أزمة الحكم والتمثيل في فلسطين أمام استحقاق الوحدة

الإخفاق في انتهاز اللحظة التاريخية، التي تعرضت فيها غزة للإبادة، من أجل توحيد الصف الفلسطيني، يدل على أن القوى الحاكمة في شطري الوطن تعتقد أنها تفهم وتصون مصالح الشعب الفلسطيني، كلٌ منها أكثر من الخصم في الشطر الآخر. بل أنها لا تكترث للرأي الشعبي العام السائد والمُصرُّ على الوحدة. وهذه حالٌ مخزية أمام هول المشهد، وإصرار الأعداء على محونا كبشر وشعب، أو على الأقل على إنهاء قضية فلسطين، وإنكار حقوق شعبها.
2026-07-23

رجا الخالدي

باحث اقتصادي متخصص بالتنمية الفلسطينية


شارك
"تهشّم"، حازم حرب - فلسطين

على الرغم مما يقارب السنتين من حرب إبادة إسرائيلية شرسة ضد الشعب الفلسطيني، في كل من قطاع غرة المنكوب والضفة الغربية المحتلة، إلا أن الساحة الفلسطينية لا تزال تعيش كابوس الانقسام الذي يحيط بنا منذ عشرين عاماً. كان المزاج الشعبي، والتوقع السائد منذ سنوات، يدفع باتجاه إنهاء الانقسام، وعودة حماس وفصائل المقاومة في قطاع غزة إلى حضن المؤسسات الشرعية التابعة لمنظمة التحرير، التي أنشأت السلطة الفلسطينية، ظناً منها أنها ستكون كيان حكم ذاتي انتقالي نحو إنشاء دولة فلسطين المستقلة، خلال فترة خمس سنوات. لكن وعلى الرغم من كل كوارث الحرب الأخيرة، لم نشهد أي تحرك نحو الوحدة الوطنية المنشودة. بل بالعكس، تُركت حماس وفصائل المقاومة في غزة لتخوض وحدها المعركة التي انطلقت في "السابع من أكتوبر"، ولتتحمل تداعياتها الوجودية على الشعب الفلسطيني هناك، بمعزل عن النهج السياسي، الذي تمسكت به المؤسسات الحاكمة: (المنظمة، والسلطة، وفتح) في الضفة الغربية، التي تواجه حروبها المختلفة مع حكومة الاحتلال والاستيطان وقطعانه.

الإخفاق في انتهاز هذه اللحظة التاريخية لتوحيد الصف الفلسطيني في مواجهة خطر الإبادة الفعلية، يدل على أن القوى الحاكمة في شطري الوطن تعتقد أنها تفهم وتصون مصالح الشعب الفلسطيني، كلٌ منها أكثر من الخصم في الشطر الآخر. بل لا تكترث للرأي الشعبي العام السائد والمُصرُّ على الوحدة. وهذه حالٌ مخزية أمام هول المشهد، وإصرار الأعداء على محونا كبشر وشعب، أو على الأقل على إنهاء قضية فلسطين وإنكار حقوق شعبها.

ما يزيد مشهد الحوكمة الفلسطينية تعقيداً، بل وخساسة في هذه المرحلة بالذات، هو ما تشهده الساحة السياسية في قطاع غزة من مزاحمة، حول من سيدير شؤون شعبه المكلوم في الفترة القادمة، بعدما أكدت حركة حماس في 6 تموز/ يوليو الجاري تخليها عن المسؤوليات الحكومية المدنية، التي انتزعتها بالقوة من منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية في2007. ولا يأتي موقف التخلي عن المسؤولية هذا من فراغ أو طوعاً، بل هو نتيجة هزيمتها عسكرياً من قبل إسرائيل. كذلك أقرت حماس أنها خسرت سياسياً أمام الشعب في قطاع غزة (والحاضنة الشعبية التي أسندتها طوال فترة حكمها). وبغض النظر عن مختلف المبررات الاستراتيجية، التي قد يتمسك بها المدافعون عن ضرورة وحتمية "طوفان الأقصى"، يُحمِّل الرأي العام الغزي المقاومة المسؤولية التاريخية في إقحام 2.2 مليون غزي في مواجهة عسكرية مباشرة مع دولة إسرائيل، المتحالفة مع أقوى القوى العالمية، التي دمرت بيوتهم وأسرهم وحاراتهم ومصالحهم، بل وأحلامهم.

لكن ليس هذا الموقف المعلَن من حماس غير محسوب من ناحية الجهة التي تنوي تسليم الحكم لها، حيث يُفترض أن تستلم مسؤولية حكم القطاع لمدة سنتين "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، العاملة تحت مظلة "مجلس السلام". إنّ هذا التسليم للمسؤولية المدنية يُفترض أن يكون إحدى الخطوات المفصلية في طريق تنفيذ الخطة المتمثلة في قرار مجلس الأمن 2803، الذي رسم سلسلة خطوات، بدءاً من وقف إطلاق النار في تشرين الثاني / نوفمبر 2026، مروراً باستئناف تدفق المساعدات الدولية، وانتهاءً بوضع سلاح المقاومة تحت تصرف اللجنة الوطنية، ثم إطلاق عملية إعمار غزة. ربما فُرِض هذا القرار على جميع الأطراف، بما فيها إسرائيل التي لم تتوقف عن انتهاك بنودها الخاصة المتعلقة بوقف إطلاق النار، وتسهيل إدخال المساعدات الطارئة. لكن كلّاً من حماس والفصائل من جهة، ومنظمة التحرير من جهة ثانية، قَبِلوا بهذا القرار الأممي، على الرغم من اعتراضهم على بعض بنوده، كلٌ لأسباب مختلفة. من جهتها فإن منظمة التحرير أُجبِرت على قبول صفة المراقب في كل هذه الترتيبات، إذ بدا احتمال استعادتها لمقاليد الحكم في القطاع مؤجّلاً إلى تاريخ لاحق، كما أن إمكانية البت في تحقيق حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني مؤجل إلى حين اكتمال تنفيذ القرار الأممي. ما يضع المنظمة في زاوية المشكك في العملية كلها، بل القادر على لعب دور المعرقل في تنفيذها إذا لم يُحسب لها حساب، باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على احتضان اللجنة الوطنية كمؤسسة من مؤسسات دولة فلسطين، وتسهيل مهمتها شبه المستحيلة.

مع توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1994 بين منظمة التحرير وإسرائيل (بمباركة أممية)، وُضِعت جانباً كل المرجعيات السابقة وغيرها - حول القدس، والمستوطنات، والموارد الطبيعية، والسيادة - "لفترة انتقالية" تديرها "سلطة فلسطينية" (تلك التي سمّت نفسها في مرحلة أولى: "السلطة الوطنية الفلسطينية"). وكان يُفترض ألّا تتجاوز صلاحيات هذه السلطة 5 سنوات! وها نحن نعيش سنتها ال32، من دون أفق آخر أو إنجاز قانوني دولي جديد.

انطلاقاً من الحقيقة القانونية للقرار 2803، التي لا يمكن إنكارها كمرجعية أممية وحيدة متفق عليها للمرحلة الحالية من قبل جميع الأطراف، فمن المفيد استرجاع بعض الحقائق القانونية التاريخية الأخرى، التي توفِّر أرضية منطقية أشمل، بل والأسس الشرعية الوحيدة لإعادة توحيد الساحة الوطنية الفلسطينية. وهي وقائع لا بد من استعادتها، عند محاولة فك عقدة التمثيل والشرعية والحكم الفلسطيني في هذه الفترة الضبابية، التي تحمل في طياتها كل الاحتمالات، من الأسوأ الى الأفضل... ربما!

الشرعية الدولية وقضية فلسطين من 1948 الى 2026

نستعرض هنا أهم المرجعيات الأممية والفلسطينية، التي بموجبها يُفترض تأطير وتثبيت شرعية التمثيل الوطني الفلسطيني، في عالم تغير كثيراً منذ إقرار هذه التشريعات، لكن من دون أن تُلغى أو تُوضع جانباً، مهما كان النظام الحقوقي العالمي قد ظلم فلسطين بعدم تطبيقها حتى الآن. ولو نسي آخرون هذه الحقائق، فيجب ألّا ينساها أو يقلل من قوتها صنّاع السياسات الفلسطينيين، الذين صاروا لا يؤمنون بإمكانية إحقاقها.

* القرار التأسيسي الذي يؤكد حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره الوطني، هو قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181 للعام 1947، الذي أقر مبدأ تقسيم فلسطين إلى دولتين (يهودية وعربية)، تعيشان جنباً الى جنب في إطار اتحاد اقتصادي. هنا يكمن مصدر الشرعية القانونية الدولية لإقامة دولة فلسطين، بغض النظر عن المساحة المحدودة المخصصة لها في القرار (ما شكَّل سبباً رئيسياً في الرفض الفلسطيني والعربي لذلك القرار). بالتالي ، فلا يمكن إغفال حقيقة أن هذا القرار (الظالم) يُعتبر منبع مفهوم "حل الدولتين"، بل مبرره الأصلي، بغض النظر عما لحقه في العقود التالية من قرارات في الاتجاه نفسه، ضيَّقت أكثر فأكثر الحيز المكاني المُتاح لإقامة الدولة الفلسطينية.

* القرار التأسيسي الآخر للحق الفلسطيني، هو قرار الجمعية العامة 194 للعام 1949 الذي ضمن حق عودة لاجئي فلسطين إلى ديارهم، وتعويضهم عن خسائرهم المادية جراء النكبة. طبعاً إمعان إسرائيل في تجاهل القرار ثم رفضه ، وفشل المنظومة الدولية في تطبيقه، لا ينتقص من شرعيته وضرورة اعتباره من المرجعيات الأساسية في تحديد رزمة الحقوق الفلسطينية المسلوبة.

* عقب احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة، أصدر مجلس الأمن في العام 1967 القرار 242 (المشؤوم)، الذي طالب بانسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة، ما شكل نوعاً من الإقرار الأممي بحدود إسرائيل غداة حرب حزيران/يونيه 1967، تاركاً فقط ما لا يزيد على 20 في المئة من مساحة فلسطين لدولة فلسطينية محتملة.

* مع انطلاقة حركة التحرر الوطنية الفلسطينية، وامتدادها، واكتسابها لتأثير دولي ساطع، أقرت الجامعة العربية في 1974 العضوية الكاملة لمنظمة التحرير الفلسطينية فيها، بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ولحقتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بمنح المنظمة صفة المراقِب. وفي السنة نفسها، اعتمد المجلس الوطني الفلسطيني للمرة الأولى مفهوم إقامة الدولة الفلسطينية، بقراره التاريخي حول "إقامة السلطة الوطنية المقاتلة على كل شبر من أرض فلسطين يتم تحريرها"، ما يُعتَبر إيعازاً ليس فقط بقبول "حل الدولتين"، بل أيضاً بإقامة "سلطة وطنية" قد لا تكون دولة ذات سيادة.

* منذ تلك القرارات الأممية والفلسطينية، تمّ أولاً تغيير لقب التمثيل الفلسطيني في الأمم المتحدة إلى "فلسطين" عقب إعلان المجلس الوطني (بكامل فصائله) في العام 1988 استقلال دولة فلسطين. كذلك، وفي قرار مرتبط، فوّض المجلس الوطني اللجنة التنفيذية للمنظمة بصلاحيات "الحكومة المؤقتة" للدولة، إلى حين إنجاز مهمة التحرير، وانتخب المجلس مباشرة ياسر عرفات رئيساً للدولة.

* ثم مع توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1994 بين منظمة التحرير وإسرائيل (بمباركة أممية)، وُضِعت جانباً كل هذه المرجعيات وغيرها - حول القدس، والمستوطنات، والموارد الطبيعية، والسيادة - "لفترة انتقالية" تديرها "سلطة فلسطينية" (تلك التي سمّت نفسها في مرحلة أولى: "السلطة الوطنية الفلسطينية"). وكان يُفترض ألّا تتجاوز صلاحيات هذه السلطة 5 سنوات! وها نحن نعيش سنتها ال32، من دون أفق آخر أو إنجاز قانوني دولي جديد، عدا إقرار مجلس الأمن في العام 2002 صريحاً حل الدولتين، ثم في العام 2012 إعادة تصنيف عضوية "فلسطين/م.ت.ف" السابقة كعضوية "دولة مُراقِبة"، وهي إضافات شكلية، ولا تغير من جوهر الشرعيات المذكورة سابقاً.

مع مرور الزمن صار إطار أوسلو بمثابة القفص المرجعي للسياسة الفلسطينية، وكأنه ذو وزن حقوقي أو سياسي أو أخلاقي أكبر من كل الشرعيات التي سبقته. بينما تحتفظ المنظمة بصفتها القانونية التمثيلية الدولية للشعب الفلسطيني، إلا أنها خسرت تلك الصفة لدى الشعب الفلسطيني نفسه، بسبب عدم التجديد الديموقراطي، وانفصال مشروع السلطة خلال أوسلو عن شؤون وتطلعات ال7 ملايين فلسطيني في الشتات. ثم، ونظراً لتحكم فصائل كان لها في يوم من الأيام وزنٌ تاريخيٌّ نضاليّ، لكن أغلبها صار بدون قاعدة جماهيرية أو تنظيمية أو انتخابية، على الرغم من أنها لا تزال تدّعي شرعية تمثيلها للشعب الفلسطيني وقضيته.

من جهة ثانية، وخلال الفترة الأخيرة، أطلق محمود عباس بصفته رئيساً للسلطة الفلسطينية، عدداً من المبادرات السياسية، يبدو أنها تستهدف إعادة البناء الوطني... ولو بشروطه. أولى هذه التحركات هي خلق شرعية دستورية جديدة للنظام السياسي الوطني، من خلال إعداد "دستور مؤقت لدولة فلسطين"، تمّ إنجاز مسودة منه. ثم مع ترؤسه لما يسميه أنصار فتح "بالعرس الديموقراطي" للمؤتمر الثامن لحركة فتح، وتجديد قيادات الصف الأول والثاني، وإعلانه عن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية (للمرة الأولى منذ 2006 ... وهذا إذا تمت!) في كامل الأرض الفلسطينية، وبمشاركة جاليات الشتات، في انتخاب أعضاء المجلس الوطني من الخارج.

مع كل هذا وبسببه، فلا بد من طي صفحة في تاريخنا النضالي، وخلق واقع قانوني سياسي فلسطيني يستند الى حقوق المواطنة المتساوية في إطار وطني جديد يرسم ملامح التحرير والسيادة.

الشرعية الفلسطينية العليا، بل الوحيدة اليوم، هي شرعية دولة فلسطين

يعتبر الرأي العام الفلسطيني، وكذلك غالبية النخب الفكرية والسياسية أن كلّاً من المنظمة والسلطة وفتح تشكِّل معاً النظام الفلسطيني المهيمن. بل إن هذه الثلاثية هي كيان واحد بغض النظر عن المسميات، والوظائف. بالتالي، وعلى الرغم من أنها أُنشئت من قبل المجلس الوطني بكامل فصائله، يُنظَر غالباً إلى كيان "دولة فلسطين" على أنها في أفضل الأحوال حلة جديدة للنظام السياسي نفسه، الذي يسمح بحد معين من التعددية والمعارضة، شرط ألاّ يتحول ذلك إلى حركة مناهِضة "للمشروع الوطني"، بحسب الاستراتيجية التي تتمسك بها المنظمة منذ أوسلو. ضمن هذه المعايير، تطرح الأوساط المطالِبة بالوحدة، انضمام حماس إلى المنظمة، مثلاً، أو إجراء إصلاحات وانتخابات جديدة في إطار الهياكل القائمة "قانونياً"، أي السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير.

مع مرور الزمن، صار إطار أوسلو بمثابة القفص المرجعي للسياسة الفلسطينية، وكأنه ذو وزن حقوقي أو سياسي أو أخلاقي أكبر من كل الشرعيات التي سبقته. وبينما تحتفظ المنظمة بصفتها القانونية التمثيلية الدولية للشعب الفلسطيني، إلا أنها خسرت تلك الصفة لدى الشعب الفلسطيني نفسه، بسبب عدم التجديد الديموقراطي، وانفصال مشروع السلطة خلال أوسلو عن شؤون وتطلعات ال7 ملايين فلسطيني في الشتات. 

تتحكم بالحياة السياسية في فلسطين فصائل كان لها في يوم من الأيام وزنٌ تاريخيٌّ نضاليّ، لكن أغلبها صار بدون قاعدة جماهيرية أو تنظيمية أو انتخابية، ولكنها لا تزال تدّعي شرعية تمثيلها للشعب الفلسطيني وقضيته. 

في الوقت نفسه، وفي سياق المزاحمة حول مستقبل حكم قطاع غزة، لم يتضح بعد موقف المنظمة من "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" (على الرغم من تسميتها "بالوطنية")، التي لا تزال تراوح مكانها في القاهرة، من دون الوصول إلى الظروف السياسية والأمنية، التي تتيح دخولها إلى القطاع، واستلام مسؤولياتها استلاماً كاملاً وشاملاً لكل القطاع، كما يُفترض. من جهة أخرى، لا يزال عدد من المسؤولين المقربين من أبو مازن، يصرحون من حين إلى آخر، بأن الولاية القانونية لحكم غزة تتبع معاً "للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير ودولة فلسطين" (وهي صيغة غير قانونية أصلاً: هل هذا يعني أن ثلاثة كيانات تشترك في الحكم، باستثناء اللجنة الوطنية؟). ذهب أحد الناطقين أبعد من ذلك مؤخراً، معتبراً أن إعلان حماس عن تسليم الحكم هو مجرد خدعة لشراء الوقت، قائلاً إن الإعلان ليس سوى "تسليم من لجنة تابعة لحماس للجنة أخرى تابعة لحماس"!

وسط هذا التخبط الذي ينذر بإثارة الفتنة، بادر الرئيس عباس في الأيام الأخيرة إلى الاتصال الهاتفي بالمفوض الرئيس للجنة الوطنية (د. علي شعث) لأول مرة منذ تعيين اللجنة، فيما يبدو أنها لفتة علنية وذات دلالة، تؤكد عدم تخلي المنظمة عن مشروع اللجنة، أو دورها المنصوص عليه في قرار مجلس الأمن في هذه اللحظة العصيبة، بل يمكن اعتبار هذا التواصل نوع من الشرعنة للجنة الوطنية، وذلك على الرغم من كل التحفظات والحساسيات المتصلة بإخضاع اللجنة لتوجيهات مجلس السلام ومجلس الأمن.

وليست التصدعات في الجبهة الداخلية الفلسطينية فحسب بين مناصري الكفاح المسلح والمحذِّرين من عواقبه. بل هناك أيضاً شرخٌ حول الوضع الداخلي في حركة فتح، وصعود تيارات موالية للرئيس عباس على حساب بعض القادة، الذين يتذمرون من تفرده بالقرارات. ثم تعلن أجهزة السلطة نفسها من حين إلى آخر عن قضايا فساد مالية وإدارية لدى موظفيها، تزيد من الامتعاض الشعبي من عدم التجديد الديموقراطي، ومن تمسك قيادات هرمة بمقاليد السلطة. أما الأجيال الشابة فلا تجد لها طريقاً للممارسة السياسية أو التمتع بأية حقوق تُذكر. كل هذه العواصف السياسية والاجتماعية تشتد أمام عدم استعداد أجهزة السلطة الأمنية، أو عدم مقدرتها على مواجهة هجمة المستوطنين والجيش الإسرائيلي المتواصلة في الضفة الغربية منذ ثلاث سنوات. باختصار، فإن الثقة العامة في النظام السياسي منخفضة إلى درجة أنه لم يعد المواطِن يكترث لتصريحات أو مواقف مسؤوليه حتى عندما تكون صائبة. بينما تتحول إسرائيل الى دولة إبادة لا رادع لها، وبذلك فإن مشروع دولة فلسطين قد ينكسر على صخور الانقسام الداخلي، قبل أن يستطيع الوزير العنصري سموتريش تنفيذ تهديداته المتكررة بإسقاط السلطة ونزع سلاحها.

في الحال الفلسطينية الراهنة، نبحث عن أية مؤشرات لاحتمالات تحقيق الوحدة، هذا يستدعي العودة إلى أصل الحكاية القانونية من 1947 حتى 1988، التي تتلخص في هذه الحقائق التي لا مهرب منها:

  • قبول الشعب الفلسطيني بحل الدولتين من حيث المبدأ، بغض النظر عن الشكل الجغرافي النهائي لتقسيم فلسطين.
  • انتهاء صلاحية السلطة الفلسطينية ككيان حكم ذاتي للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، على الرغم من عدم بلوغ مرحلة السيادة.
  • عدم مقدرة منظمة التحرير على استعادة صفتها التاريخيةـ كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، لاعتبارات داخلية وعالمية، على الرغم من احتفاظها بتلك الصفة ديبلوماسياً أمام دول العالم، إلى حين تجسيد الدولة، ما يجعلها غالباً بمثابة الحزب الحاكم، وليس ممثلاً للكل الفلسطيني.
  • عدم جدوى مواصلة الكفاح المسلح ضد الاحتلال، أيضاً لاعتبارات داخلية وإقليمية/عالمية، مع عدم التنازل عن ممارسة كافة أنواع المقاومة الشعبية والمجتمعية دفاعاً عن الشعب الفلسطيني، والاحتفاظ بقدرة الدفاع الذاتي المسلح.
  • حتمية تجسيد المشروع الوطني الفلسطيني، ليس في إطار هياكل صُمِّمت لقيادة مراحل مضت ولن تعود، بل في سياق مؤسسي جديد للحكم الوطني، ملائم لتحديات القرن ال21، أي دولة فلسطين، لا سواها.
  • صارت الدولة الكيان الشرعي الوحيد المتبقي لتحقيق الوحدة الوطنية والمواطنة الشاملة: كيان تمثيلي وعنوان انتماء لجميع الشعب الفلسطيني، لا يستبعد احداً بل يعامِل الجميع على أسس المواطَنة نفسها، والحقوق والحريات التي يتضمنها ويضمنها النظام الدستوري لدولة فلسطين. تلك النصوص تعكس قيم وغايات دولة فلسطين كما نتطلع نحن الفلسطينيين أن تكون، وكما نريد أن يرانا العالم الذي اعترفت 160 دولة منه بدولة فلسطين "على بياض"، ومن دون مضمون دستوري أو سياسي حتى الآن.
  • بالتالي، فمن المنطقي اعتبار اللجنة الوطنية من بين أولى مؤسسات هذه الدولة الموعودة، وتفويضها بإدارة شؤون القطاع، بالتعاون مع وزارات وهيئات الدولة الخدمية والإدارية والتخطيطية الأخرى.
  • وبالاستناد إلى مبدأ: "سلطة واحدة، قانون واحد وسلاح واحد"، فإن من شأن مثل هذه العلاقة إسناد اللجنة في مقاومة الضغوطات من الأعلى، على أمل تسريع مهمتها في إغاثة وتعافي غزة تمهيداً لإعمارها، واستلام دولة فلسطين بكامل مكوناتها زمام الحكم (الذاتي، وصولاً إلى السيادي). مقابل ذلك، لا بد من السماح للجنة بالتواصل والتخطيط المشترك مع مؤسسات دولة فلسطين، عبر مكتب التنسيق الذي تم إنشاؤه بين رئيس الوزراء ومجلس السلام.

لا بد من طي صفحة في تاريخنا النضالي، وخلق واقع قانوني سياسي فلسطيني جديد، يرسم ملامح التحرير والسيادة. وفي الحال الفلسطينية الراهنة، نبحث عن أية مؤشرات لاحتمالات تحقيق الوحدة، هذا يستدعي العودة إلى أصل الحكاية القانونية من 1947 حتى 1988، التي تتلخص في حقائق لا مهرب منها...

لا يزال عدد من المسؤولين المقربين من أبو مازن، يصرحون من حين إلى آخر، بأن الولاية القانونية لحكم غزة تتبع معاً "للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير ودولة فلسطين"، وهي صيغة غير قانونية أصلاً: فهذا يعني أن ثلاثة كيانات تشترك في الحكم، باستثناء "اللجنة الوطنية". 

في حال واصلت الأمور السياسية طريقها إلى مثل هذه النتائج، سيكون أمام منظمة التحرير في مجلسها الوطني القادم إقرار مسودة الدستور المؤقت، حتى وإن لم تكن مثالية بكل صياغاتها، ثم إعادة تسليم صلاحيات حكومة دولة فلسطين المؤقتة، التي استلمتها عام 1988 إلى دولة فلسطين وحكومتها المؤقتة.

هكذا يمكن أن تصير دولة فلسطين ليس فقط الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، بل وطنه القومي وعنوان انتمائه الوطني. ليس أمامنا طريق أفضل لتحقيق الوحدة! فلنكمل الطريق إليها.

  • هذا النص محاولة جادة، لتبين طريق للخروج من المأزق الحالي العدمي الذي يعيشه اليوم النضال الفلسطيني، متناولاً ما يراه الكاتب المهمة الرئيسية من الزاوية الفلسطينية، على صعوبتها شبه المستحيلة! وهو مطروح هنا للنقاش.

مقالات من فلسطين

إسرائيل الكبرى والخطوط الزرقاء: حين تتحول الأساطير الدينية إلى خرائط عسكرية على الأرض

صبري زكي 2026-06-25

طالما أن حدود إسرائيل غير ثابتة، يظل التوسع ممكناً. هذه هي خلفية مشروع دولة "بلا حدود"، وهو التصور التوراتي والصهيوني لإسرائيل الكبرى، وتداعياته على الفلسطينيين والمنطقة بأسرها. ولكن وبعيداً عن...

للكاتب/ة

إلى وليد الخالدي.. وإلى ذكراه الطيبة

استطاعت أعمال وليد الخالدي البحثية المبكرة الكشف عن الحقائق المتعلقة بمخطط الحركة الصهيونية المسمّى "خطة دالِت"، التي هدفت إلى تهجير الشعب الفلسطيني جماعياً... واستمر على هذا المنوال. كان رجلاً لا...

الحكم الذاتي الفلسطيني يدخل حقبة جديدة مع "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"

مع التاريخ الطويل والتجربة المريرة من أشكال ونماذج الحكم الخارجي المعادي، المفروض على الشعب الفلسطيني، وتعاقبها، فإن الثابت كان مقاومة ذلك الشعب في كافة ساحات المواجهة، لسياسات الإبادة والحرمان والإقصاء،...

هل من مخرج لفلسطين من الإبادة نحو السيادة؟

فلسطين في مرحلة حرجة ومصيرية، تتطلب تكاتف الجهود والمبادرة الخلاقة والجريئة، وليس الاختباء والانتظار. قد يتيح توسيع المبادرة الاقتصادية الفلسطينية، وربط تدويل مصالح الاقتصاد الفلسطيني (حتى ولو بالارتهان للاقتصاد العالمي)...