مصر وصفيح إفريقي ساخن.. هل يمكن الهروب الى الأمام؟

في الأراضي الإثيوبية، يقع الملف الأشد خطورة وحساسية، أي جرح سد النهضة الغائر، إذ تخطت إثيوبيا حدود الملء الخامس، على الرغم من اتفاق أبرمته الحكومات الثلاث: الخرطوم والقاهرة وأديس أبابا، قبل حوالي عشر سنوات، وأقر بعدم تخطي الملء الرابع، والأهم، وجوب التنسيق الفني المشترك، بهدف حماية حصص دول المصب من المياه، ووقايتها من مخاطر الجفاف والفيضان.
2026-07-30

منى سليم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
عادل السيوي - مصر

عقود طويلة من الحديث عن إنهاء اغتراب السياسة المصرية عن محيطها الإفريقي. عقود طويلة تتقاطع الآن مع خطوات تُعلِن عنها السلطة المصرية، في ظل خطابٍ عنوانه الانفتاح على دول الجوار وحوض النيل، والامتداد القاري، وحماية الأمن القومي والمائي المصري...

لكن، وبسبب التقادم، فهناك تنافس وتشابك للحقوق الوطنية المشروعة في التنمية لكل دولة من تلك الدول على حدة. وهناك حرية خلق التحالفات، هناك أيضاً توغل متعدد الأوجه للسياسة الصهيوأمريكية، إن صح الإجمال، فضلاً عن طموحات وتوسعات لأطراف دولية وإقليمية أخرى.. وكل هذا الجمع يتداخل بلا شك مع المصلحة الوطنية المصرية.

فإلى أي مدى تمَّ حل العقد القائمة؟ وما حجم البذل السياسي والأمني والاقتصادي في هذا الاتجاه؟ وهل مصر فعلاً على طريق الموازنة التي تفضي إلى اتزان؟

الصفيح الإفريقي المتشابك والساخن

نستعرض أولاً وقدر الإمكان، حال هذه الملفات الساخنة، ونبدأ من الملف الأشد خطورة وحساسية. هناك، حيث الأراضي الإثيوبية، وجرح سد النهضة الغائر، إذ تخطت إثيوبيا حدود الملء الخامس، على الرغم من اتفاق أبرمته الحكومات الثلاث: الخرطوم والقاهرة وأديس أبابا، قبل حوالي عشر سنوات، وأقر بعدم تخطي الملء الرابع، والأهم وجوب التنسيق الفني المشترك، بهدف حماية حصص دول المصب من المياه، ووقايتها من مخاطر الجفاف والفيضان.

وهناك، في إريتريا، أكثر الملفات قابلية للانفجار في القرن الأفريقي، وفق تحليلات سياسية عدة. فمن ناحية، يتعاظم دور إريتريا في منظومة أمن البحر الأحمر، لكن التصعيد المفتوح من جانب إثيوبيا يتعاظم هو أيضاً. وبين النقطتين، تمر مصالح إقليمية ودولية تسعى إلى دعم هذا الطرف أو ذاك، والهدف واحد هو موطئ قدم عسكري أو مغلّف برداء اقتصادي على هذا الشاطئ.

يقع الحضور المصري في ملفي السودان وليبيا، بين ترحيب أطراف متعددة بحجم التدخل المصري وتلقِّي دعم مباشِر، وبين انتقادات أطراف أخرى في البلدين، واتهام السلطة المصرية بلعب دورٍ يُفاقِم الصراع. وفي هذا السياق، مر بصمت خبر مهم، عن زيارة رئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد، إلى بنغازي، ومعه تسريبات أشارت إلى استهداف "تحييد" المشير خليفة حفتر - الذي تسيطر قواته على أجزاء كبيرة من البلاد - عن مساندة "قوات الدعم السريع" في السودان.

وهناك الحرب في السودان، ومصير هذا البلد الشقيق بالأرض والنهر واللسان... وكأنه لا يحتاج إلى تعليق. أما في ليبيا، فتطاحن وتشرذم سياسي منفلت، ينذر كما كان دوماً على مدار حوالي عشر سنوات، بمزيد من الانقسام.

وفي الصومال، تتزاحم ملفات اعتراف الكيان الصهيوني بالإقليم الانفصالي المعروف بـ "أرض الصومال"، المطل على خليج عدن وجنوب البحر الأحمر، وتحضر من جهة أخرى التوترات السياسية الآخذة في التصاعد داخل الصومال نفسه، بعد انتهاء ولاية الرئيس الحالي، والخلافات بشأن آلية انعقاد الانتخابات القادمة.

وهناك، أخيراً الغرب الأفريقي، والحراك في الصحراء الكبرى، وتحديداً جمهورية مالي الواقعة جنوبي ليبيا، حيث التحالف بين حركة "أزواد" المطالِبة باستقلال شعب الصحراء، وحركة جهادية إسلامية، تعطي مؤشِّراً واضحاً عن تنامي دوائر الإرهاب الجهادي في أفريقيا.

وأبعد من ذلك، هناك الصراع الذي تجدد بين الكونغو ورواندا، الذي تغذيه أطراف عدة، بعضها يطالِب بنقل المهاجرين من أوروبا، والفلسطينيين من غزة، إلى تلك الدول مقابل مساعدات وتدخلات عسكرية...

التصدي المصري غير المكتمل وغير الآمن

ذاك هو المشهد المحيط بمصر، أو بالأحرى الذي تقع داخله، فكيف جاء التحرك؟

ملف سد النهضة لم يبرح حدود الاعتراض أمام المحافل الدولية، التي بدورها لم تحرك ساكناً، فيما تَلوح عن بعد مغازلة الرئيس الأمريكي ترمب بين الحين والآخر للسلطة المصرية، وذلك بتصريحات تشي بوعود ما. وهو ما يأتي بطبيعة الحال مرتبطاً بأدوار مصرية في ملفات أخرى، على رأسها قطاع غزة.

وفي القرن الأفريقي، تتحرك الدولة المصرية بخطوات واضحة ومتلاحقة، حيث زار وزير الخارجية المصري مؤخراً العاصمة الإريترية "أسمرة"، حيث وقَّع اتفاق للنقل البحري، والشحن، ووثيقة استراتيجية أخرى تؤكد اختصاص الدول المتشاطئة فقط في إدارة شؤون البحرالأحمر.

في شباط/ فبراير الماضي، جرى تداول خبر مقتضب عن طرد السفير الإسرائيلي من دولة جنوب أفريقيا، بسبب ما اعتبرته حكومتها "انتهاكات غير مقبولة ‍للأعراف والممارسات الدبلوماسية"، ومنها إهانة رئيس ‍جنوب أفريقيا، واستقبال سياسيين وقيادات أمنية إسرائيلية، من دون إعلام رسمي، للأجهزة الأمنية في "كيب تاون".

تَطابقت معلومة مع تقارير صحافية أشارت إلى زيارات إسرائيلية لدول أخرى، من بينها رواندا وأوغندا، التي خطر في بال تل أبيب أنها يمكن أن تكون مخيماً واسعاً، يُنقَل إليه أهل غزة، بعد رفض مصر فتح حدودها خلال حرب الإبادة. 

أما في الصومال، فعلى مدار أكثر من عام، حدثت تحركات، أهمها المشاركة المصرية الواسعة في قوات حفظ السلام في أفريقيا (حوالي 10 آلاف جندي مصري)، المنتشرة في الصومال. الهدف المعلن هو العمل على مكافحة الإرهاب وتعزيز القدرات العسكرية. لكنه يبقى جهداً محدوداً في ظل تحركات أوسع، منها زيارة الرئيس التركي إلى الصومال، وعقد سلسلة اتفاقات اقتصادية واستراتيجية معه.

ولكن أزمة "إقليم أرض الصومال"، الذي لا تحوم حوله دولة الاحتلال الاسرائيلي فحسب، وإنما تسعى إثيوبيا إلى الحصول على ميناء بحري وعسكري فيه مقابل الاعتراف باستقلاله.

وبين هذا وذاك، يأتي الحضور المصري في ملفي السودان وليبيا، وهو يقع بين ترحيب أطراف متعددة بحجم التدخل المصري وتلقي دعم مباشِر، وبين انتقادات أطراف أخرى في البلدين، واتهام السلطة المصرية بلعب دورٍ يفاقم الصراع. وفي هذا السياق، مر بصمت خبر مهم، عن زيارة رئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد، إلى بنغازي، ومعه تسريبات أشارت إلى استهداف "تحييد" المشير خليفة حفتر، الذي تسيطر قواته على أجزاء كبيرة من البلاد، عن مساندة "قوات الدعم السريع" في السودان.

وأخيراً نتوقف مع هذا الملف الأوسع، الممتد والأشد التهاباً وحساسية، وهو يتعلق بمساعي المواجهة المصرية لسياسات الاحتلال في القارة السمراء.

إذ تناولت وكالات الأخبار في شباط/ فبراير الماضي، خبراً مقتضباً عن طرد السفير الإسرائيلي من دولة جنوب أفريقيا، بسبب ما اعتبرته حكومتها "انتهاكات غير مقبولة ‍للأعراف والممارسات الدبلوماسية"، ومنها إهانة رئيس ‍جنوب أفريقيا، واستقبال سياسيين وقيادات أمنية إسرائيلية، من دون إعلام رسمي، للأجهزة الأمنية في "كيب تاون".

أشارت معلومة تَطابقت مع تقارير صحافية، إلى زيارات إسرائيلية مماثِلة لدول أخرى، من بينها رواندا وأوغندا، التي خطر في بال تل أبيب أنها يمكن أن تكون مخيماً واسعاً، يُنقل إليه أهل غزة، بعد رفض مصر فتح حدودها خلال حرب الإبادة.

فى المقابل، نقلت صحيفة الشرق الأوسط عن مصادر مصرية سيادية، أن هناك تحركات واسعة، يقودها فريق مصري برئاسة اللواء أحمد عبد الخالق، مسؤول ملف فلسطين في جهاز الاستخبارات العامة، وذلك عبر زيارات غير معلنة إلى عدد من الدول الأفريقية، في محاولة لمحاصرة التحركات الإسرائيلية.

***

الدوائر غير المغلقة تزداد عمقاً، وتُصبح في غياب الفعل أكبر قيد يلتف حول السيادة الوطنية المصرية، فيما تجري مساعٍ مصرية إلى خلق امتدادات بعيدة حميدة. لعل مصر تبلغ يوماً ليس ببعيد، مقاماً يليق بحجمها.

مقالات من مصر

من كأس العالَم.. هنا فلسطين!

2026-07-09

مَن يسمع أحاديث الناس في الشوارع والمقاهي والبيوت على امتداد المنطقة، وأمام الشاشات العملاقة والصغيرة على السواء، ومَن يصغِ لهتافهم وقت الهدف المصري، وغضبهم الفائر بعد النتيجة التي أجحفتهم، يفهم...

للكاتب/ة

مصر .. الترميم والنجاة في زمن الطغاة

منى سليم 2026-06-11

هناك تجارب عالمية ملهِمة، عملت عليها مئات الدراسات، باحثةً في منحنيات الصعود والهبوط، وهل النجاح يشترط بالضرورة رؤية أيديولوجية، أو يمكن الانطلاق من الروح الاحتجاجية باتجاه رؤية عملية سياسية؟ وعشرات...

العِلم و"المصرية" .. هوية عريقة وأوهام عرقية

منى سليم 2026-05-11

النتائج العلمية، وكذلك البداهة المنطقية، جعَلت الجينوم المصري مزيجاً فريداً، من دون تفرد عرقي، باعتبار الاستمرارية القوية عبر الزمن والتفاعلية الشديدة، حيث المصريون الحاليون يشبهون وراثياً المصريين القدماء بدرجة كبيرة،...