ماذا تعرف عن غزة؟

بنسبة كبيرة لا يعرف الناس عن غزّة شيئًا. أدركتُ ذلك سواء من سفرتي اليتيمة تلك، أو من حواراتي العديدة مع أصدقاء في الخارج، أو من متابعتي اليومية الطويلة لآراء الناس وكلماتهم على منصات التواصل. حاولتْ إسرائيل مراراً، وعلى مدار ثلاث سنوات إلا قليلاً من الحرب، الترويج بأن غزة مكان متنوّع وواسع، ويمكن لأهله المغادرة من منطقة إلى أخرى، حتى انتهاء تنفيذ "العمليات العسكرية" فيها!
2026-08-25

المقداد جميل مقداد

كاتب وباحث من غزة


شارك
يزن أبو سلامة، غزة / فلسطين

قابلت في سفرتي الوحيدة اليتيمة مطلع العام 2023، عدداً من الأشقاء العرب، ولم أتوقّع يوماً أن أشاهد هذا التنوع العربي في يومٍ واحد أو أيامٍ قليلة. استقبلني في المطار صديقٌ تونسي، وفي رحلاتنا تعرفتُ على جزائريين ومغاربة وسوريين وسعوديين، وجلستُ في محل كشري مصري في "شيرين ايفلر".

كان أحد أبرز محاور الحديث في الرحلات والزيارات، التي قمتُ بها في إسطنبول آنذاك، واقعنا كفلسطينيين، إذ يظن الغالبيّة أننا مثلهم تماماً، في السفر والتنقل وسهولة الدخول إلى البلاد، والخروج منها، حتى يبدأون بالتساؤل أمام أول موقف أو كلمة تبيِّن شيئاً مختلفاً، فيكون ذلك مدخلاً إلى حديثٍ طويل. تكتشف حقيقة، أعتقد أن معظم الفلسطينيين أو الغزاويين خصوصاً - نظراً لخصوصية واقع غزّة في الحالة الفلسطينية - يكتشفونها، وهي أن معظم الأشقاء العرب لا يعرفون الواقع على حقيقته، ورُبما لا يملكون من المعلومات عن هذه البُقعة الجغرافية أكثر من معرفة مكانها، واسمها، أو عناوين الأخبار المنشورة يومياً عنها.

في إحدى الرحلات، رافقنا زوجيْن من المغرب، وصلا من الرباط إلى إسطنبول في ساعاتٍ قليلة. كان زفافهما في الليلة الماضية، وانطلقا فوراً لقضاء شهر العسل في إسطنبول، ولم يأخذ السفر معهم أكثر من ليلة، ما دفعني إلى التعليق على حديثهما بأنني أغبطهم على هذه السهولة، فتكتشفُ سيّدة جزائرية كانت تُرافقنا مع ابنتها الشابة أن هناك شيئًا ما خلف هذه الكلمات، وتسألني عن طريقة مُغادرتي، حتى تُصدم بأنني أمضيتُ ما يزيد على 36 ساعة حتى وصلتُ من غزة إلى إسطنبول، التي لا تحتاج المسافة بينهما بالطائرة إلى أكثر من ساعتيْن فقط.

كذلك دارَ مُعظم الحديث عن واقع غزّة، فرفاق الرحلة لا يعرفون عن هذا المكان كثيراً. لا كيفَ نسافر ولا كيف نتحرك، ولا التفتيش أو الصعوبات الطويلة التي يُعانيها الشباب في الطريق، وبينما كنتُ كشخصٍ مُحب للبحث والتجوّل في المصادر والمواقع، وأقرأ الأخبار كثيراً، حتى أتفرع من كل خبر إلى مصادر ومعلومات عديدة، لأفهم تفاصيل الخبر، اكتشفت أن قلة من الناس تفعل ذلك، حتى مع مكانٍ يرونه في الأخبار يومياً رُبما عشرات المراّت كقطاع غزة.

تبدو هذه المهمة شاقّة، لأن الكلمات تبقى، مهما حاولت توصيف الوضع وتنقيحه ليبدو مشابهاً للواقع، فاشلة بشكلٍ مؤكد. لا شيء يُشبه الواقع. بالتأكيد لن يفهم شخص كانت رحلة الطائرة عنده شبيهة برحلة في الباص بين مكانٍ وآخر، شعور شخصٍ مرّت رحلته بعدة محطات، تطلب فيها الأمر تفتيشه في طريقٍ بسيط وسريع بين قطاع غزّة والأراضي المصرية، أكثر من 10 مرّات، احتاج في ذلك إلى إنزال كل من في الباص وعدّ أسمائهم والتأكدُّ من وجودهم، كأنهم محتجزون، فقط لأنهم شُبان فلسطينيون.

ولن يفهم الحاجة إلى الاحتجاز في المطار لساعاتٍ طويلة، والنوم على الكراسي أو على أسرة وفراش مليئ بالبراغيث والحشرات والروائح العفنة، فقط لأنه لا يُسمح لك بالبقاء في المطار، لانتظار طائرتك مثل المسافرين الآخريْن، أو المرور في مصر لقضاء ليلة سريعة قبل موعد السفر.

لا أُنكر أنني حين كنتُ في مطار القاهرة أتجول، وحتى لاحقاً في مطار إسطنبول، كنت أبحث في وجوه الناس عمن يعرف مأساتي، لكنني اكتشفت أن العالم أوسع من أن يعرف ماذا يحدث لهذا الشخص أو ذاك، حتى لو كانت كلّ الأخبار تتحدث عنه، وأن العالم أكثر انشغالاً بنفسه، خاصة بعد أن يُغلق شاشة الجزيرة، أو يُنهي تصفحه لتطبيق "الانستغرام". حينها سينسى كُلّ شيء.

اصطدمت قبل أيام بفتاة مصرية كانت قد كتبتْ على موقع "إكس"، تتساءل لماذا لا يخرج أهل غزّة من مدينتهم إلى مكانٍ آخر في فلسطين، كي يهربوا من القصف والقتل، بدلاً من بقائهم في هذا المكان لثلاث سنوات على الأقل، وهم يتعرضون خلالها لهذه الإبادة".

تسأل الفتاة: "هل مستنيين دورهم في الموت؟ كلنا هنموت أكيد بس هما ليه واقفين قدام القطر؟". لم يتوقف الأمر عند ذلك. حتى أولئك الذين ظنوا أنهم "فهلوية" في النقاش والحديث، لم يتكلفوا عناء التوضيح لها بتفاصيل الأزمة، فـ"فهلوية مصر" قالوا لها إن هذا دليل على ثبات الفلسطينيين في أرضهم ورفضهم التهجير. حقاً؟ رفض التهجير يعني أن يتركوا أنفسهم للموت؟

استمر النقاش، وفق ما رأيت ليوميْن كامليْن، ولم أجد شخصاً واحداً يشرح لهذه الفتاة الأمر بطريقة صحيحة وسليمة جداً، على الرغم من أن وسائل الإعلام بكل ما فيها، من فوقها وتحتها، وبكل مكان، تقول ما لا تعرفه هذه الفتاة في البلد الجار.

سألتُ نفسي: هل حقاً لم تشاهد يوماً خريطة قطاع غزّة؟ هل تعرف أين حدودها؟ لا أريد أن تعرف يا سيدي. ألم تسمع بـ"الخط الأصفر"، الذي ملأت ضجته الدنيا والإعلام ووسائل التواصل في التسعة الأشهر الأخيرة، والذي ضيّق غزة أكثر فأكثر؟

مقالات ذات صلة

قال أحد الأصدقاء الذي يعيش في مصر قبل أيام، إن السائق الذي ركب معه في المواصلات اليومية، سأله إن كان قد صلّى في المسجد الأقصى أم لا. قال له الشاب إنه من غزة، فردّ السائق بما معناه: "أليس الأقصى في غزة؟".

لا أستبعد دور التجهيل المتعمّد الذي قصدتهُ إسرائيل في وصول هذه الرسالة إلى العالم، لكنني أعتقد أنه أمرٌ غير مُبرر أبداً. حاولتْ إسرائيل مراراً، وعلى مدار ثلاث سنوات إلا قليلاً من الحرب، الترويج بأن غزة مكان متنوّع وواسع، ويمكن لأهله المغادرة من منطقة إلى أخرى، حتى انتهاء تنفيذ "العمليات العسكرية" فيها، وهو ما بدأتهُ في الثالث عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حين دعت السكان إلى المغادرة نحو الجنوب، وبدأ العالم ومنظماته الدولية الترويج للفكرة نفسها، وتكرر الأمر مع الوقت، في كلّ نزوح، حتى "وقف إطلاق النار"، فيما كان يدعونا الجيش في كلّ مرة إلى الخروج إلى مكان آمن.

كانت مهمة هذه البيانات والتصريحات اليومية، حتى من المسؤولين الإسرائيليين في المؤتمرات، الترويج لصورة أخرى عن الواقع في غزة، تقول بعنوانٍ عريض إن هذا المكان أوسع مما يتخيلون، وإن هناك مساحة كي يعيش الناس في مكانٍ آخر، وإن هناك مكاناً آمناً وآخر تحت النار، إلا أن ذلك لم يكن سوى وهم تسلل إلى عقول كثيرين، أمثال تلك الفتاة، التي تُطالِب أهل غزة بالمغادرة إلى مدينةٍ أخرى، بدلاً من ترك أنفسهم لـ"قطار الموت".

بنسبة كبيرة لا يعرف الناس عن غزّة شيئًا. أدركتُ ذلك سواء من سفرتي اليتيمة تلك، أو من حواراتي العديدة مع أصدقاء في الخارج، أو من متابعتي اليومية الطويلة لآراء الناس وكلماتهم على منصات التواصل.

لكن تخيّل أنك تعيش في سجن يصعب التواصل مع الناس خارجه، والخروج منه إلى زيارة قصيرة يتطلّب مئات الموافقات، وفي أحيانٍ كثيرة آلاف الدولارات للشخص الواحد، وفوق كلّ ذلك، تُقطع عنك المياه والكهرباء ويدخل الغذاء لك بالقطارة، ومن فوقك يُطلقون النار، ويطلبون منك أن تُغادر من زاوية إلى أُخرى في السجن، كأن الرصاص يُفرق بين هذه الزاوية أو تلك؟

نعم هذه غزة يا عزيزي، قد تتشابه أحياناً بعض المعاناة والتفاصيل فيها مع معاناة أماكن أخرى، لكن لا شيء يشبه غزة في الحقيقة، فخصوصية ألمها ومعاناتها وقضيتها تجعلها مكاناً فريداً في هذه الكارثة.

مقالات من فلسطين

سيرك فلسطين يحمل الدبكة إلى مهرجان "إدنبرة فرينج" لفنون الأداء

2026-08-13

يعتمد "منتدى مهرجان فرينج"، المسؤول عن تنظيم المهرجان، سياسةً قائمة على فتح الباب للفنانين لسرد قصتهم، متخلياً عن معايير الاختيار والتصفية التقليدية للمشاركين. و"مدرسة السيرك الفلسطيني" واحدة من تلك المجموعات...

جنازات مؤجلة

شاهدها الناس، وعرفوا أنهم لا يُشاهدون جنازةً عابرة، بقدر ما كانوا يُشاهِدون قهرهم وألمهم المخبأ منذ سنوات. بكى الصحافيون، بكى السكان، انهارت النساء، وذابت قلوب الأطفال من الوجع. كأنّها طاقةٌ...

للكاتب/ة

جنازات مؤجلة

شاهدها الناس، وعرفوا أنهم لا يُشاهدون جنازةً عابرة، بقدر ما كانوا يُشاهِدون قهرهم وألمهم المخبأ منذ سنوات. بكى الصحافيون، بكى السكان، انهارت النساء، وذابت قلوب الأطفال من الوجع. كأنّها طاقةٌ...

عجلة أخرى للموت

تَحوَّل استخدام "العِقلاة" مع الوقت إلى كارثة، تَحوَّل ما هو غير عادي إلى عادي. دفع استسهال الناس لغياب معايير السلامة، "العقلاة"، إلى أن تكون مصدراً آخر من مصادر الموت في...

مونديال غزة

كانت الكرة في فلسطين، وفي مخيماتها خصوصاً، تُلعب في كلّ مكان. في لحظة واحدة، يتحوّل الشارع أو الزُقاق إلى ملعب. ما يتطلبه فقط ليس سوى حجرَيْن، أو اثنين من نِعال...