال؟
الانحسار المفاجئ للنيل، إلى درجة ظهور ألسنة رملية في بعض المناطق، أدى بشكل مباشر إلى نقص حاد في المياه، إذ ضرب العطش مناطق واسعة من الخرطوم، بعد خروج بعض محطات المياه في الولاية من الخدمة تماماً أو تراجع طاقتها إلى النصف، ما أدى إلى انقطاع واسع للمياه. ولم تُصدِر هيئة مياه الخرطوم أي بيان إضافي بعد بيان وزارة الري، التي سارعت إلى زيادة التصريفات من بعض الخزانات، لحل أزمة العطش...
شاهدها الناس، وعرفوا أنهم لا يُشاهدون جنازةً عابرة، بقدر ما كانوا يُشاهِدون قهرهم وألمهم المخبأ منذ سنوات. بكى الصحافيون، بكى السكان، انهارت النساء، وذابت قلوب الأطفال من الوجع. كأنّها طاقةٌ كبيرة للحزن، انفتحت لتنفجرَ بما فيها من ألمٍ في وجوه الكُل. كان البكاء بين المارّة، وحتى الناس الذين يحملون بقايا جثامين جيرانهم وأقاربهم، إذ لم يبقَ من العائلة الأصلية للشهداء أحد. رحلوا، رجالاً وأطفالاً ونساءً.
تَحوَّل استخدام "العِقلاة" مع الوقت إلى كارثة، تَحوَّل ما هو غير عادي إلى عادي. دفع استسهال الناس لغياب معايير السلامة، "العقلاة"، إلى أن تكون مصدراً آخر من مصادر الموت في قطاع غزّة، وكأن الفلسطينيين لا يكفيهم الموت حرقاً أو قصفاً أو اختناقاً في الخيام، وحان الوقت كي يموتوا بطريقةٍ جديدة: في المواصلات.
في الأراضي الإثيوبية، يقع الملف الأشد خطورة وحساسية، أي جرح سد النهضة الغائر، إذ تخطت إثيوبيا حدود الملء الخامس، على الرغم من اتفاق أبرمته الحكومات الثلاث: الخرطوم والقاهرة وأديس أبابا، قبل حوالي عشر سنوات، وأقر بعدم تخطي الملء الرابع، والأهم، وجوب التنسيق الفني المشترك، بهدف حماية حصص دول المصب من المياه، ووقايتها من مخاطر الجفاف والفيضان.
تكتسب مسألة انقطاع الكهرباء في تونس معنى خاصاً، لأنها لم تكن مجرد تجهيز تقني أُضيف إلى المجال الوطني، بل أحد أهم الرموز المادية التي قامت عليها سردية الدولة الحديثة، ولا سيما منذ تسعينيات القرن الماضي. فقد قدّمت السلطة نفسها بوصفها دولة "تنوير" بالمعنيين المادي والسياسي للكلمة. كان الضوء علامة على حضور الدولة حتى في أكثر المناطق بُعداً، وكان يترِجم بصورة ملموسة وعداً سياسياً مؤداه أن المجال كله أصبح قابلاً للإدارة،...
الإخفاق في انتهاز اللحظة التاريخية، التي تعرضت فيها غزة للإبادة، من أجل توحيد الصف الفلسطيني، يدل على أن القوى الحاكمة في شطري الوطن تعتقد أنها تفهم وتصون مصالح الشعب الفلسطيني، كلٌ منها أكثر من الخصم في الشطر الآخر. بل أنها لا تكترث للرأي الشعبي العام السائد والمُصرُّ على الوحدة. وهذه حالٌ مخزية أمام هول المشهد، وإصرار الأعداء على محونا كبشر وشعب، أو على الأقل على إنهاء قضية فلسطين، وإنكار حقوق...
المزيد