على وقع الاحتجاجات العمالية: كيف يُعاد تشكيل العمل النقابي في مصر؟

تشهد مصر في الآونة الأخيرة موجة احتجاجات عمالية امتدت إلى قطاعات متعددة، كما جسَّدت استياءً جماعياً من تدهور ظروف العمل والأجور المتأخرة والتأمينات غير المنتظمة. يسلِّط الحراك أيضاً الضوء على أزمة هيكلية في العمل النقابي نفسه، تتعلق بقدرته على حماية الحقوق الأساسية للعمال، وضمان مشاركتهم الفاعلة في صياغة شروط عملهم ومستقبلهم الاجتماعي.
2026-04-27

إسلام ضيف

كاتب صحافي


شارك
داخل مقر الاتحاد العام لنقابات العمال في مصر

ظلت الاحتجاجات العمالية في مصر حاضرة على امتداد السنوات الأخيرة، بينما تتصدر مسألة تعديل قانون المنظمات النقابية العمالية رقم 213 لسنة 2017 النقاشات الجارية داخل مجلس النواب، ضمن عدة مسارات للتعديل المطروح حالياً. من بين هذه المقترحات تمديد مدة الدورة النقابية من أربع سنوات إلى خمس، إضافة إلى مناقشة توقيت الانتخابات المقررة في أيار/ مايو 2026. وعلى الرغم من أن هذه التعديلات تُعرَض رسمياً على أساس اعتبارات تنظيمية وإدارية، فقد أثارت جدلاً حول استقلالية النقابات وقدرتها على حماية حقوق العمال، والعلاقة بين الدولة والتنظيمات النقابية. ويكتسب النقاش حول التعديلات الحالية أهمية خاصة في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متزايدة التعقيد للطبقة العاملة، مع استمرار الاحتجاجات المطالِبة بتحسين الأجور وظروف العمل.

هذه الخطوات، وفق لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، تهدف إلى مراجعة الأثر التشريعي للقانون بعد سنوات من تطبيقه، لكن نقابيين مستقلين يرون فيها محاولة للسيطرة على الحركة النقابية والتحكم في تجديد قياداتها، في ظل هياكل نقابية تقليدية تخضع بشكل كبير للاتحاد العام لنقابات عمال مصر.

رئيس لجنة القوى العاملة، أوضح أن هناك مقترحين بخصوص الانتخابات. يقضي الأول بمد الدورة الحالية حتى الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، مع تطبيق الدورة الجديدة ذات الخمس سنوات اعتباراً من تشرين الثاني / نوفمبر 2027. أما المقترح الثاني، فيتمثل في تمديد الدورة عاماً كاملاً، على أن تُجرى الانتخابات في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2027، مع التأكيد أن مسألة تعديل مدة الدورة ستحسم تشريعياً قبل بدء الدورة الجديدة.

يهدف القانون في أصله إلى تنظيم العمل النقابي وحماية حق التنظيم. لكنه منذ تطبيقه، لم يخفِ محدودية أثره في تعزيز استقلال النقابات وضمان حرية العمال في تكوين تنظيماتهم. وتبقى الانتخابات النقابية محطة أساسية لمشاركة العمال في إدارة شؤونهم.

الاتحاد العام مقابل النقابات المستقلة

تباينت ردود الفعل حول مقترحات تعديل القانون بين ترحيب رسمي وتحفظات حادة من نقابات مستقلة ومنظمات حقوقية. على الصعيد الرسمي، رحبت بعض الهيئات التابعة للاتحاد العام لنقابات عمال مصر بتمديد الدورة النقابية إلى خمس سنوات، معتبرة أن ذلك يمثل فرصة لتعزيز استقرار الهيئات القيادية وتمكينها من تنفيذ برامجها واستراتيجياتها، خاصة في ظل ما يصفونه بضرورة انسجام العمل النقابي مع الإطار العام للدولة. بعض البرلمانيين المشاركين في صياغة التعديلات وصفوا خطوة زيادة مدة الدورة بأنها تهدف إلى منح النقابيين الجدد فرصة لفهم آليات العمل النقابي بشكل أفضل، وتحقيق استقرار مؤسسي يتيح تنفيذ المشروعات النقابية بفاعلية، وهي الحجة التي بررتها النائبة "نشوى الشريف" ضمن مشروعها المقدَّم.

بحسب تقرير مركز التنمية والدعم والإعلام ("دام")، والمؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان، بلغ إجمالي عدد الاحتجاجات العمالية في مصر خلال عام 2025 حوالي 78 احتجاجاً عمالياً، وهو رقم يعكس ارتفاعاً كبيراً مقارنة بعام 2024 الذي سجّل 38 احتجاجاً، أي بزيادة فاقت 100 في المئة في عدد الفاعليات الاحتجاجية. 

على الجانب الآخر، عبّرت نقابات مستقلة عن مخاوف جدية من أن التعديلات قد تُستَغل لتعزيز نفوذ الهياكل التقليدية، وتقليص فرص التجديد الديمقراطي داخل النقابات، خاصة في سياق استمرار تدخل الدولة والجهات الإدارية في عملية الإشراف على الانتخابات وتسجيل التشكيلات النقابية الجديدة. "دار الخدمات النقابية والعمالية" شددت على أن القانون، منذ صدوره، يعاني من قيود كبيرة على حرية تشكيل النقابات، إلى جانب افتقاد ضمانات كافية لممارسة التعددية الديمقراطية، ما يجعل أي تمديد للدورة مسألة مثيرة للجدل، خاصة إذا لم يُصحَب بحوار شامل يضمن مشاركة كل الأطراف المعنية.

يعكس هذا التباين صراعاً بين نموذج مركزي يهيمن عليه الاتحاد العام، وجهود النقابات المستقلة لتأمين حرية التنظيم والمشاركة الديمقراطية لأعضائها، في ظل تدخلات إدارية وأمنية تؤثِّر على سير العمل النقابي. يبدو الاتحاد العام، بحكم بنيته، أقرب إلى كونه قناة تنظيمية تعكس أولويات الدولة، أكثر من كونه مساحة مستقلة للتعبير عن مصالح العمال. في المقابل، تحاول النقابات المستقلة على الرغم من القيود، الدفع نحو نموذج مختلف يقوم على إعادة تعريف دور النقابة باعتبارها أداة تفاوض وضغط حقيقي لصالح العمال. غير أن هذا الطموح يصطدم في كثير من الأحيان، بهيكل قانوني وإداري يُبقي الحركة النقابية داخل حدود مرسومة سلفاً.

استقلال القرار النقابي

في قلب هذا الجدل، ترى قراءات سياسية أن ما يجري يتجاوز حدود التعديل التشريعي إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والتنظيمات النقابية. في هذا الإطار، يرى "حزب العيش والحرية" أن الإجراءات المصاحِبة للتحضير للانتخابات، إلى جانب التعديلات المطروحة، تعكس اتجاهاً لتوسيع نطاق التدخل في الشأن النقابي.

ووفقاً لهذه الرؤية، فإن بعض الممارسات الإجرائية، مثل إعادة توجيه مسار التعامل بين اللجان النقابية والجهات الإدارية عبر النقابات العامة، تمثِّل تقليصاً من الاستقلال التنظيمي للجان القاعدية، التي يُفترَض أنها تتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة. كما ترتبط هذه المخاوف بما يُثار حول غياب بعض الضمانات الإجرائية، مثل توثيق استلام المستندات، وهو ما قد ينعكس على الثقة في نزاهة العملية الانتخابية.

كما أن حرية التنظيم النقابي، كما تقرها اتفاقيات العمل الدولية، تقوم أساساً على الحد من تدخل السلطات في إدارة النقابات. ومن هذا المنطلق، يُنظَر إلى التعديلات باعتبارها اختباراً جديداً لمدى التزام الإطار القانوني المصري بهذه المبادئ.

على الرغم من أن التعديلات المقترحة على قانون المنظمات النقابية العمَّالية تُعرَض رسمياً على أساس اعتبارات تنظيمية وإدارية، فقد أثارت جدلاً حول استقلالية النقابات وقدرتها على حماية حقوق العمال، والعلاقة بين الدولة والتنظيمات النقابية. إذ يرى فيها نقابيون مستقلون محاولة للسيطرة على الحركة النقابية والتحكم في تجديد قياداتها، في ظل هياكل نقابية تقليدية تخضع بشكل كبير للاتحاد العام لنقابات عمال مصر.

يعكس التباين صراعاً بين نموذج مركزي يهيمن عليه الاتحاد العام، وجهود النقابات المستقلة لتأمين حرية التنظيم والمشاركة الديمقراطية لأعضائها، في ظل تدخلات إدارية وأمنية تؤثر على سير العمل النقابي. وترى قراءات سياسية أن ما يجري يتجاوز حدود التعديل التشريعي، إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والتنظيمات النقابية. 

تجدر الإشارة إلى أن قانون المنظمات النقابية العمالية رقم 213 لسنة 2017، قد خضع بالفعل لتعديل في عام 2019 بموجب القانون رقم 142 لسنة 2019. وقد استهدف هذا التعديل تخفيف بعض القيود الإجرائية المتعلقة بتأسيس اللجان والنقابات، لكن الانتقادات استمرت بشأن استمرار الهيكل الهرمي للنقابات ودور الجهات الإدارية في الإشراف على العمل النقابي.

الاحتجاج العمالي لا يتوقف

على الأرض، يتضح حجم الضغوطات التي يواجهها العمال المصريون في ظل حراك عمالي مستمر. تشهد مصر في الآونة الأخيرة موجة احتجاجات عمالية امتدت عبر قطاعات متعددة، كما جسدت استياءً جماعياً من تدهور ظروف العمل والأجور المتأخرة والتأمينات غير المنتظمة. الحراك أيضاً يسلط الضوء على أزمة هيكلية في العمل النقابي نفسه، تتعلق بقدرته على حماية الحقوق الأساسية للعمال، وضمان مشاركتهم الفاعلة في صياغة شروط عملهم ومستقبلهم الاجتماعي.

في ميناء "سفاجا"، تقدم حوالي 250 عاملاً بشكاوى من تدهور ظروف العمل، بعد تغيير الشركة المتعاقدة، إذ توقف صرف الرواتب وأُلغيت التأمينات الاجتماعية التي كانت تُصرف بانتظام لعقد كامل، مع فرض رسوم إضافية على العمال، تحت عناوين من مثل "الزي والمظهر"، أو استخراج تصاريح العمل.

وفي شركة "وبريات سمنود"، عكس الإضراب الذي نظَّمه العمال، رفضهم للعرض الجزئي بصرف 1300 جنيه، حجم الاستياء من تأخر صرف الأجور وتقسيمها على دفعات غير منتظمة. وقد أكد العمال أن هذا النمط من التصرفات يُعبِّر عن سياسة الشركة في تأجيل الحقوق، وتقليص الاستقرار المعيشي للعمال، في ظل استمرار تراجع الالتزام بالقوانين. أما في مدينة العبور، فقد شهدت شركة "تي آند سي" ممارسات تعسفية شملت فصل عدد من العمال ووقف التأمينات، وإجبار البعض على تقديم استقالات، واحتجاز بعض العاملات داخل مقر العمل.

وبحسب تقرير مركز التنمية والدعم والإعلام "دام" والمؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان، بلغ إجمالي عدد الاحتجاجات العمالية في مصر خلال عام 2025 حوالي 78 احتجاجاً عمالياً، وهو رقم يعكس ارتفاعاً كبيراً مقارنة بعام 2024 الذي سجّل 38 احتجاجاً، أي بزيادة فاقت 100 في المئة في عدد الفاعليات الاحتجاجية.

لم تقتصر الاحتجاجات على موقع جغرافي واحد أو قطاع بعينه، بل تم تنظيمها في 18 محافظة مختلفة داخل مصر. يوضح التقرير أن الغالبية العظمى من هذه الاحتجاجات اتسمت بطابع اقتصادي مباشِر، حيث تقدمت بمطالب، من مثل: تحسين الأجور، تطبيق الحد الأدنى للأجور، دفع مستحقات مالية متأخرة. ما يشير إلى ضغوط اقتصادية تُحاصر العمال، في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية.

الحاجة إلى إصلاح أوسع

في مقابل التركيز الحالي على تعديل مدة الدورة النقابية أو توقيت الانتخابات، تخرج دعوات من داخل الأوساط النقابية لإعادة النظر في القانون بشكل أشمل. فالتجربة العملية منذ 2017، بحسب هذه الرؤى، كشفت عن مشكلات لا يمكن معالجتها من خلال تعديلات جزئية.

من بين أبرز الإشكاليات، استمرار القيود المرتبطة بتأسيس النقابات، سواء من حيث الاشتراطات العددية العالية أو الإجراءات الإدارية المعقدة، مما يعيق قيام تنظيمات جديدة، خاصة في القطاعات الصغيرة أو غير المنتظمة. ومن جهة أخرى، يُطرح تساؤل عن مدى كفاية الحماية القانونية للنقابيين أنفسهم. إذ تشير شكاوى متعددة إلى تعرض بعضهم لإجراءات تعسفية، من مثل منعهم من ممارسة أنشطة النقابة، أو تجميد نشاط لجانهم كما حدث مع نقابة "العاملين بأندية هيئة السويس".

القانون الحالي، على الرغم من إقراره من حيث المبدأ بفكرة التعددية النقابية، لا يوفِّر في التطبيق ضمانات كافية لوجود أكثر من تنظيم فعّال داخل القطاع نفسه، وهو ما يجعل المنافسة النقابية محدودة عملياً، ويُبقي مساحات واسعة من التمثيل تحت سيطرة كيانات بعينها.

من بين أبرز الإشكاليات، استمرار القيود المرتبطة بتأسيس النقابات، سواء من حيث الاشتراطات العددية العالية أو الإجراءات الإدارية المعقدة، مما يعيق قيام تنظيمات جديدة، خاصة في القطاعات الصغيرة أو غير المنتظمة. ومن جهة أخرى، يُطرح تساؤل عن مدى كفاية الحماية القانونية للنقابيين أنفسهم. حيث تشير شكاوى متعددة إلى تعرض بعضهم لإجراءات تعسفية.

تطرح مسألة العضوية إشكاليات إضافية، إذ ترتبط في كثير من الأحيان بعلاقة العمل الرسمية داخل منشآت محددة، ما يُضعِف قدرة فئات واسعة من العمال، خاصة في الاقتصاد غير الرسمي أو في الأعمال المؤقتة، على الانخراط في أي شكل من أشكال التنظيم النقابي. وهناك تراجع في معدلات المشاركة الفعلية في الأنشطة النقابية، سواء بسبب ضعف الثقة في جدوى العمل النقابي، أو نتيجة القيود المفروضة على الحركة داخل هذه التنظيمات. 

في الوقت نفسه، يظل التمويل النقابي أحد الجوانب الأقل تناولاً في النقاش العام، على الرغم من تأثيره المباشر على استقلال القرار داخل التنظيمات. فاعتماد العديد من النقابات على موارد محدودة، أو على قنوات تمويل مرتبطة بهياكل أكبر، يقيد قدرتها على التحرك بحرية، خاصة في ظل غياب آليات واضحة لدعم النقابات المستقلة أو تمكينها اقتصادياً.

مسألة العضوية نفسها تطرح إشكاليات إضافية، إذ ترتبط في كثير من الأحيان بعلاقة العمل الرسمية داخل منشآت محددة، ما يُضعف قدرة فئات واسعة من العمال، خاصة في الاقتصاد غير الرسمي أو في الأعمال المؤقتة، على الانخراط في أي شكل من أشكال التنظيم النقابي. كما تشير تجارب السنوات الأخيرة إلى تراجع معدلات المشاركة الفعلية في الأنشطة النقابية، سواء بسبب ضعف الثقة في جدوى العمل النقابي، أو نتيجة القيود المفروضة على الحركة داخل هذه التنظيمات.

يتجاوز ما يجري حدود نصوص القوانين أو تفاصيل التعديلات المطروحة، بل يدور الأمر حول طبيعة المجال النقابي نفسه، ومن يملكه، ومن يحدد قواعده. فالقضية هنا لا ترتبط فقط بمدة دورة نقابية أو موعد انتخابات، بقدر ما ترتبط بقدرة العمال على امتلاك أدوات تنظيمهم، من دون أن تتحول هذه الأدوات إلى هياكل شكلية لا تعكس واقعهم.

مقالات من مصر

دولة التلاوة المصرية

يأتي استعراض القراءات باعتباره فعلاً ثقافياً مقاوِماً للنمط الواحد، ومجسِّداً لتعددية فنية، وترسيخاً لفهم ضمني بأن صوت القارئ يمكن أن يكون جسراً معرفياً يمنح درساً حياً في تنوع الأداء".

للكاتب/ة