شاهدها الناس، وعرفوا أنهم لا يُشاهدون جنازةً عابرة، بقدر ما كانوا يُشاهِدون قهرهم وألمهم المخبأ منذ سنوات. بكى الصحافيون، بكى السكان، انهارت النساء، وذابت قلوب الأطفال من الوجع. كأنّها طاقةٌ كبيرة للحزن، انفتحت لتنفجرَ بما فيها من ألمٍ في وجوه الكُل. كان البكاء بين المارّة، وحتى الناس الذين يحملون بقايا جثامين جيرانهم وأقاربهم، إذ لم يبقَ من العائلة الأصلية للشهداء أحد. رحلوا، رجالاً وأطفالاً ونساءً.
تَحوَّل استخدام "العِقلاة" مع الوقت إلى كارثة، تَحوَّل ما هو غير عادي إلى عادي. دفع استسهال الناس لغياب معايير السلامة، "العقلاة"، إلى أن تكون مصدراً آخر من مصادر الموت في قطاع غزّة، وكأن الفلسطينيين لا يكفيهم الموت حرقاً أو قصفاً أو اختناقاً في الخيام، وحان الوقت كي يموتوا بطريقةٍ جديدة: في المواصلات.
في الأراضي الإثيوبية، يقع الملف الأشد خطورة وحساسية، أي جرح سد النهضة الغائر، إذ تخطت إثيوبيا حدود الملء الخامس، على الرغم من اتفاق أبرمته الحكومات الثلاث: الخرطوم والقاهرة وأديس أبابا، قبل حوالي عشر سنوات، وأقر بعدم تخطي الملء الرابع، والأهم، وجوب التنسيق الفني المشترك، بهدف حماية حصص دول المصب من المياه، ووقايتها من مخاطر الجفاف والفيضان.