جنازات مؤجلة

شاهدها الناس، وعرفوا أنهم لا يُشاهدون جنازةً عابرة، بقدر ما كانوا يُشاهِدون قهرهم وألمهم المخبأ منذ سنوات. بكى الصحافيون، بكى السكان، انهارت النساء، وذابت قلوب الأطفال من الوجع. كأنّها طاقةٌ كبيرة للحزن، انفتحت لتنفجرَ بما فيها من ألمٍ في وجوه الكُل. كان البكاء بين المارّة، وحتى الناس الذين يحملون بقايا جثامين جيرانهم وأقاربهم، إذ لم يبقَ من العائلة الأصلية للشهداء أحد. رحلوا، رجالاً وأطفالاً ونساءً.
2026-08-04

المقداد جميل مقداد

كاتب وباحث من غزة


شارك
التشييع

لم يكن مشهداً عادياً. قالوا إنها أكبر جنازة في تاريخ فلسطين، لكنهم لم يقولوا عن هذه الواقعة إنها أكبر "فعالية" للبُكاء، لعلّها ارتدت حُزن العالم كُلّه، وحُزن غزّة كُلها منذُ ثلاث سنواتٍ إلى اليوم، وجمعتهما في بقعةٍ صغيرة في حي الصبرة، جنوبي المدينة المقهورة.

جنازة عائلتيْ "الحساينة" و"أبو شريعة"، التي أقامتها غزّة، كانت أكثر من مُجرّد جنازة. تَحدَّث الجميع عنها منذُ أيام. شاهدها الناس، وعرفوا أنهم لا يُشاهدون جنازةً عابرة، بقدر ما كانوا يُشاهدون قهرهم وألمهم المخبأ منذُ سنوات. بكى الصحافيون، بكى السكان، انهارت النساء، وذابت قلوب الأطفال من الوجع. كأنّها طاقةٌ كبيرة للحزن، انفتحت لتنفجرَ بما فيها من ألمٍ في وجوه الكُل.

بكى الجميع.. لم تتحمّل العيون حبسَ الدموع، فاستحضرنا كلمة إبراهيم نصر الله على لسان إحدى بطلات رواياته حين قالت "كان يلزمنا قلوبٌ أكبر لتتسع لكل هذا الأسى". كان البكاء بين المارّة، وحتى الناس الذين يحملون بقايا جثامين جيرانهم وأقاربهم، إذ لم يبقَ من العائلة الأصلية للشُهداء أحد. رحلوا، رجالاً وأطفالاً ونساءً. رحلَ شبابهم، وحتى مُختارهم، الشهيد "فتحي فراج أبو شريعة الحساينة"، الذي كان يعيش في قلب المُربّع السكني، رحل مع أبنائه.

رشّت النساء من الشُرفات ومن خلف الشبابيك جثامين الشهداء بالورد والأرز، على عادة أهلِ فلسطين منذ عقود. قال صديقي أحمد إبراهيم وهو يصف مشهدهنّ، وهنّ ينثرن الورد ملحوقاً بالدموع الممتدة، إنه لأوّل مرة يعرف ماذا يعني الإنسان حين يقول "تُدْمي القلب".

كان يجب أن تكون الجنازة أكبر، فقد شيّع الناس 112 شهيداً فقط، معظمهم من الأطفال والنساء، لكنهم كانوا يبكون آخرين لم يعرفوا كيفَ يُشيّعوهم. أولئك الـ 154 شهيداً الآخرين، الذين ذابت أجسادهم من قوّة الصواريخ، حين قصفت الطائرات الإسرائيلية المربع السكني الذي كانت تسكنه العائلة قبل ثلاثة أعوام (في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2023)...

يقول الصديق يوسف فارس: "سألت واحداً من ذويهم عن الحكاية، فأخبرني أن 300 من رجال العائلة وأطفالها ونسائها يسكنون بيوتاً متلاصقة في هذا المربع، أطلقت الطائرات المسيّرة على كلِ بيت منهم صاروخاً أو اثنين ليدفعهم للخروج والنزوح، وقد تجمّعت كلُ عائلة أخلت بيتها في عمارة المختار فتحي، كبير العائلة الذي يُعطي شعوراً بالأمان في أعتى الظروف. وحينئذ، ألقت الطائرات الحربية العشرات من القنابل الكبيرة، فقُتل الجميع".

تشييع 112 شهيداً في غزة في 4 آب / أغسطس 2026 (تصوير محمود حمدة)

اختفت معالم المربع بالكامل تحت الركام، ولم تسمح إسرائيل بانتشال الضحايا منذ يوم المجزرة، و⁠لا تزال آثار الدمار شاهدة على المأساة الإنسانية في المكان، حيثُ لم يبقَ أثر لمنازل هذه العائلات التي أُبيدت على امتدادها من الأجداد إلى الأحفاد، ومن بينهم 44 طفلاً و37 امرأة.

حتى صور الشُهداء التي علّقتها المشيعون على الجثامين، لم تكُن هي نفسها كما في الداخل، فأكثرُ من ألف يومٍ حوّلت ملامحهم إلى بقايا، جعلت التعرف عليهم صعباً، ودفعت الناس إلى محاولة تَذكّر أماكن سكنهم أو وجودهم أو بعض ملابسهم أو ذكرياتهم وهوياتهم الشخصيّة.

استشعر الصحافيون فيما بينهم حجم الأسى في المشهد. قرّر الجميع في مجموعات المتابعة الإخبارية والتغطيات، أن نشر المقاطع وتداولها سيكون اليوم بلا حقوق أو شعارات أو خصوصيات، حيث ستبقى الصور والمقاطع مسموحة للتداول والنشر للجميع، كي يرى العالم مشهد الحزن الذي شيّعه الغزّيون.

يقول الصديق يوسف فارس: "سألت واحداً من ذويهم عن الحكاية، فأخبرني أن 300 من رجال العائلة وأطفالها ونسائها يسكنون بيوتاً متلاصقة في هذا المربع، أطلقت الطائرات المسيّرة على كلِ بيت منهم صاروخاً أو اثنين ليدفعهم للخروج والنزوح، وقد تجمّعت كلُ عائلة أخلت بيتها في عمارة المختار فتحي، كبير العائلة الذي يُعطي شعوراً بالأمان في أعتى الظروف. وحينئذ، ألقت الطائرات الحربية العشرات من القنابل الكبيرة، فقُتل الجميع".

كان جهاز الدفاع المدني وطواقم الإنقاذ قد بدأت عمليات الانتشال منتصف شهر تموز/يوليو الفائت ، ولم تنتهِ منه حتى الأوّل من آب/أغسطس الحالي، لتُعلن للعالم أنها نجحت فقط في العثور على أقلّ من نصف الشُهداء الذين بقوا لأكثر من ألف يومٍ ينتظرون جنازتهم المؤجّلة.

ليس هُم فقط. فأكثر من 10 آلاف شهيد آخر لا زالوا كأطفال "الحساينة" و"أبو شريعة"، ينتظرون جنازاتهم، حيثُ تُشير التقديرات إلى وجود هذا العدد تحتَ الأنقاض دون قُدرة على انتشالهم، مع أزمة المعدات ونقص الوقود والإمكانيات. هؤلاء الذين يذكرهم الإعلام دائماً كعددٍ للمفقودين، خلفهم الآلاف من أهلهم وأصحابهم وجيرانهم، ينتظرون لحظة وداعٍ أخيرة، كي يناموا وهم يدركون أنهم دفنوا أحبائهم، وأن أصواتهم وأحلامهم لن تُناديهم من هُناك، من تحت الرُكام، ولن تستنجدَ بهم الذكريات كي تقول: "نحنُ لا زلنا هُنا".

شُيعت الجنازة إلى مقبرةٍ جماعية أُقيمت داخل المستشفى العربي المعمداني، وهو ليس سوى مستشفى المجزرة الشهيرة في بداية الحرب، تلك التي كانت بداية تطبيع العالم مع الإبادة، وتلك التي لولا صمتُ العالم عنها، ما مات أبناء "الحساينة" و"أبو شريعة".

شيّعهُم الناس، وهُم يشيعون معهم أفراحهم وذكرياتهم. شيّعوهم وعادوا من جديد، يحملون أحزانهم وبكاءً طويلاً وأبدياً، عرفوا أنه لن ينتهي، وسيبقى حزناً مفتوحاً ككلّ الجروح الغائرة وكُل الوجوه الغائبة تحتَ الأنقاض... حتى تنتهي كلّ تلك الجنازات المؤجّلة.

مقالات من فلسطين

عجلة أخرى للموت

تَحوَّل استخدام "العِقلاة" مع الوقت إلى كارثة، تَحوَّل ما هو غير عادي إلى عادي. دفع استسهال الناس لغياب معايير السلامة، "العقلاة"، إلى أن تكون مصدراً آخر من مصادر الموت في...

للكاتب/ة

عجلة أخرى للموت

تَحوَّل استخدام "العِقلاة" مع الوقت إلى كارثة، تَحوَّل ما هو غير عادي إلى عادي. دفع استسهال الناس لغياب معايير السلامة، "العقلاة"، إلى أن تكون مصدراً آخر من مصادر الموت في...

مونديال غزة

كانت الكرة في فلسطين، وفي مخيماتها خصوصاً، تُلعب في كلّ مكان. في لحظة واحدة، يتحوّل الشارع أو الزُقاق إلى ملعب. ما يتطلبه فقط ليس سوى حجرَيْن، أو اثنين من نِعال...