نحو الأمية: عن الذكاء الاصطناعي ونوبات الهلع وأشياء أخرى

هي قصة الإنسان في مواجهة زحف الآلة، حيث يتلاشى العالم القديم وتتداعى معه أركان النفس، تاركةً الفرد يواجه وحيداً صقيع العدم وهول المجهول. لم يأتِ تشخيص طبيب الاعصاب بحل سحري، لكنه أعطى اسماً لما كان يُعاني منه عمَّار: نوبات هلع. لم يكن مجنوناً. لم يكن يحتضر. كان خائفاً، مجروحاً، ويحاول شق طريقه في عالم لم يعد بحاجة إليه. كان هذا نوعاً مُختلِفاً من الألم، لكنه على الأقل صار يعرف طبيعته.
2026-04-30

صبري زكي

كاتب ومترجم من مصر


شارك
عالم الذكاء الاصطناعي

قد تتبدل تضاريس الوجود وتتهاوى قلاع الطمأنينة بين عشية وضحاها، فالحياة لا تمنح صكوك الأمان لأحد. في لحظة خاطفة، تجسدت المأساة في حياة عمّار، ذلك الرجل الذي كان يرى في انضباطه وتفانيه في عمله درعاً واقية ضد غوائل الزمن. لكن يد الحداثة الباردة، المتمثِلة في الذكاء الاصطناعي، امتدت لتنتزع منه دوره الوجودي، معلنةً بصلف عن أن مهاراته ـ التي صقلها عبر السنين ـ قد صارت أثراً بعد عين، وأن الآلة الصماء قد غدت الوريث الشرعي لمكانه.

غادر عمار صومعة عمله يجر أذيال الخيبة، حاملاً بين ضلوعه انكساراً لا يجبره عزاء. لم يكن فقدانه للوظيفة مجرد خسارة لمورد رزقه، بل كان إعلاناً عن موته المهني وتهميش كيانه في عالم لم يعد يعترف بآدميته. ومع اشتداد وطأة الفراغ واتساع شقوق الروح، بدأت أشباح الرعب تتسلل إلى أعماقه. وفي فجر آب/أغسطس من عام 2025، باغتته سكرات خوف مجهول، واعتصر صدره ضِيق كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، في احتجاج صامت من جسده على واقع مرير.

طاف عمار بين ردهات المستشفيات، لكن الفحوصات كانت تعود دوماً ببراءة جسده من العلة، بينما كانت روحه تتآكل بصمت. تسلل الأرق إلى لياليه، فاستحالت وسادته جحيماً، وغدا السكون عدواً يتربص به. كان يقضي ليله يرقب شقوق السقف ويُصغي إلى ضربات قلبه، ليهيم عند الفجر في الطرقات كشبح ضلَّ سبيله، غريباً عن العالم وعن نفسه.

عجز الأطباء عن فك طلاسم معاناته، فوصموه بالتوتر تارة وبالوهم تارة أخرى، حتى استبد به اليأس واعتصم بالصمت خشية أن يُرمى بالجنون. وفي ذروة انكساره، قادته خطاه إلى عيادة طبيب أعصاب نَفَذ ببصيرته إلى لب الداء، ليضع حداً للحيرة بتشخيص قاسٍ: "نوبات الهلع".

كانت تلك الكلمة صدمة لرجولته وكبريائه، لكنها كانت المرآة التي عكست حقيقته العارية. لقد كان عمّار ضحية "زلزال وجودي" أحدثه خروجه القسري من عجلة الحياة. إنها قصة الإنسان في مواجهة زحف الآلة، حيث يتلاشى العالم القديم وتتداعى معه أركان النفس، تاركةً الفرد يواجه وحيداً صقيع العدم وهول المجهول.

لم يأت التشخيص بحل سحري، لكنه أعطى اسماً لما كان يُعانيه. لم يكن مجنوناً. لم يكن يحتضر. كان خائفاً، مجروحاً، ويحاول شق طريقه في عالم لم يعد بحاجة إليه. كان هذا نوعاً مختلِفاً من الألم، لكنه على الأقل صار يعرف طبيعته.

تذكر صديقنا حين سمع تشخيص الطبيب المقولة القديمة: أن "الخائف لا ينام". وأدرك أن هذا القادم الجديد لن يطعمه من جوع ولن يجعله آمناً من خوف، فلماذا يؤمن هؤلاء، خاصة أصحاب العمل، بهذا النبي الجديد. أنت مجرد رقم سقط من المعادلة يا عمّار.

نوبات الهلع: الخائف لا ينام

تُعرَّف نوبة الهلع (Panic Attack)[1] بأنها نوبة مفاجئة من الرعب المكثف أو الانزعاج الشديد، تبلغ ذروتها الفسيولوجية خلال فترة زمنية وجيزة لا تتجاوز عشر دقائق. وتتجلى إكلينيكياً من خلال ظهور أربعة أعراض (أو أكثر) من المؤشرات الجسدية والمعرفية التالية:

الاستجابات الفسيولوجية: تسرُّع القلب، والتعرق الغزير، والرعاش، وضيق التنفس، والألم الصدري، والدوار، واضطراب التنظيم الحراري.

المؤشرات المعرفية: الرهبة من فقدان السيطرة الذاتية، أو تبدد الشخصية، أو الهلع من الموت الوشيك.

لم يكن فقدان عمَّار لوظيفته مجرد خسارة لمورد رزقه، بل كان إعلاناً عن موته المهني وتهميش كيانه في عالم لم يعد يعترف بآدميته. ومع اشتداد وطأة الفراغ واتساع شقوق الروح، بدأت أشباح الرعب تتسلل إلى أعماقه.

ما واجهه صديقنا في معترك سوق العمل لم يكن مجرد عثرة عابرة، بل هو صدى لزلزال تاريخي يتكرر كلما قررت البشرية القفز نحو المجهول. نحن لا نتحدث هنا عن مجرد "تطور"، بل عن مخاض تقني يعيد صياغة مفهوم الرزق والبقاء، في متوالية بدأت منذ أول نَفَس للمحرك البخاري ولم تتوقف حتى اليوم.  

تؤكد الدراسات السيكوفيزيولوجية وجود علاقة طردية بين العجز المزمن في النوم وتفاقم الاضطرابات القلَقية. يتجاوز تأثير الحرمان من النوم مجرد الإجهاد البدني ليؤدي إلى اختلال في المحور الوطائي-النخامي-الكظري (HPA Axis)، مما يسبب ارتفاعاً حاداً في مستويات هرمون الكورتيزول (هرمون الإجهاد).

وفي هذا السياق، يشدد ماثيو ووكر[2] على أن القصور النوعي والكمي في النوم يعد عاملاً حيوياً في خفض متوسط العمر المتوقَع وتدهور السلامة النفسية. فالنوم ليس مجرد حالة من الخمول، بل هو عملية بيولوجية نشطة لإعادة التوازن العصبي. وبناءً عليه، فإن انخفاض العتبة الحيوية للطاقة يجعل الجهاز العصبي أكثر استثارة وهشاشة أمام محفِّزات الهلع والقلق الحاد.

زلزال العلم الذي طرق أبواب "النخبة"

لم يكن ما واجهه صديقنا في معترك سوق العمل مجرد عثرة عابرة، بل هو صدى لزلزال تاريخي يتكرر كلما قررت البشرية القفز نحو المجهول. نحن لا نتحدث هنا عن مجرد "تطور"، بل عن مخاض تقني يعيد صياغة مفهوم الرزق والبقاء، في متوالية بدأت منذ أول نَفَس للمحرك البخاري ولم تتوقف حتى اليوم.

لقد علّمنا التاريخ أن الاختراعات الرائدة لا تمر بسلام، فهي قوى "هدم خلّاقة". حين زأر المحرك البخاري، لم يكتفِ بتسريع العجلات، بل سحق في طريقه مهناً توارثتها الأجيال. فتلاشت سواعد الحمّالين وصهيل الخيول أمام جبروت السكك الحديدية التي أوجدت - في المقابل - فيالق من العمال والمصنعين.

ومع سطوع عصر الكهرباء، انطفأت مهنة "مُوقِد المصابيح" وصانع الشموع إلى الأبد، لكن القبس نفسه أشعل ثورة في صناعات الراديو والأجهزة التي لم تكن تخطر على بال بشر. وفي المنعطف الرقمي القريب، صارت الآلة الكاتبة "أثراً بعد عين"، وتحول الأرشيف الورقي إلى سحب إلكترونية، ليولَد جيل جديد من المبرمِجين ومهندسي المواقع من رحم هذا التحول.

إلا أن ما نعيشه اليوم يختلف في إيقاعه وحدّته. فإذا كانت الثورات السابقة قد استهدفت العضلات والمهام الروتينية، فإن الذكاء الاصطناعي يقتحم اليوم القلاع الحصينة لـ "المكاتب البيضاء".

لم تعد المهن الفكرية كالمحاماة، والهندسة، والطب، بمنأى عن رياح التغيير، فقدرة الآلة على المحاكاة الإبداعية، وتحليل البيانات المعقدة، والتعلم الذاتي، وضعت الجميع أمام تساؤل وجودي: هل سيعيد التاريخ نفسه؟

المؤشرات تقول نعم، ولكن بثوب جديد. نحن نقف على أعتاب وظائف لم تكن في القواميس، من مثل "مهندسي الأوامر الذكية"، و"خبراء أخلاقيات الخوارزميات"، مما يفرض نمطاً جديداً من التعايش بين العقل البشري والآلة الصماء.

نرقب اليوم تمدد نفوذ الذكاء الاصطناعي الذي صار يلتهم المسافات، متجهاً بخطى حثيثة إلى "الذكاء الاصطناعي العام" (AGI)، تلك اللحظة الفارقة التي تتحول فيها الآلة من "أداة مُطيعة" إلى "عقل موازٍ"، قادر على استيعاب واحتواء كل شاردة وواردة ذهنية كان ينفرد بها العقل البشري. إنها معركة الصمود بين "روح الإبداع" و"برودة الخوارزمية"، في عالم يتساءل بوجل: أين سيكون مستقر الإنسان حينما تتعلم الآلة كيف تفكِّر، تخطط، وتنجز كل ما كان حكراً على بني البشر؟  

اللافت في الحقبة الحالية ليس حجم التغيير فحسب، بل سرعته الخاطفة. لقد انتقل ثقل الاقتصاد العالمي من الصناعة إلى قطاع الخدمات، والآن يتجه إلى "اقتصاد الذكاء".

إن التحدي الأهم لا يكمن في إدراك حتمية التغيير، وما إذا كانت الوظائف ستتغير، فهي ستتغير حتماً، بل في إيجاد آليات فعالة لدعم الأفراد في التكيف مع هذه التحولات، واكتساب المهارات اللازمة، وإيجاد مكانهم في عالم دائم التطور، لا يتوقف عن إعادة ابتكار نفسه.

الذكاء الاصطناعي: تلك الشياطين التي تجعل من طفلٍ نبياً

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد فصل في رواية من أدب الخيال العلمي، بل تحول إلى "زلزال تقني" يضرب أركان الواقع. إنه العلم الذي يمنح الآلة "دماغاً" يحاكي العقل البشري في حل المعضلات، وفك شفرات اللغة، وتحليل الملامح، مستمداً قوته من مزيج هجين يجمع علوم: الحاسوب، والرياضيات، وعلم الأعصاب، وحتى الفلسفة.

تتعدد أذرع هذا المارد التقني. فمن "التعلم الآلي" الذي يلتهم البيانات الضخمة ليستخلص المعرفة، إلى "معالجة اللغة الطبيعية"، التي جعلت الحواسيب تحاورنا بلسان عربي مبين. وبينما تمنح "الرؤية الحاسوبية" للآلات عيوناً تحلل المشاهد، تَبرز "الأنظمة الخبيرة" كعقول اصطناعية تتخذ قرارات تضاهي أحكام كبار المتخصصين.

إننا نرقب اليوم تمدد نفوذ الذكاء الاصطناعي الذي صار يلتهم المسافات، متجهاً بخطى حثيثة إلى "الذكاء الاصطناعي العام" (AGI)، تلك اللحظة الفارقة التي تتحول فيها الآلة من "أداة مُطيعة" إلى "عقل موازٍ"، قادر على استيعاب واحتواء كل شاردة وواردة ذهنية كان ينفرد بها العقل البشري. إنها معركة الصمود بين "روح الإبداع" و"برودة الخوارزمية"، في عالم يتساءل بوجل: أين سيكون مستقر الإنسان حينما تتعلم الآلة كيف تفكِّر، تخطط، وتنجز كل ما كان حكراً على بني البشر؟ هل يترجل الإنسان عن عرشه في مهب الخوارزميات؟

واللافت في الحقبة الحالية ليس حجم التغيير فحسب، بل سرعته الخاطفة. لقد انتقل ثقل الاقتصاد العالمي من الصناعة إلى قطاع الخدمات، والآن يتجه إلى "اقتصاد الذكاء".

في هذا المشهد الضبابي، تتعالى تحذيرات جيوفري هينتون، الرجل الذي لُقِّب بـ "عرّاب الذكاء الاصطناعي"، محذراً من "المولود" الذي أسهم هو نفسه في إرساء لبناته الأولى. في تصريحاته لـ "أندرو مار" عبر أثير إذاعة "LBC"، لم يتجمل هينتون بالدبلوماسية، بل وضع إصبعه على الجرح الغائر: الذكاء الاصطناعي قد طوَّر شكلاً من أشكال الوعي، وهو وعيٌ قد يقودنا، في نهاية المطاف، إلى فقدان السيادة على كوكبنا.

لا تكمن معضلة هينتون في "خوارزميات" صماء، بل في غياب "البوصلة" الأخلاقية والتنظيمية. فنحن اليوم نُبحِر في محيطٍ من التطور المتسارع من دون خرائط نجاة أو "حلول احتياطية"، حيث تدار النقاشات حول المسؤولية في غرفٍ مغلقة، بينما الواقع يُنْبئ بارتجاليةٍ تفتقر إلى الرؤية. وكأننا نعيد تجسيد مقولة إسحاق أسيموف: "المفارقة المحزنة في عصرنا تكمن في تقدم العلم بوتيرة أسرع من تطور الحكمة المجتمعية". وهي النغمة الجنائزية نفسها التي عزفها ستيفن هوكينغ حين حذر من أن "تطوير ذكاء اصطناعي فائق قد يمثل تهديداً وجودياً للبشرية".

لم تعد هذه الهواجس حبيسة روايات الخيال العلمي، بل صارت واقعاً ملموساً يقتحم المكاتب والشركات، من برامج الدردشة التي استولت على مقاعد خدمة العملاء، إلى مولِّدات الصور والشيفرات البرمجية التي تنجز في ثوانٍ ما كان يتطلب أياماً من الجهد البشري. هنا، يطرح خبراء الاقتصاد سؤالاً يؤرق الضمير: إذا كان برنامجٌ واحدٌ قادراً على أداء مهام خمسة موظفين، فما مصير هؤلاء الموظفين؟

على الطرف الآخر من النهر، يلوح بريق الأمل في رؤية ديميس هاسابيس، العقل المدبِّر لشركة "GoogleDeepMind". ففي حديثه مع مجلة "وايرد"، يرسم هاسابيس ملامح مستقبلٍ مشرِق، حيث يرى أن الذكاء الاصطناعي لن يكون "البديل" بل "المكمِّل"، الذي سيحولنا إلى "بشرٍ خارقين".

يدعو هاسابيس الأجيال الجديدة إلى الانغماس في هذه الأنظمة، لا كمتفرجين، بل كصنّاع، مؤكداً أن دراسة العلوم والبرمجة والضبط الدقيق للنماذج هي مفاتيح السيادة في العصر الجديد. فالتاريخ، في نظره، هو رحلة تكيُّفٍ كبرى. فكما انتقلنا من الحقول إلى المصانع، سننتقل اليوم إلى وظائف لم تُبتكر أسماؤها بعد، وظائف تتمحور حول إدارة الذكاء الاصطناعي وتوجيهه، حيث تبقى "القدرة على التعاطف، والإبداع، والحكم السليم" حصوناً بشرية منيعة لا تطالها الآلة.. حتى الآن.

بين تفاؤل هاسابيس الذي يراه ربيعاً للإبداع، وواقعية هينتون التي تحذِّر من اضطرابٍ يفوق "الثورة الصناعية" ضراوة، تكمن الحقيقة الغائبة. إننا أمام "هدفٍ متحرك"، وتطورٍ لا يعترف بالسكون.

إن الحقيقة التي لا مرية فيها هي أن "التجاهل ليس خياراً." فمع اقتراب الذكاء الاصطناعي من الوصول إلى مستوى الذكاء الاصطناعي العام، يتعين على المجتمع أن يبدأ التخطيط الآن، وليس غداً. فالتأخُّر في الاستعداد حتى تتجاوز الآلات قدراتنا، قد يؤدي إلى اضطرابات في سوق العمل تترك تداعيات سلبية على ملايين العاملين الذين يفتقرون إلى الموارد أو الوقت اللازمين لإعادة التأهيل. فإذا ما سعت الشركات إلى تعظيم الأرباح من خلال إحلال الآلات محل العنصر البشري، قد يتفاقم التفاوت الاقتصادي بشكل ملحوظ، مما يؤدي إلى تقويض العقد الاجتماعي القائم على مبدأ أن العمل الجاد يضمن مكانة لائقة في المجتمع. لذا، يرى ديميس أن على الشعوب أن تُطالب قادة الأعمال والحكومات بمضاعفة جهودهم من خلال الاستثمار في التعليم، وتقديم الدعم اللازم للعامِلين خلال هذه المرحلة الانتقالية، والتفكير ملياً في كيفية توزيع منافع الذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع، بحيث لا تقتصر على شركات التكنولوجيا العملاقة والمساهِمين فيها، فالأخطار جسيمة، والوقت يمر بوتيرة متسارعة.

نحو الأمية

في عالمٍ يموج بمتغيراتٍ عاصفة، ويلهث خلف فتوحاتٍ علمية وتكنولوجية لا تعرف التثاؤب، يغدو الاستثمار في العقل البشري هو الرهان الأوحد، والضرورة التي لا تقبل التأجيل. فمنطقُ العصر يفرض أن يتربع التعليم على عرشِ الأولويات، بوصفه القاطرة الوحيدة نحو المستقبل. غير أنَّ المشهد في واقعنا، ويا للأسف، يبدو مقلوباً، إذ نكاد نلمح خطانا وهي ترتدُّ إلى الوراء في نكوصٍ يبعث على الوجوم، وكأننا في سباقٍ محمومٍ على استعادة غياهب القرون الوسطى المظلِمة في قلب القرن الحادي والعشرين.

ثمة ذكرى لا تزالُ عالقةً في ذهني، حين باغَتني طالب في المرحلة الثانوية، بسؤالٍ يحمل من العفوية قدر ما يحمل من الفاجعة، إذ قال: "يا أستاذ، متى تنتهي في بلادنا مرحلة (نحو الأمية)؟"

أجبتُه والغصةُ تملأُ حلقي: "حين نقضي على الأمية القابعة داخل أسوار المدارس ومدرجات الجامعات أولاً!"

لقد بلغَ التردي في واقعنا التعليمي مستوياتٍ من القتامة صار معها الطالب الواقف على أعتابِ الجامعة عاجزاً عن التمييز بين "المحو" و"النحو"، وبين غاية الاجتثاث وفعل التوجه. لكنَّ هذه السقطة اللغوية العفوية لم تكن مجرد خطأ عابر، بل كانت تشخيصاً عبقرياً لمأساةٍ نعيشها. فنحن بالفعل نسير بخطىً حثيثة "نحو" الأمية لا بعيداً عنها.

إنها المفارقةُ الصارخة: في الماضي، كانت الأمية ضريبة التخلف عن مقاعد الدراسة، أما اليوم، فقد غدت نتاجاً مباشراً للالتحاق بتلك المقاعد! لقد تحولت دور العلم، في بعض زواياها، إلى محاضن لجهلٍ مقنّع، حيث تمنح الشهاداتُ لـ "أميّين" يحملون ألقاباً أكاديمية، ويسيرون بمجتمعاتنا، بوعيٍ أو بدونه، نحو دياجير العصور الغابرة.

لن أتحدث كثيراً عن الوضع الراهن للتعليم، لكن سأورد المعلومات التالية:

بعد انتهاء العام الدراسي 2022/2023، أُعلنتْ النتائج ونُشِر تقرير صحافي، بعنوان: "وصل معدل الرسوب إلى 80 في المئة.. لماذا يخفق طلاب الطب بجامعات جنوب مصر؟"، جاء فيه الآتي:

"في كلية الطب البشري بجامعة أسيوط، والتي تُعدُّ أقدم كليات الصعيد حيث تأسست عام 1960، رسب 720 طالباً من أصل 1207 طلّاب خاضوا اختبارات العام الدراسي الحالي، مما يشير إلى أن نسبة الإخفاق بلغت 60 في المئة. وفي جامعة جنوب الوادي، تجاوزت نسبة رسوب طلاب الطب البشري 70 في المئة. وفي كلية طب الأسنان بالجامعة نفسها، لم ينجح سوى 52 طالباً، بنسبة رسوب وصلت إلى 80 في المئة. أما في جامعة سوهاج، فقد بلغت نسبة الرسوب 34 في المئة في العام الدراسي الماضي، في حين لم يتم الإعلان عن نسب النجاح لهذا العام".

أرجع الدكتور يوسف الغرباوي، رئيس جامعة جنوب الوادي، ارتفاع نسب الرسوب إلى مستوى كفاءة الطلاب. وعزا هذه الأزمة إلى حالات الغش الجماعي التي شهدتها لجان امتحانات الثانوية العامة في العام الماضي. وأوضح الدكتور الغرباوي أن "أبسط المؤهلات التي يجب أن تتوفر في طالب كليات القطاع الطبي أن يكون ملمّاً باللغة الإنجليزية تحدثاً وكتابة، إلا أن الامتحانات الجامعية أوضحت أن الطالب لا يعرف عنها شيئاً ويكتب بلغة غير مفهومة."

يتعارض هذا المثال الصارخ تماماً مع التطورات المذهلة التي يشهدها مجال الذكاء الاصطناعي، الذي يرى ديميس هاسابيس أنه سيمكِّن البشرية، بعد عقدين أو ثلاثة من الآن، وفي حال سارت الأمور على النحو الأمثل، من "احتلال المجرة". نعم، إنهم يطمحون إلى احتلال المجرة، ونحن لا تزال أقصى أمانينا محو الأمية.

مدرسة أم ملهى ليلي؟

في رحلة تقصّي الأثر خلف تهاوي الهيكل التعليمي، لم أكن أبحث عن أرقامٍ صماء أو إحصائيات باردة، بل كنت أنقب عن "وجه" يختصر المأساة. وقد وجدت ضالتي في تميم، ذلك الفتى الذي عاد من غربته في قطر محملاً بلسانٍ إنجليزي ذلق، صقلته حنجرة معلمين بريطانيين وجنوب أفارقة، ليجد نفسه فجأة سجيناً في صفوف مدرسة "لغات" خاصة بالقاهرة.

كان التواصل مع تميم بالإنجليزية متعةً ذهنية، لكنها متعة يغلفها الأسى، فالفتى الذي لم يتجاوز الصف الثاني الإعدادي، صار يئن من "تلوثٍ سمعي" يمارسه معلموه. يقول بمرارة تخالطها الدهشة: "كيف لي أن أتعلم ممارسة النطق الصحيح، ومعلمو العلوم واللغة الإنجليزية في مدرستي يرتكبون خطايا لغوية فادحة؟". إنها المفارقة التي تصفع وجه المنطق: تلميذٌ يصحح لأساتذته، وعقلٌ غض يدرك تهافت من يُفترَض بهم صياغة وعيه.

لم يكن هذا التردي وليد الصدفة، بل هو نتاج طبيعي لمنظومة "التوظيف الهش". ففي مغامرة استقصائية خضتها بنفسي، طرقتُ أبواب مدارس خاصة تتراوح مصاريفها بين عشرة آلاف وخمسة وعشرين ألف جنيه، مدعياً الرغبة في العمل. كانت الصدمة بانتظاري خلف المكاتب الأنيقة: رواتب "هزيلة" تتأرجح بين 1500 و3000 جنيه شهرياً!

وحين كنت أبدي اعتراضي على هذا الفتات الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، كانت الإجابة تأتي بنغمة نمطية موحدة: "لا تقلق، الراتب مجرد واجهة، أما دخلك الحقيقي فستجنيه من "الإكراميات"، أي الدروس الخصوصية".

مع نجاح طرح شركات تعليمية في البورصة المصرية، تأكَّد للمستثمِرين أن التعليم هو "الحصان الرابح"، الذي لا يتعثر حتى في أعتى الأزمات كجائحة كورونا. لكن هذه الطفرة الاستثمارية تكرس "الفجوة الطبقية"، حيث يحظى 10 في المئة فقط من الطلاب (في التعليم الخاص) بنصيب الأسد من الاستثمارات، بينما يُترَك الباقون لمواجهة مصيرهم في مدارس متهالكة.

تعكس خارطة المصروفات الدراسية في مصر لعام 2025-2026 تبايناً اجتماعياً حاداً. فبينما تتراوح مصروفات المدارس الخاصة ("عربي" و"لغات") بين 5 آلاف و25 ألف جنيه، تحلِّق المدارس الدولية (أمريكية وبريطانية) في فضاء يبدأ من 70 ألفاً، ويصل إلى ربع مليون جنيه. 

في تلك اللحظة، ارتدَّ بي الزمن إلى أيام الجامعة، حين عملتُ لفترة وجيزة في أحد النوادي الليلية، وقيل لي يومها إن الراتب الأساسي زهيد، وعليك أن تعول على "بقشيش" الزبائن. يا له من تشابهٍ مخزٍ! لقد سقطت هيبة "كاد المعلم أن يكون رسولاً" في وحل المتاجرة، وتحوّلت قاعات العلم إلى "ملاهٍ" تربوية، يعيش فيها الأستاذ على فتات ما يجود به أولياء الأمور خارج أسوار الحصة الرسمية.

تُدرِك هذه المؤسسات تمام الإدراك أنها تبيع "الوهم" في أغلفة براقة، وتعلم أن جودتها التعليمية لا تساوي مليماً مما يدفعه الآباء. ولتغطية هذا العجز البنيوي، تلجأ إلى أقذر الوسائل: "توطين الغش".

إنها تشتري صمت أولياء الأمور بنتائج براقة كاذبة، وتغض الطرف عن "السرقة العلمية" في قاعات الامتحانات، لتوهم المجتمع بأن طلابها نوابغ يشار إليهم بالبنان. والهدف واضح: ترويج بضاعتها في سوق التعليم الجائع، وضمان استمرارية تدفق الأموال إلى خزائنها، حتى لو كان الثمن هو تدمير النسيج المعرفي للجيل.

هذا التزييف الممنهج هو الرحم الذي ولد منه أولئك الطلاب الذين يفشلون اليوم في كليات الطب. شبابٌ صعدوا على أكتاف "الغش المنظَّم" والدرجات الممنوحة زيفاً، ليصطدموا بصخرة الواقع الأكاديمي الحقيقي، حيث لا ينفع "بقشيش" المدارس ولا "تواطؤ" اللجان. إننا أمام كارثة قومية، حيث التعليم ليس طريقاً للبناء، بل هو "نحو الأمية" بخطىً واثقة.

بورصة "العقول" في مصر: هل يبتلع "البيزنس" مستقبل التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي؟

بينما يلهث العالم خلف ثورة الذكاء الاصطناعي، التي تُعيد صياغة أبجديات الوجود الإنساني، يقف نظام التعليم في مصر أمام "أزمة وجودية" كبرى. لم يعد المشهد مجرد فصول مكدَّسة أو مناهج تحتاج إلى التنقيح، بل تحول الأمر إلى صراع بين إرث ثقيل من التحديات الهيكلية وتحول العلم إلى "سلعة" استهلاكية فاخرة، تُرهِق كاهل الطبقة الوسطى وتدفع بالفقراء إلى حافة التهميش المعرفي.

لقد غدا إصلاح التعليم في مصر "قارب نجاة" لا يملك أحد ترف الاستغناء عنه. فإما اللحاق بركب "الرأسمالية المعرفية" التي تحكم القرن الحادي والعشرين، وإما الخروج النهائي من خارطة التأثير العالمي.

في الوقت الذي تستوعب فيه المدارس الحكومية حوالي 90 في المئة من كتلة الطلاب البشرية، يعاني هذا القطاع من "ركود استثماري" مزمِن. ومع بلوغ كثافة الفصول مستويات سريالية تتخطى 80 طالباً في الحجرة الواحدة، يُصبح الحديث عن "جودة التعليم" أو "بناء الشخصية" نوعاً من الترف الفكري أو ضرباً من الخيال.

هذا الفراغ الحكومي لم يبقَ شاغراً، بل ملأته ظاهرة "الدروس الخصوصية"، التي تحولت إلى إمبراطورية اقتصادية مُوازية. لغة الأرقام هنا تتحدث بمرارة، إذ تشير تقارير دخل وإنفاق الأسرة (2019-2020) إلى أن الأسر المصرية تنفق حوالي 482 مليار جنيه على التعليم، يذهب منها أكثر من 136 مليار جنيه لثقب الدروس الخصوصية الأسود سنوياً. هذه الأرقام تعكس فجوة هائلة خلَّفتها الدولة بتراجع إنفاقها الحكومي من 5.6 في المئة من الناتج المحلي في ثمانينيات القرن الماضي إلى أقل من 1.5 في المئة في الوقت الراهن.

في المقابل، لم يعد القطاع الخاص مجرد "رسالة تربوية"، بل تحول إلى مغناطيس للاستثمارات الكبرى و"منجم ذهب" لا ينضب. ففي عام 2021، دخل "صندوق مصر السيادي" حلبة المنافسة بالتحالف مع كيانات مالية كبرى، من مثل: "هيرمس"، و"جيمس للتعليم"، في خطوة تُعلِن بوضوح عن أن الدولة قررت الاستثمار في "بيزنس" التعليم، عبر تعظيم العائد من أصولها المنقولة.

ومع نجاح طرح شركات تعليمية في البورصة المصرية، تأكَّد للمستثمِرين أن التعليم هو "الحصان الرابح"، الذي لا يتعثر حتى في أعتى الأزمات كجائحة كورونا. لكن هذه الطفرة الاستثمارية تكرس "الفجوة الطبقية"، حيث يحظى 10 في المئة فقط من الطلاب (في التعليم الخاص) بنصيب الأسد من الاستثمارات، بينما يُترَك الباقون لمواجهة مصيرهم في مدارس متهالكة.

تعكس خارطة المصروفات الدراسية لعام 2025-2026 تبايناً اجتماعياً حاداً، فبينما تتراوح مصروفات المدارس الخاصة "عربي" و"لغات" بين 5 آلاف و25 ألف جنيه، تحلق المدارس الدولية (أمريكي وبريطاني) في فضاء يبدأ من 70 ألفاً، ويصل إلى ربع مليون جنيه.

أما القمة، فتتمثل في "مدارس النخبة" داخل "المجتمعات المُسوَّرة" (Gated Communities)، حيث تتجاوز المصروفات حاجز الـ 400 ألف جنيه سنوياً. هنا، لا يشتري أولياء الأمور مجرد مقعد دراسي، بل يشترون تذكرة عبور مباشِرة إلى السوق الدولية وأدوات الذكاء الاصطناعي، مما يخلق هوة معرفية، تجعل الحراك الاجتماعي مستقبلاً قائماً على "الملاءة المالية"، لا الموهبة الفطرية.

إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بشراء الأجهزة اللوحية فحسب، بل يتطلب رؤية جذرية تُعالج الجرح من العمق عبر أربعة محاور:

  1. علاج البنية التحتية: لا يمكن تطبيق الذكاء الاصطناعي في فصل يضم 80 طالباً. الحل يكمن في "شراكات عادلة" لبناء مدارس متوسطة التكلفة، واعتماد نموذج "التعليم المدمج" الذي يقلل الكثافة الفعلية لصالح المنصات التفاعلية.
  2. هندسة التوجيه (Prompt Engineering): يجب تحويل المنهج من سؤال "ماذا تعرف؟" (الذي أجاب عنه غوغل)، إلى "كيف تسأل؟ وكيف تُحلِّل؟"، لتمكين الطالب من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بدلاً من محاربتها.
  3. المعلم كـ "مُيسِّر": تحويل ميزانية الدروس الخصوصية المهدَرة إلى حوافز رسمية، وترك المهام الإدارية الروتينية للآلة، ليتفرغ المعلم لدوره الإبداعي والنفسي.
  4. ضريبة الابتكار: فرض ضريبة على المدارس الدولية الكبرى، تخصَّص لتمويل مختبرات الذكاء الاصطناعي في المدارس الحكومية، لضمان تكافؤ الفرص.

خاتمة

يقف التعليم في مصر عند مفترق طرق تاريخي، فإما الاستمرار في "تسليع" العقول وصناعة مجتمع مشوه معرفياً، وإما استغلال ثورة الذكاء الاصطناعي، لإعادة ابتكار "المدرسة المصرية"، كصنع لـ "رأس المال البشري"، القادر على المنافسة تحت شمس القرن الجديد. إن المعركة الحقيقية ليست في جودة الأجهزة، بل في عدالة الوصول إلى المعرفة.

______________________

  1. استناداً إلى المحددات السيكومترية الواردة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية DSM-5، الصادر عن الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين.
  2. مؤلف كتاب "لماذا ننام" وباحث جامعي أمريكي.

مقالات من مصر

على وقع الاحتجاجات العمالية: كيف يُعاد تشكيل العمل النقابي في مصر؟

إسلام ضيف 2026-04-27

تشهد مصر في الآونة الأخيرة موجة احتجاجات عمالية امتدت إلى قطاعات متعددة، كما جسَّدت استياءً جماعياً من تدهور ظروف العمل والأجور المتأخرة والتأمينات غير المنتظمة. يسلِّط الحراك أيضاً الضوء على...

دولة التلاوة المصرية

يأتي استعراض القراءات باعتباره فعلاً ثقافياً مقاوِماً للنمط الواحد، ومجسِّداً لتعددية فنية، وترسيخاً لفهم ضمني بأن صوت القارئ يمكن أن يكون جسراً معرفياً يمنح درساً حياً في تنوع الأداء".