دارت النقاشات بين النازحين من النبطية حول معنى "إسناد غزة"، وما إذا كانت المدينة قادرة على تحمّل هذا العبء. أما في المدينة، لدى الذين اختاروا البقاء، ليس لأنهم لا يخافون، بل لأنهم أدركوا أن الرحيل يعني خسارة ما تبقّى من هوية ومكان، وأن النبطية ليست مجرد مدينة، بل هي ذاكرةٌ حيّة ترفض أن تُمحى من على الخريطة، مهما تكاثفت غيوم العدوان.. فقد عضّوا على جرح سرقة أموالهم في المصارف وترهيبهم...
مع تكرار الانقطاعات، وتفاوت جودة الماء وطعمه بين الجهات والمواسم، وتدهور أجزاء من الشبكات، صارت القارورة، بالنسبة إلى شرائح واسعة، نوعاً من التأمين الخاص ضد هشاشة الخدمة العامة. وفي صيف 2026، انكشفت حدود هذا النموذج نفسه: ارتفع الطلب على المياه المعلَّبة بحوالي 30 في المئة فوق المستويات الصيفية المعتادة، في بلد يتجاوز فيه الاستهلاك السنوي 1.2 مليار قارورة، بينما أثَّرت انقطاعات الكهرباء، ودرجات الحرارة القياسية، في قدرة وحدات الإنتاج على...
ثمة حقيقة لا تُقال في الجزائر بالوضوح الكافي: منذ عام 2021، بنت البلاد منظومة معتبرة لمكافحة حرائق الغابات، تتجاوز بكثير ما يمكن توقعه من دولة نامية ذات ميزانية عمومية محدودة، ومع ذلك تكاد هذه المنظومة تكون غائبة عن المقارنات الدولية الجادة. وثمة حقيقة أخرى لم يبدأ الحديث عنها أصلاً: إذا جرى تعزيز هذه المنظومة وإسنادها بعقيدة عملياتية متماسكة، فإنها قد تتحول إلى مصدر دخل وإلى أداة من أدوات القوة الناعمة...
تُظهِر التعديلات الممتدة والممارسات القضائية كيف تُوظِّف الدولة والأحكام التقليدية مفهوم "الولاية الجبرية" كتقنية لإخضاع النساء، حيث يُعاد حصر موقع المرأة في خانة الوعاء الرعائي المجرد من الحقوق السياسية والقانونية الكاملة، بينما يُمنح الرجل سلطة مطلقة، تحوِّل الأطفال إلى أصول تفاوضية ووسائل إكراه. إن هذا التفاوض - الممتد من المال إلى الجسد - يكشف عن أن الهدف ليس حماية الاستقرار الأسري أو مصلحة الطفل الفضلى، بل إعادة ترسيم حدود السيطرة...
بنسبة كبيرة لا يعرف الناس عن غزّة شيئًا. أدركتُ ذلك سواء من سفرتي اليتيمة تلك، أو من حواراتي العديدة مع أصدقاء في الخارج، أو من متابعتي اليومية الطويلة لآراء الناس وكلماتهم على منصات التواصل. حاولتْ إسرائيل مراراً، وعلى مدار ثلاث سنوات إلا قليلاً من الحرب، الترويج بأن غزة مكان متنوّع وواسع، ويمكن لأهله المغادرة من منطقة إلى أخرى، حتى انتهاء تنفيذ "العمليات العسكرية" فيها!
يتناول هذا التحقيق سوق التمويل الاستهلاكي في مصر، راصداً البدايات، وأسباب الانفجار غير المسبوق، ومحلِّلاً الفجوة المصرفية التي تركت المواطن فريسة لهذه الشركات، ومُسلَّطاً الضوء على الكلفة الإنسانية الباهظة التي يدفعها، ليس فقط المقترِضون المتعثِّرِون، بل وأيضاً صغار الموظفين الذين تحولوا بفعل سياسات الشركات الإدارية التعسفية، من "مسوِّقين" إلى "ضامِنين ومطارِدين" للديون، في بيئة عمل خانقة، أدت في بعض الأحيان إلى نهايات مأساوية.
بين التمكين والواقع، تبرز غزة كتجسيد لهذا التناقض. أنت هناك، تنتظر أن يفتح عالمٌ بلا حدود أبوابه لك، بينما تُغلَق عليك كل الحدود المادية الممكنة، من حصار بري وبحري وجوي، إلى عزل رقمي. فحين يذيب الإنترنت الحدود الجغرافية، ماذا يحدث إذا كانت الجغرافيا نفسها تحت الحصار والقصف؟ وكيف يصبح حصار الجغرافيا ميزة تنافسية في السوق العالمية، وأداة فاعلة في الاستغلال؟
الانحسار المفاجئ للنيل، إلى درجة ظهور ألسنة رملية في بعض المناطق، أدى بشكل مباشر إلى نقص حاد في المياه، إذ ضرب العطش مناطق واسعة من الخرطوم، بعد خروج بعض محطات المياه في الولاية من الخدمة تماماً أو تراجع طاقتها إلى النصف، ما أدى إلى انقطاع واسع للمياه. ولم تُصدِر هيئة مياه الخرطوم أي بيان إضافي بعد بيان وزارة الري، التي سارعت إلى زيادة التصريفات من بعض الخزانات، لحل أزمة العطش...
شاهدها الناس، وعرفوا أنهم لا يُشاهدون جنازةً عابرة، بقدر ما كانوا يُشاهِدون قهرهم وألمهم المخبأ منذ سنوات. بكى الصحافيون، بكى السكان، انهارت النساء، وذابت قلوب الأطفال من الوجع. كأنّها طاقةٌ كبيرة للحزن، انفتحت لتنفجرَ بما فيها من ألمٍ في وجوه الكُل. كان البكاء بين المارّة، وحتى الناس الذين يحملون بقايا جثامين جيرانهم وأقاربهم، إذ لم يبقَ من العائلة الأصلية للشهداء أحد. رحلوا، رجالاً وأطفالاً ونساءً.
تَحوَّل استخدام "العِقلاة" مع الوقت إلى كارثة، تَحوَّل ما هو غير عادي إلى عادي. دفع استسهال الناس لغياب معايير السلامة، "العقلاة"، إلى أن تكون مصدراً آخر من مصادر الموت في قطاع غزّة، وكأن الفلسطينيين لا يكفيهم الموت حرقاً أو قصفاً أو اختناقاً في الخيام، وحان الوقت كي يموتوا بطريقةٍ جديدة: في المواصلات.
في الأراضي الإثيوبية، يقع الملف الأشد خطورة وحساسية، أي جرح سد النهضة الغائر، إذ تخطت إثيوبيا حدود الملء الخامس، على الرغم من اتفاق أبرمته الحكومات الثلاث: الخرطوم والقاهرة وأديس أبابا، قبل حوالي عشر سنوات، وأقر بعدم تخطي الملء الرابع، والأهم، وجوب التنسيق الفني المشترك، بهدف حماية حصص دول المصب من المياه، ووقايتها من مخاطر الجفاف والفيضان.
تكتسب مسألة انقطاع الكهرباء في تونس معنى خاصاً، لأنها لم تكن مجرد تجهيز تقني أُضيف إلى المجال الوطني، بل أحد أهم الرموز المادية التي قامت عليها سردية الدولة الحديثة، ولا سيما منذ تسعينيات القرن الماضي. فقد قدّمت السلطة نفسها بوصفها دولة "تنوير" بالمعنيين المادي والسياسي للكلمة. كان الضوء علامة على حضور الدولة حتى في أكثر المناطق بُعداً، وكان يترِجم بصورة ملموسة وعداً سياسياً مؤداه أن المجال كله أصبح قابلاً للإدارة،...
الإخفاق في انتهاز اللحظة التاريخية، التي تعرضت فيها غزة للإبادة، من أجل توحيد الصف الفلسطيني، يدل على أن القوى الحاكمة في شطري الوطن تعتقد أنها تفهم وتصون مصالح الشعب الفلسطيني، كلٌ منها أكثر من الخصم في الشطر الآخر. بل أنها لا تكترث للرأي الشعبي العام السائد والمُصرُّ على الوحدة. وهذه حالٌ مخزية أمام هول المشهد، وإصرار الأعداء على محونا كبشر وشعب، أو على الأقل على إنهاء قضية فلسطين، وإنكار حقوق...
المؤرخ الفلسطيني د. رشيد خالدي في مقابلة تلفزيونية مطولة مع د.رباب المهدي، يتناول خصائص اللحظة الراهنة في فلسطين ويقيّم في سياقها طبيعة السلطة الفلسطينية.
يقول الناس: "بكينا ع الحسين، وهلق عم نبكي ع حالنا".. هكذا هي الحال، أو "الله يلعن الفقير وعيشتو"، فقد طارت المدخرات مع شهور النزوح الثلاثة في أماكن مختلفة من لبنان، تعرض بعضهم فيها لجشع آخر، لا يقل دناءة عما يتعرضون إليه في هذه الأيام.
في النشرة الأخيرة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (نيسان/ أبريل 2025)، سَجّلت محافظتا بورسعيد والأقصر رصيد صفر حوادث وإصابات، للعام 2024، وذلك لعدم تلقّي الجهاز بيانات متعلقة بالمحافظتين، بسبب انضمامهما إلى منظومة التأمين الصحي الشامل! هناك إذاً تناقض بين واقع ميداني يفيض بالضحايا، وأرقام رسمية تُظهِر تراجعاً في الوفيات بنسبة 16 في المئة، بينما تكشف عن انفجار في أعداد المصابين، بنسبة تتجاوز 216 في المئة، للفترة من 2014 إلى 2024....
تتأسس النظرة الفرنسية الرسمية تجاه المنظومة التعليمية المغربية، على انتقائية تعزل القمة عن القاعدة، حيث تنظر باريس إلى المدرسة المغربية من خلال عدسة "الأقسام التحضيرية"، والمتخرجين في مدارس المهندسين، الذين يندمجون بسلاسة في نسيجها الأكاديمي والاقتصادي. فهم يصلون إلى سوق العمل الفرنسي جاهزين للاستغلال. وتتغاضى هذه النظرة الدبلوماسية عن السياق الشامل الذي يُنتِج هذه النخبة، لتتعامل مع الكفاءات المصدَّرة كمؤشر إلى عافية المنظومة ككل، متجاهلة التكلفة الباهظة التي يتكبدها المجتمع...
دخلت ليبيا مرحلة طويلة من التفكك الأمني والمؤسساتي، حيث لم تعد الدولة قادرة على احتكار العنف، بل تَوزّع هذا الأخير بين مجموعات مُسلّحة تتنازع حول النفوذ. فانتقل العنف من مجرّد أداة مؤقتة لإدارة الصراع المسلح إلى آلية للحكم. والميليشيا التي تسيطر على أي مدينة، تبعث برسائل ترهيب من خلال ارتكاب الانتهاكات ليصبح بذلك الخوف أداة حكم لديها.
طالما أن حدود إسرائيل غير ثابتة، يظل التوسع ممكناً. هذه هي خلفية مشروع دولة "بلا حدود"، وهو التصور التوراتي والصهيوني لإسرائيل الكبرى، وتداعياته على الفلسطينيين والمنطقة بأسرها. ولكن وبعيداً عن هذا المنظور الديني، الذي لا يستند إلى وقائع تاريخية، على غرار عدد من القصص التوراتية الأخرى، يمكن الإشارة إلى قصة موسى في مصر كمثال. فعلى الرغم من عادة المصريين القدماء في تدوين الأحداث، إلا أن هذه القصة غائبة عن سجلاتهم،...
كانت الكرة في فلسطين، وفي مخيماتها خصوصاً، تُلعب في كلّ مكان. في لحظة واحدة، يتحوّل الشارع أو الزُقاق إلى ملعب. ما يتطلبه فقط ليس سوى حجرَيْن، أو اثنين من نِعال اللاعبين المهترئة، حين يتطوّع اثنان منهم فيخلعا ما في أقدامهما، واللعب حافيين، تكتملُ مقاييس اللعبة، ليكون الحجر أو الحذاء، مرمى للحُرّاس. صارت الملاعب لاحقاً، وإلى الآن، مخيماً كبيراً جدّاً للنازحين ، يحمل الاسم نفسه، حيث تعيش فيه مئات العائلات من...
المزيد