إعداد وتحرير: صباح جلّول
"كنت أقيم مع عائلتي في خربة الطوايل، وكنّا نعتمد في معيشتنا على تربية الأغنام. لدينا أيضاً منزل آخر في بلدة عقربا، لكن لا توجد في القرية إمكانيّة لتربية الأغنام. في الشتاء كنا ننتقل مع المواشي إلى منطقة عين السخن، لتوفر المياه الساخنة هناك، لكن المستوطنين الذين أقاموا بؤرة استيطانية في المنطقة، طردونا من هناك منذ عام 2024 ... حاولتُ أن أدافع عن ابني، لكنّ المستوطن - الذي أعرفه جيّداً - أطلق رصاصتين في الهواء من سلاحه الرشّاش لكي يُرهبني، وأيضاً شتمني بألفاظ نابية، وهدّد بأن يُطلق النار عليّ. كنت أرى [ابني] جواد بين أيدي المستوطنين يصرخ ويستغيث، وأنا عاجز عن فعل أيّ شيء".
- شهادة سمير بني فضل (40 عاماً)، أب لستة أولاد، من سكان تجمع الطوايل.
ليست هذه إلا واحدة من بين أكثر من ألفي إفادة وشهادة سجّلتها منظمة "بتسليم" (مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة)، جُمعت بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023، كجزء من تقرير مفصّل بعنوان "مشروع المحو: إلغاء إسرائيل للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية"[1]. يرتكز التقرير، بالإضافة إلى اعتماده على الإفادات المباشرة، على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان في الضفة الغربية بالوقائع والتواريخ، على مدى أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، لمحاولة فهم آلية المحو.
حسب مقدمة "بتسليم" للنص: "ينظر التقرير في الواقع الراهن ليس على أنه مجموعة من الأحداث العينية أو وقائع معينة تمسّ بالفلسطينيين، بل كجزء من منظومة محو شاملة تعمل لتفكيك الظروف التي تتيح للفلسطينيين الاستمرار في الوجود في الضفة الغربية، وفي الوقت نفسه تُعمِّق السيطرة والفوقية اليهوديين فيها على نحو لا رجعة فيه".
ما تُظهِره الشهادات والبيانات والانتهاكات المسجلة يبيّن من دون شكّ أن مشروع المحو في الضفة الغربية يُنفَّذ بشكل علني ومباشر وعنيف أكثر من أي وقتٍ مضى (هو لم يتوقف أبداً على مدى عقود سلفت)، مرتكزاً إلى معادلة جهنّمية، قوامها التعاون المتصاعد واللصيق، بل التنسيق التام، بين سلطات دولة الاحتلال الرسمية وميليشيات المستوطنين اللارسمية، التي تعمل في الضفة بغطاء ودعم تلك السلطات.
إذاً، لا يحدث ما يجري في الضفة الغربية في صورة اعتداءات منفصلة أو إجراءات أمنية متفرقة. هو آلية متكاملة، ومنظومة مترابطة بفاعلين متعدِّدين، يعملون كلّ من موقعه على تفكيك الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية، إعدام شروط الحياة نفسها، وإعادة "تنظيم" الحيّز السكني والزراعي، وحتى الجامعي، في أنحاء الضفة، وذلك في سياق يتوازى مع حروب إسرائيل الإبادية في غزة ولبنان، ولكنه يستعمل أدوات مختلفة عنها.
وفق هذا التقرير[2]، يطال هذا المسار الإسرائيلي العمدي تفاصيل تبدو صغيرة واعتيادية، وترتبط بالحياة اليومية للفلسطينيين، مثل الوصول إلى مكان العمل، إيصال الأطفال إلى المدارس، الذهاب إلى المستشفى، زيارة الأقارب، فلاحة الأرض أو الوصول إلى المراعي. فهذه الأنشطة أصبحت محكومة بالقيود والحواجز والعنف والخوف، بحيث لا يعود الوجود في المكان مسألة إقامة فحسب، بل سؤالاً عن القدرة الفعلية على الاستمرار فيه.
"منطق المحو"
يبدأ التقرير بالقول إنه لا يمكن فهم الواقع الحالي في الضفة الغربية "من دون فحص الجذور الأيديولوجية والأسس النظامية التي تستند إليها آلية المحو"، فيعود إلى مصطلح "منطق المحو"، الذي صاغه المؤرخ "باتريك وولف"، لوصف كيفية عمل المشروع الاستعماري-الاستيطاني على تقليص وجود الجماعة الأصلية المرتبطة بالحيز، وتفكيكه وإزالته. يكون الهدف هو مضائلة وتحجيم الوجود الأصلي في المكان من خلال أفعالٍ تتراوح بين القتل والتهجير والترحيل والتجزيء، بالإضافة إلى استعمال آليات اقتصادية أو قانونية أو تخطيطية ومكانية، ومزيح منها، تفيده في تحقيق ذلك على المدى الطويل.
"منطق المحو" هذا لا يتوخى بالضرورة الإزالة الفورية لجماعة من مكان ما (كما حصل في غزة أو جنوب لبنان مثلاً)، بل هو يعمد إلى تفكيك الشروط التي تجعل وجود تلك الجماعي ممكناً: الأرض، والمؤسسات، والروابط الاجتماعية، والقدرة السياسية، والذاكرة، والثقافة، وحتى إمكانية تخيُّل مستقبل مشترك في ذلك الحيز المكاني.
تتخذ هذه العملية في الضفة الغربية خمسة مسارات متداخلة: العنف وبث الرعب، تقييد الحركة، الخنق الاقتصادي، التدمير الاجتماعي والسياسي، والتطهير العرقي والاستيلاء على الحيز.
أيديولوجيا المحو: كتب حول الصهيونية
18-01-2024
لا يعمل أي من هذه المسارات منفرداً. فإغلاق الطريق، على سبيل المثال، قد يمنع عاملاً من الوصول إلى عمله أو مزارعاً من الوصول إلى أرضه، وفقدان الدخل يُضعف الأسرة والمؤسسات، ومنع الوصول إلى الأرض قد يخلق الظروف التي تسهِّل الاستيلاء عليها، وهكذا. وبذلك لا يكون الحاجز أو الهدم أو الاعتقال عملاً مكْتفياً بذاته، لكنّه جزءٌ من نتائج تراكمية، تعمل على جعل الحياة الفلسطينية أكثر تجزؤاً وهشاشة، بالتوازي مع توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
جنديّ ومستوطن: العنف ثم العنف
يقع العنف في قلب هذه الآلية. قتلتْ إسرائيل، حسب البيانات المطروحة، 1087 فلسطينياً في الضفة الغربية، بين 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 و30 حزيران/يونيو 2026. بين هؤلاء 242 طفلاً و21 امرأة. ويُشير التقرير إلى توسُّع استخدام الغارات الجوية والاقتحامات الواسعة وتدمير البنية التحتية في مخيمات اللاجئين، إلى جانب المداهمات الليلية والاعتقالات والتفتيش والتهديد والإذلال.
أما الحدود بين عنف جيش الاحتلال وعنف المستوطنين، فهي أكثر ضبابية من أي وقت مضى. في الواقع، ثمة دعم رسمي جليّ للعصابات والميليشيات، لا يقتصر على المرافقة وغض النظر والحماية، بل يصل إلى التسليح المباشر وتقديم العون.
يعتبر التقرير أن الخوف نفسه يتحول إلى أداة حكم، فحين لا يعرف الفلسطيني إن كان الطريق سيُغلق، أو إن كان منزله سيتعرض للمداهمة، أو إن كان الوصول إلى أرضه سيعرّضه لهجوم، "تصبح القرارات اليومية محكومة بحساب المخاطر".
ثانياً.. تقطيع الطرق
تُولي هذه الآلية أهمية كبرى لتقييد الحركة، فقد بنت إسرائيل على مدى سنوات مضتْ شبكة مصمَّمة بدقة من الحواجز والبوابات والجدار والطرق الالتفافية وأنظمة التصاريح والأوامر العسكرية، التي تقسم الضفة إلى مناطق متقطعة. حسب بيانات التقرير، فُعِّلت هذه البنية وكُثِّف استخدامها بشكل مضعَّف منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، كما أُقيم أكثر من 200 حاجز جديد بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحزيران/يونيو 2026، وأُغلقت طرق تصل عشرات البلدات الفلسطينية بالطرق الرئيسية.
بهذا تتحول الرحلة القصيرة إلى ساعات مُحْبِطة على الطريق، لا يعرف فيها الفلسطيني حتى إن كان سيتمكن من الوصول إلى العمل أو المدرسة أو المستشفى.. أو العودة إلى منزله بسلام. والخلاصة أن هذه القيود لا تعرقل الحركة بين الجهات فحسب، بل هي أداة مؤثِّرة في الاقتصاد والتعليم والصحة والعلاقات الاجتماعية، وتُضعِف في الوقت نفسه قدرة الفلسطينيين على البقاء مرتبطين بأرضهم.
الإطباق على الاقتصاد والمجتمع
منذ عام 1967، أبقت إسرائيل سيطرتها على مساحات واسعة من الأرض والموارد والمعابر، ووجّهت جزءاً كبيراً من قوة العمل الفلسطينية نحو سوق العمل الإسرائيلي، فيما قيَّدت تطور الاقتصاد الفلسطيني المستقل. وبعد تشرين الأول/أكتوبر 2023، أُلغيت تقريباً جميع تصاريح العمل للفلسطينيين من سكان الضفة داخل إسرائيل. فجأة، صار أكثر من 140 ألف فلسطيني بلا مصادر رزقهم الرئيسية. ارتفعت معدلات البطالة، حسب التقرير، من 13.1 في المئة عام 2022 إلى أكثر من 31.3 في المئةعام 2024.
فقدان الوظائف ليس الحبل الوحيد الذي يشتد حول عنق الاقتصاد. فالقيود الإسرائيلية على الوصول إلى الأرض والمياه والأسواق عاملٌ فعال آخر، كما اقتلاع الأشجار ومصادرة قطعان الماشية وتقييد تطوير البنية التحتية. كل ذلك يضرب شبكات الأمان، الشحيحة أصلاً، التي تعتمد عليها الأسر الفلسطينية، وهذا ثالث مسارات آلية المحو.
أما المسار الرابع، فهو "التدمير الاجتماعي والسياسي"، عبر التضييق على الأحزاب والحركات والناشطين والمؤسسات المدنية والصحافيين والطلاب، إلى جانب الاعتقالات والمراقبة وتقييد حرية التظاهر والتعبير. أكثر من 411 تنظيماً سياسياً أخرجتها إسرائيل من القانون بين 1967 و2019. وبعد تشرين الأول/أكتوبر 2023، اشتد التضييق على النشاط السياسي والمدني والتعبير والتوثيق. يمتد أثر ذلك على المدارس والجامعات والمراكز الثقافية والدينية والأرشيفات ووسائل الإعلام، وبالتالي على قدرة المجتمع على تنظيم نفسه ككل، وعلى إنتاج المعرفة وحفظ الرواية.
في هذه الناحية، يواجه الفلسطينيون المحو بشكل مذهل، ويجدون - كما وجدوا دائماً - وسائل التفافية لمواصلة تنظيم أنفسهم، وتوثيق واقعهم، والاهتمام بالعمل التربوي والحقوقي، وحفظ الذاكرة. ويتوصل التقرير لأنّ إسرائيل لم تستطع النجاح في هذه الزاوية في سحق الإنتاج المعرفي الفلسطيني، على الرغم من أن الدبابات باتت تدخل حرم الجامعات بلا تورّع، كما أوردت شهادة طالبة من جامعة بيرزيت: "توقّفت مركبة وترجّل منها جنديّ وصوّب على الفور بندقيّته نحونا، نحن الطلّاب الذين كنّا منتشرين في المكان. كنتُ ما زلتُ لا أفهم ما يحدث، حتّى جاء شابّ وبدأ يصرخ لنا بأن نبتعد من هناك. نهضتُ على الفور وبدأتُ أجري من هناك خوفاً من أن يُطلق الجنديّ النار عليّ".

"ابتلاع" الأرض
يظهر المسار الخامس، أي الاستيلاء على الحيز والتهجير، باعتباره الوجه الأكثر وضوحاً للعملية المزدوجة التي يصفها التقرير: تفكيك الوجود الفلسطيني بالتوازي مع توسيع وجود إسرائيلي متصل ومُمأسس.
منذ عام 1967، صادرت إسرائيل أكثر من مليوني دونم من الأراضي، أي أكثر من ثلث مساحة الضفة الغربية، عبر آليات تعتبرها دولة الاحتلال "قانونية" و"تخطيطية وإدارية"، تشمل إعلان الأراضي "أراضي دولة"، بالإضافة إلى سيطرتها على المناطق العسكرية المغلقة، ومناطق إطلاق النار، وقيود البناء، وهدم المنازل، وإنشاء المستوطنات وشق الطرق التي تربط بينها.


وحتى تموز/يوليو 2026، يقول تقرير "بتسيلم" إن مليشيات المستوطنين استولت على أكثر من 1.07 مليون دونم، أي نحو 18 في المئة من مساحة الضفة الغربية، فيما أدت هذه العملية، حتى حزيران/يونيو، إلى تهجير 64 تجمعاً فلسطينياً بصورة كاملة و18 تجمعاً بصورة جزئية.
خلاصة
في الخلاصة، يتشكل مفهوم "مشروع المحو" باعتباره وصفاً للأثر المتراكِم لمنظومة من السياسات والممارسات المجرَّمة دولياً والمخالِفة للقوانين الدولية والسالبة لحقوق البشر الأساسية. هذا المشروع في صلب المسار الإسرائيلي الرسمي والمجتمعي، وبشكل خاص بعد "السابع من أكتوبر".
في هذا السياق، تقول الصحافية الإسرائيلية عميرة هاس، المقيمة في الضفة الغربية منذ سنوات، إنّ الجدل حول خيارات "الدولة الواحدة" أو "الدولتين" أو "النظام الفيدرالي" باتت نقاشاً نظرياً بحتاً أكثر من أي وقت مضى، فأي حل توافقي يتطلب أولاً الاعتراف بالمشكلة وتحديدها بوضوح. غير أن الكثير من اليهود في إسرائيل قد تمت تهيئتهم للاعتقاد بأن "المشكلة تكمن في مجرد وجود شعب فلسطيني متجذر في هذه الأرض، يتمتع باستمرارية تاريخية واقتصادية، وبإرث ثقافي ومادي وتراث زراعي غني، فضلاً عن ارتباط عميق بوطنه". تنطلق من هنا للحديث عن "المحو"، الذي تسميه "الحلّ الكابوسي الذي يزداد تجسُّداً يوماً بعد يوم"، من القنابل إلى القيود البيروقراطية، ومن الاستيلاء على الإيرادات المالية إلى الحواجز العسكرية.
في مقالها[3]، تضيف هاس، إن الجيش والحكومة والحاخامات وميليشيات المستوطنين في الضفة الغربية يضافرون الجهود، في ظل اللامبالاة تجاه تدمير لبنان، والاستخفاف باحتلال مناطق جديدة في سوريا، وتطبيع خطاب التهجير، وأنظمة قضائية وتعليمية تطبعها العنصرية، ومعاملة مريعة لآلاف الأسرى الفلسطينيين، لتشكيل بنية مادية وأيديولوجية ونفسية تُمهِّد لتهجير جماعي جديد للفلسطينيين، مع ما يرافقه من مجازر (إضافية!). هي البنية نفسها التي يتناولها تقرير "بتسيلم" بالأرقام والوثائق والإفادات.
يحشد هؤلاء، مسيّرو تلك البنية، تأييداً شعبياً واسعاً لحربٍ يمكن اختزال منطقِها – حسب هاس - في شعار: "شعب واحد، جيش واحد، وأرض خالية من العرب".
- مشروع المحو: إلغاء إسرائيل للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية
-
التقرير الكامل بالعربية PDF
https://www.btselem.org/sites/default/files/publications/202609_the_elimination_project_arb.pdf ↑
-
منشور في "هآرتس" العبرية ومعاد نشره بترجمة فرنسية على موقع "أوريان 21"
Israël. La marche vers l’expulsion des Palestiniens
https://orientxxi.info/Israel-La-marche-vers-l-expulsion-des-Palestiniens ↑



