إسرائيل الكبرى والخطوط الزرقاء: حين تتحول الأساطير الدينية إلى خرائط عسكرية على الأرض

طالما أن حدود إسرائيل غير ثابتة، يظل التوسع ممكناً. هذه هي خلفية مشروع دولة "بلا حدود"، وهو التصور التوراتي والصهيوني لإسرائيل الكبرى، وتداعياته على الفلسطينيين والمنطقة بأسرها. ولكن وبعيداً عن هذا المنظور الديني، الذي لا يستند إلى وقائع تاريخية، على غرار عدد من القصص التوراتية الأخرى، يمكن الإشارة إلى قصة موسى في مصر كمثال. فعلى الرغم من عادة المصريين القدماء في تدوين الأحداث، إلا أن هذه القصة غائبة عن سجلاتهم، كما أن التاريخ المصري القديم المدوَّن على جدران المعابد لا يذكر شخصية باسم موسى، على الرغم من الأحداث المأساوية المنسوبة إليه في التوراة.
2026-06-25

صبري زكي

كاتب ومترجم من مصر


شارك
اسرائيل الكبرى على ثياب الجندي الاسرائيلي

تدَاول مستخدِمو وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً صورة تثير المخاوف. تُظهِر الصورة جنوداً إسرائيليين يرتدون الزي العسكري، ولكن اللافت للانتباه ليس الزي نفسه، بل رقعة صغيرة مطرزة على أذرعهم. للوهلة الأولى، تبدو الرقعة كخريطة عادية للمنطقة، إلا أن التدقيق يكشف عن أنها لا تُظهِر إسرائيل بحدود عام 1967، بل تتجاوزها لتشمل الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان، وتمتد لتشمل أجزاء من الأردن ولبنان وسوريا، وحتى أجزاء من مصر والعراق.

لا يبدو هذا التصميم اختياراً عشوائياً، بل يُمثِّل تجسيداً لمفهوم "إسرائيل الكبرى". وتأتي هذه الصورة في سياق الغزو الإسرائيلي الأخير لغزة، وإعلان الاحتلال العسكري لجنوب لبنان في مطلع عام 2026، بالإضافة إلى احتلالها السابق لمدينة الجولان، وتوغلاتها التاريخية في الضفة الغربية. لم تعد فكرة "إسرائيل الكبرى" مجرد فكرة هامشية، بل صارت جزءاً أساسياً من الخطاب الجيوسياسي في إسرائيل.

معلومٌ أن إسرائيل لم تحدد حدودها بشكل قاطع حتى الآن. لقد تم ترسيم الحدود مع مصر والأردن مبدئياً كخطوط هدنة عقب حرب 1948، ثم أُضْفِي عليها الطابع الرسمي، من خلال معاهدات السلام في عامي 1979 و1994. وعلى ذلك، لا تزال الحدود مع لبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية غير محددة وغير معترف بها. حتى داخل إسرائيل، لا توجد خريطة رسمية تعرض حدوداً وطنية متفقٌ عليها.

هذا الغموض ليس وليد الصدفة. فطالما أن حدود إسرائيل غير ثابتة، يظل التوسع ممكناً. هذه هي خلفية مشروع دولة "بلا حدود"، وهو التصور التوراتي والصهيوني لإسرائيل الكبرى، وتداعياته على الفلسطينيين والمنطقة بأسرها.

الجذور العقائدية والأرض الموعودة

تعتبر هذه الرقعة الصغيرة المطرزة على أذرع الجنود تجسيداً مباشراً للنص الوارد في سِفر التكوين (الأصحاح 15، الآية 18): "لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرُ الْفُرَاتِ". يُعرف هذا النص بـ "ميثاق القطع"، حيث يمثِّل عهداً قطع بموجبه رب بني إسرائيل عهداً مع إبرام (إبراهيم)، بشأن حدود الأرض الموعودة. إن تبني هذا المفهوم يستلزم الإيمان المطلق بصحة النص التوراتي، والاعتقاد بصلاحيته كوثيقة قانونية قديمة تحدِّد الحدود، والأخذ بهذه الحدود كأساس سارٍ حتى اليوم، وهو أمر يثير إشكاليات منطقية.

بعيداً عن هذا المنظور الديني، الذي لا يستند إلى وقائع تاريخية، على غرار عدد من القصص التوراتية الأخرى، يمكن الإشارة إلى قصة موسى في مصر كمثال. على الرغم من عادة المصريين القدماء في تدوين الأحداث، إلا أن هذه القصة غائبة عن سجلاتهم، كما أن التاريخ المصري القديم المدوَّن على جدران المعابد لا يذكر شخصية باسم موسى، على الرغم من الأحداث المأساوية المنسوبة إليه في التوراة.

في عام 1977، حقق مناحيم بيغن وحزب الليكود فوزاً انتخابياً كبيراً، إذ كان بيغن قد دعا طوال حياته إلى ضم يهودا والسامرة (الضفة الغربية). وبمجرد وصوله إلى السلطة، شجَّع الاستيطان اليهودي هناك بقوة، مع الحفاظ على حذره في عدم ضم الضفة الغربية وقطاع غزة رسمياً، خشية تَحوُّل إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية بدلاً من دولة يهودية، بسبب استيعاب ملايين الفلسطينيين.

وفقاً لما ورد في سفر الخروج في العهد القديم، لم تقتصر التحذيرات على الوعيد الشفوي، بل تجلت في سلسلة من الكوارث المعروفة بـ "ضربات مصر العشر". كان موسى يُنذر فرعون قبل كل ضربة، لإتاحة الفرصة له لإطلاق سراح بني إسرائيل، ومع إصرار فرعون على موقفه، كانت التهديدات تتحول إلى ضربات.

تمثلت الضربة الأولى في المساس بقدسية نهر النيل، حيث توعد الرب بتحويل مياه النهر إلى دم، مما يؤدي إلى موت الأسماك وانتشار الروائح الكريهة، وجعْل المياه غير صالحة للشرب، وهو ما حدث بالفعل، وشمل جميع مصادر المياه في مصر.

أما الضربة الثانية، فكانت إغراق الأرض بالكائنات الخارجة من النهر، إذ هدد الرب فرعون بصعود الضفادع ودخولها إلى بيته، وغرفة نومه، وسريره، وحتى أفران الخبز وأدوات تحضير الطعام، مما يحوِّل حياتهم إلى جحيم من الضجيج والاشمئزاز. وقد كان ذلك.

تجسدت الضربة الثالثة في تحويل تراب الأرض إلى بعوض يهاجم الناس والحيوانات، بالإضافة إلى تهديد الرب بإرسال أسراب كثيفة من الذباب المفسد، مع استثناء "أرض جاسان" (حيث يُقيم بنو إسرائيل)؛ لكي يعلم فرعون أن الرب هو المتسلط. وقد كان ذلك.

عندما لم يذعن فرعون، توعد الرب بضرب مواشي المصريين في الحقول (الخيل، الحمير، الجمال، البقر، والغنم) بوباء شديد. وقد كان ذلك، مما أدى إلى خسائر اقتصادية وغذائية فادحة، مع الحفاظ على مواشي بني إسرائيل.

استهدفت الضربة الخامسة أجساد البشر مباشرة، حيث أمر الرب موسى بنثر رماد الأتون نحو السماء، ليتحول إلى بثور وقروح ملتهبة، تَظهر في الناس والحيوانات، حتى أن السحرة لم يتمكنوا من الوقوف أمام موسى بسبب القروح.

تمثلت الضربة السادسة في تساقط كثيف للبرَد، لم تشهد مصر مثيلاً له، مما أدى إلى تلف المحاصيل الزراعية وتدمير الأشجار. وقد تسبب ذلك أيضاً في نفوق من تواجد في الأماكن المكشوفة من البشر والحيوانات. تبع ذلك تحذير من غزو أسراب الجراد، التي ستغطي سطح الأرض بشكل كامل، وتقضي على ما تبقى من الغطاء النباتي، الذي نجا من ضربة البرد. وقد كان ذلك.

تمثل الوعيد السابع في ضربة تطفئ مصدر الضوء (الشمس التي كان يقدِّسها المصريون)، إذ ساد ظلام دامس يمكن لمسه لمدة ثلاثة أيام، بحيث لم يتمكن أحد من رؤية أخيه، ولم يقم أحد من مكانه، في حين كان هناك نور في مساكن بني إسرائيل.

أما الضربة الأخيرة والأعظم، فكانت الأشد قسوة، وهي التي حطمت كبرياء فرعون في النهاية، حيث توعد الرب بأنه في منتصف الليل سيمر في أرض مصر ويقتل كل بكر، من بكر فرعون الجالس على كرسيه، إلى بكر الجارية التي خلف الرحى، وكل بكرِ بهيمة.

النتيجة: بعد تنفيذ هذا التهديد الأخير، ووقوع صراخ عظيم في كل بيت في مصر، اضطر فرعون ليس فقط إلى السماح لبني إسرائيل بالرحيل، بل إلى حثهم على الخروج خوفاً من الفناء الشامل.

وعلى ذلك، لم يتم تدوين هذه الكوارث والأحداث الجسيمة من قبل المصريين القدماء، وهم أول من دون التاريخ، بل دوَّنها بنو إسرائيل، البدو الرحل.

المسار الصهيوني

من هنا استُلهِمت الفكرة، ولكن متى بدأت الدعوات الحقيقية للضم؟ بينما قَدّمت التوراة الإطار العام، وفَّرت الصهيونية الحديثة الزخم السياسي اللازم. ففي أواخر القرن التاسع عشر، سعى ثيودور هرتزل إلى إيجاد سبيل لإقامة دولة يهودية. كان هرتزل، الصحافي والمحامي اليهودي المجري، يُعدّ الأب الروحي للصهيونية الحديثة والمؤسس الفعلي لإسرائيل. قام بتأسيس المنظمة الصهيونية السياسية، وشجع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، التي كانت آنذاك جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، بهدف تأسيس دولة يهودية، أو على الأقل وضع الأسس اللازمة لذلك. وذكر هرتزل في مذكراته أن الحدود الشمالية يجب أن تكون جبال تركيا المقابلة لكابادوكيا، وأن قناة السويس ستشكل الحدود الجنوبية.

في عام 1917، أصدرت بريطانيا وعد بلفور، معربة عن تأييدها لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وكانت فلسطين في ذلك الوقت تحت الحكم العثماني. وعندما انهزم العثمانيون في الحرب العالمية الأولى، وسيطر البريطانيون على المنطقة، بدا أن حلم الحركة الصهيونية يقترب من التحقق. وبحلول عام 1919، عرض قادتهم خرائط تشمل: الضفة الغربية، وقطاع غزة، وأجزاء كبيرة من لبنان والأردن، ولم يكن تفكيرهم مدفوعاً بالدين فقط. فقد كان تركيزهم منصباً على الموارد، حيث سعوا إلى السيطرة على منابع نهر الأردن والتربة الخصبة في حرّان، الواقعة حالياً في سوريا، لضمان الاستدامة الاقتصادية للدولة.

في تطور ملموس، وقبل الحرب الأخيرة على غزة بشهور، عرض وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش خريطة لدولة إسرائيل تضم الأردن بأكمله، وأشار لاحقاً إلى إمكانية توسع القدس لتشمل دمشق، وتوقع مستقبلاً لإسرائيل يشمل أجزاءً من العراق ومصر.

في العام 2024، صرحت دانييلا فايس، وهي زعيمة بارزة للمستوطِنين غير الشرعيين، للصحافيين، بأن الحدود الحقيقية هي نهرا الفرات والنيل، معتبرة أحداث عامي 1948 و1967 مجرد بداية لتوسع طويل الأمد. وفي آب /أغسطس من عام 2025، صرّح نتنياهو نفسه لوسائل الإعلام بأنه في مهمة تاريخية وروحية من أجل إسرائيل الكبرى 

تاريخياً، شمل الانتداب البريطاني في الأصل ضفتي النهر. إلا أنه في أوائل عشرينيات القرن الماضي، فصل البريطانيون الضفة الشرقية لإنشاء إمارة شرق الأردن، التي تتطابق مع حدود الأردن الحالية، وذلك وفاءً لاتفاق مع الهاشميين، ولتحسين إدارة السكان المحليين. شكّل هذا القرار ضربة قوية للصهيونيين التصحيحيين، من مثل زئيف جابوتينسكي، مؤسس الحركة التصحيحية وحركة "بيتار"، الذين اعتبروا منطقة الانتداب بأكملها، بما فيها الأردن، أرضاً مناسبة لإقامة دولة إسرائيل. وعَرضت ملصقاتهم عام 1931 خريطة تغطي إسرائيل والأردن مع صورة بندقية عليها، وشعارهم: "للنهر ضفتان. هذه لنا، والأخرى لنا أيضاً".

حتى ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل ، وأحد قادة الحركة الصهيونية العمالية الأكثر "اعتدالاً"، اعتبر خطة عام 1937 لتقسيم الأرض مجرد مرحلة أوَّلية. بعد تأسيس إسرائيل في غرب فلسطين عقب الحرب العالمية الثانية، يُذكر أنه صرح لابنه بأن بناء دولة على جزء من الأرض ليس إلا وسيلة لتعزيز قوتهم، بهدف الاستيلاء الكامل على البلاد في نهاية المطاف، معبِّراً عن عزمه على تجاوز الحدود المفروضة.

إلا أن الوضع تغير جذرياً في عام 1967. قبل ذلك التاريخ، اتسمت إدارة الصهاينة العماليين للبلاد بالبراغماتية، حيث قبلوا حدود عام 1948 كأساس لدولة قابلة للاستمرار. لكن بعد استيلاء إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان وسيناء في حرب الأيام الستة، نشأت حركة "إسرائيل الكبرى" بشكل مفاجئ، مدفوعة بالسيطرة الإسرائيلية الفعلية على تلك المناطق. تزامن ذلك مع نمو جماعة "غوش إيمونيم"، وهي حركة إسرائيلية، يهوديّة أرثدوكسيّة يمينيّة متطرّفة، ملتزمة بإنشاء مستوطنات يهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، معتبِرة التخلي عن أي جزء من الأرض بمثابة خطيئة دينية.

في عام 1977، حقق مناحيم بيغن وحزب الليكود فوزاً انتخابياً كبيراً، إذ كان بيغن قد دعا طوال حياته إلى ضم يهودا والسامرة (الضفة الغربية). وبمجرد وصوله إلى السلطة، شجَّع الاستيطان اليهودي هناك بقوة، مع الحفاظ على حذره في عدم ضم الضفة الغربية وقطاع غزة رسمياً، خشية تَحوُّل إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية بدلاً من دولة يهودية، بسبب استيعاب ملايين الفلسطينيين.

لقد انتقل مفهوم "إسرائيل الكبرى" من أدبيات الحركات المتطرفة مثل "غوش إيمونيم"، إلى صلب البرنامج الحكومي، لكل من وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، ووزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش. بل إن بنيامين نتنياهو نفسه صار يتبنى هذا الخطاب علانية، معتبراً التوسع الإقليمي "رسالة تاريخية". 

في تطور ملموس، وقبل الحرب الأخيرة على غزة بشهور، عرض وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش خريطة لدولة إسرائيل تضم الأردن بأكمله، وأشار لاحقاً إلى إمكانية توسع القدس لتشمل دمشق، وتوقع مستقبلاً لإسرائيل يشمل أجزاءً من العراق ومصر. جاء ذلك خلال محاضرة في باريس في آذار/ مارس 2023، أنكر فيها وجود الشعب الفلسطيني، معتبِراً إياه "بدعة تم اختراعها قبل مئة عام لمناهضة المشروع الصهيوني في أرض إسرائيل". هذه التصريحات تعكس نوايا حقيقية، تتجاوز مجرد الاستفزاز السياسي، وتكمن خطورتها في كونها عقيدة متماسكة، يسعى تيار داخل السلطة في إسرائيل الى تحويلها إلى واقع ملموس، وذلك من خلال تقويض البنية القانونية والإجرائية التي تحدّ من هذه التوجهات.

إن تردد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في محاسبة سموتريتش وإقالته على خلفية تصريحاته وخريطته "لأرض إسرائيل الكبرى" التي تشمل الأردن، يشير إلى توافق ضمني معه، هذا بالإضافة إلى إهمال نتنياهو للعلاقات مع الأردن خلال السنوات الأخيرة من حكومته السابقة، والاستفزازات المستمرة التي تطال حرمة الأماكن الإسلامية المقدسة الخاضعة للوصاية والرعاية الأردنية.

في العام التالي، 2024، صرحت دانييلا فايس، وهي زعيمة بارزة للمستوطِنين غير الشرعيين، للصحافيين، بأن الحدود الحقيقية هي نهرا الفرات والنيل، معتبرة أحداث عامي 1948 و1967 مجرد بداية لتوسع طويل الأمد. وفي آب /أغسطس من عام 2025، صرّح نتنياهو نفسه لوسائل الإعلام بأنه في مهمة تاريخية وروحية من أجل إسرائيل الكبرى، مؤكداً أن من واجب هذا الجيل ضمان بقاء هذه الدولة المتوسعة، وهو ما يُمثِّل تحولاً كبيراً عن خطابه السابق الأكثر حذراً.

خارطة "اسرائيل الكبرى" بين يدي نتنياهو

وقد شهدت الولايات المتحدة تحولاً مماثلاً. ففي أوائل عام 2026، صرح مايك هاكابي، السفير الأمريكي لدى إسرائيل، في أحد البرامج الحوارية، بأنه لا بأس من سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط بأكمله. هذا النوع من التصريحات، الذي كان كفيلاً بإنهاء المسيرة المهنية لدبلوماسي رفيع المستوى قبل عقد من الزمن، صار الآن موضوعاً للنقاش في الأخبار. والمثير للدهشة أن لا أحد يبدو مهتماً بما يكفي للتحرك حيال ذلك، على الأقل ليس في أوروبا أو أمريكا.

استراتيجية "تفتيت المركز"

دأب عدد من القادة الفلسطينيين على الادعاء بأن الخطين الأزرقين في العلم الإسرائيلي يرمزان إلى نهري النيل والفرات، مما يعكس، بحسب زعمهم، طموحات إسرائيل التوسعية للسيطرة على المنطقة الواقعة بين النهرين. في المقابل، يرفض أغلب الإسرائيليين هذا التفسير، موضِّحين أن الخطين مستوحيان من التاليت أو الطليس (Tallit) ، وهو شال صلاة يهودي، يُستخدم أثناء تأدية الشعائر الدينية. وعلى ذلك، فإن عرض وزراء في مناصب رسمية لخرائط تُظهِر تلك الأنهار كحدود لإسرائيل يثير تساؤلات عن الأهداف السياسية الكامنة. فبعد حديث نتنياهو عن "المهمة الروحية" في عام 2025، أصدرت أكثر من 30 دولة، من بينها المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وباكستان، بياناً مشتركاً اعتبرت فيه هذه التصريحات خرقاً واضحاً للقانون الدولي، مؤكدةً أنها لا تعتبرها مجرد رؤى دينية، بل مخططاً لحرب إقليمية مستمرة.

وعن هذه الحرب، يرى بعض المؤيدين لمفهوم "إسرائيل الكبرى" أنهم ليسوا بحاجة إلى خوض حرب واسعة النطاق، بل يكفيهم استغلال ضعف الدول المجاورة، والاستيلاء على مناطق عازلة وتلال استراتيجية، لتوسيع حدودهم تدريجياً، في ظل غياب الاهتمام الدولي. كما تُدرِك إسرائيل أن مواجهة تحالفٍ عسكريٍّ مشتركٍ يضم مصر والأردن وسوريا والعراق، بالإضافة إلى تركيا، قد تكون مقامرة انتحارية. لذا، تعتمد استراتيجيتها على "تفتيت المركز"، أي إبقاء الجيران في حال انهيار داخلي، حروب أهلية، أو شلل اقتصادي. ففي سوريا، استغلت إسرائيل تمزُّق الدولة لتعميق احتلال الجولان وما وراءه. وفي لبنان، تَحُول الفوضى السياسية دون تشكيل جبهة دفاعية وطنية، مما يُسهِّل قضم الجنوب تدريجياً تحت ذرائع أمنية.

واقع 2026: حين تصبح الأسطورة برنامجاً حكومياً

لقد انتقل مفهوم "إسرائيل الكبرى" من أدبيات الحركات المتطرفة مثل "غوش إيمونيم"، إلى صلب البرنامج الحكومي، لكل من وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، ووزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش. بل إن بنيامين نتنياهو نفسه صار يتبنى هذا الخطاب علانية، معتبراً التوسع الإقليمي "رسالة تاريخية".

وعلى الرغم من أن فكرة "إسرائيل الكبرى"، التي تمتد بين النيل والفرات، لا تزال تُعتبر متطرفة في نظر غالبية المراقبين، إلا أن النسخة المصغرة منها، التي تتضمن السيطرة الكاملة على الضفة الغربية وقطاع غزة وجنوب لبنان، صارت تُمثِّل الوضع الراهن بحلول عام 2026.

إن إسرائيل التي ترفض ترسيم حدودها، إنما تترك الباب موارِباً لكل حرب قادمة، لتعيد رسم خريطة سيطرتها. فكل رصاصة تُطلق، وكل مستوطنة تُبنى، هي خطوة إضافية نحو استعادة "إسرائيل الكبرى" من غياهب الأساطير إلى واقع الجغرافيا. إن التاريخ يُخْبرنا بوضوح أن الأطماع التوسعية لا تعرف القناعة، ولا يوقِف تمددها إلا اصطدامها بقوة إرادة صلبة ترفض الانكسار.

في خضم المشهد الجيوسياسي الملتهب لعام 2026، لم تعد صور الجنود الإسرائيليين ببدلاتهم العسكرية مجرد توثيق لعمليات ميدانية، بل أضحت رسالة سياسية مشفَّرة، أو الترجمة البصرية لمفهوم "إسرائيل الكبرى"، الذي انتقل من هوامش التنظير الراديكالي ليُصبح، عقب احتلال جنوب لبنان مطلع هذا العام، الركيزة المركزية، في الحوار الاستراتيجي داخل الكيان.

مقالات من فلسطين

مونديال غزة

كانت الكرة في فلسطين، وفي مخيماتها خصوصاً، تُلعب في كلّ مكان. في لحظة واحدة، يتحوّل الشارع أو الزُقاق إلى ملعب. ما يتطلبه فقط ليس سوى حجرَيْن، أو اثنين من نِعال...

للكاتب/ة