أين ذهبت أموالنا؟

لم تعد أزمة أموال المعاشات في مصر مجرد تشابكات مالية - كما تسميها السلطة - تُحلّ بمعادلات محاسبية أو بجدولة مديونيات تمتد إلى نصف قرن، بل تمثِّل قضية أمن اجتماعي ووطني من الدرجة الأولى. فالأرقام الضخمة التي تتحدث عنها السلطة لرد الديون تظل أرقاماً على الورق، ما لم تنعكس على القوة الشرائية لأصحاب المعاشات الذين طحنهم التضخم، ونُزعت أموالهم منهم من دون ردها، بما يتناسب والقوة الشرائية للعملة المحلية حالياً.
2026-05-21

رباب عزام

صحافية من مصر


شارك
فقراء مصر

قبل حوالي ست سنوات، وجدتُ نفسي في رحلة شاقة لإنهاء إجراءات صرف معاش والدي بعد وفاته، وهو لم يكن قد تجاوز الستين بعد. لم يكن الأمر مجرد أوراق روتينية، بل سلسلة طويلة من التعقيدات تجاوزت الثلاثة أشهر، للحصول على مستحقاته من مكافأة نهاية الخدمة، التي تُحسب وفق سنوات العمل والأجر الأساسي وبعض النقاط القانونية الأخرى، إضافة إلى تعويض عن الإجازات التي ادخرها ولم يحصل عليها طوال فترة خدمته.

لكن المفاجأة كانت أن التعديلات التي أُقرت في العام 2019، أي قبيل وفاته بأقل من عام واحد، حرمتنا من احتساب تلك الإجازات، لتتقلص المستحقات إلى مبالغ زهيدة، لا تعكس حجم الاستقطاعات الشهرية التي دفعها والدي طوال سنوات عمله في قطاع التعليم، التي تراوحت ما بين 25 - 40 في المئة من راتبه شهرياً (تُقسم على اشتراكات تأمينية، ضرائب كسب العمل، واستقطاعات أخرى، من مثل: الدمغات، صندوق الرعاية الاجتماعية، والتأمين الصحي، والجزاءات إن وُجِدت). لحظة إدراك الفجوة بين ما اقتُطِع وما استُرِد، كانت كاشفة لواقع أوسع، واقع أموال التأمينات والمعاشات في مصر، وكيف تحولت من مدخرات العمر إلى ملف مثقل بالديون والجدل السياسي والاقتصادي. ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، ظل أصحاب المعاشات يطرحون السؤال نفسه: أين ذهبت أموالنا؟

أزمة متجذرة.. وعقود من الوعود

في العام 1833، صدر أول فرمان خديوي لتنظيم مسألة صرف المعاشات، لكنه اقتصر على أيتام الضباط فقط، ثم تطور الأمر في العام 1839 لتنظيم قواعد أكثر عمومية، غير أنها اقتصرت أيضاً على رجال الجهادية والبحرية فقط. وفي العام 1840، صدرت أول لائحة تنظم مسألة المعاشات لضباط الجهادية، وبموجبها قُسم المعاش على أعلى وأدنى، واشترطت مرور 30 عاماً في الخدمة مع تقديم تقرير، بناء على تقديرات القومسيون الطبي. صاحَب تلك اللائحة جدلٌ وسط العاملين في الوظائف الملكية (المستخدمين الملكيين)، لتُعدَّل اللائحة بعد أربع سنوات وتضمهم ضمن نظامها، وتؤسس لمبدأ المعاش التقاعدي المبكر. وظلت لوائح وقوانين المعاشات في تغير مستمر، حتى صدر قانون التأمين الاجتماعي الأول رقم 92 لسنة 1959، الذي اعتُبر أول قانون شامل ومتكامل للتأمينات الاجتماعية في مصر، تلاه القانون رقم 79 لسنة 1975 الذي شكّل علامة فارقة؛ إذ وحّد قوانين التأمين والمعاشات للعاملين في الحكومة مع القطاعين العام والخاص.

وتعود جذور أزمة أموال المعاشات والتأمينات الاجتماعية إلى العام 1980، حينما تأسس بنك الاستثمار القومي الذي كان يتبع وزارة المالية، وتقرر أن تَضُخ الصناديق الخاصة بأموال المعاشات والتأمينات، فائض تلك الأموال في البنك (تأسس وفقاً لأحكام القانون رقم 119 لسنة 1980)، الذي عمل على استثمارها لصالح الدولة.

وبحسب دراسة للمركز المصري للدراسات الاقتصادية، صدرت في العام 2006، فقد بلغ رصيد المال الاحتياطي لنظام المعاشات حوالي 48 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للعام المالي 2004 - 2005، لتصبح تلك الأموال ثاني أهم مصدر للتمويل طويل الأجل لمصر في ذلك العام. ووفقاً لبيانات البنك المركزي المصري للعام نفسه، فقد مثّلت أموال المعاشات حوالي 30 في المئة من إجمالي الأوعية الادخارية المتاحة للاقتصاد المصري وقتئذٍ.

تحوّلت أموال التأمينات والمعاشات في مصر، من مدخرات العمر إلى ملف مثقل بالديون والجدل السياسي والاقتصادي. ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، ظل أصحاب المعاشات يطرحون السؤال نفسه: أين ذهبت أموالنا؟

في العام 2015، اتُهِم يوسف بطرس غالي وزير المالية آنذاك، ومعه رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف، بالتلاعب بأموال الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، بما قيمته حوالي 455 ملياراً و500 مليون جنيه، بنسبة 93.6 في المئة من أموال التأمينات وقتئذٍ. 

وبموجب المادتين الخامسة والسادسة من القانون رقم 119 لسنة 1980، فقد التزمت الحكومة بتحويل فائض أموال المعاشات إلى بنك الاستثمار القومي، ويستخدم جزء من تلك الأموال في تمويل الموازنة العامة، بشراء أوراق مالية وحكومية، لتمثِّل أموال المعاشات في العام المالي 2004 - 2005 حوالي 70 في المئة من الموارد المتاحة لبنك الاستثمار القومي، الذي قام بإقراض الخزانة العامة للدولة، لتمويل حوالي 86 في المئة من الاستثمارات العامة. وفي العام 2005، وصلت مديونية الخزانة العامة للدولة لدى البنك، إلى حوالي 143.7 مليار جنيه، بما يمثل حوالي 41 في المئة من الدين المحلي الحكومي البالغ حينها حوالي 349.2 مليار جنيه، بحسب البيانات المتاحة.

وعودة إلى بداية الأزمة التاريخية. ففي العام 1998، كانت أولى الضربات التي وُجِّهت إلى أموال المعاشات، حينما تقرر استثمار حوالي مليار جنيه في البورصة المصرية، لتخسر في العام الأول حوالي 200 مليون جنيه، وتوالت الخسائر إلى أن وصلت إلى 500 مليون جنيه. وصرحت وزيرة التأمينات الاجتماعية السابقة ميرفت التلاوي، في العام 2010، بأن أموال التأمينات الاجتماعية خسرت 60 في المئة بسبب استثمارها في البورصة من دون عقد، حينما جمع بطرس غالي وزير المالية في عهد مبارك، 200 مليون جنيه مصري من أموال التأمينات الاجتماعية من القطاع العام، كانت موضوعة فى بنك الاستثمار القومى، و300 مليون جنيه من صناديق التأمينات في القطاع الخاص، التابعة لوزارة الاقتصاد، وضارب بها فى البورصة عن طريق إسنادها إلى شركة واحدة، من دون الاحتياط للخسائر التي ربما تنجم نتيجة استثمار تلك الأموال لدى شركة واحدة. والأدهى أن تلك الصفقة تمت من دون تعاقد بين الحكومة وتلك الشركة الخاصة، ما تسبب في خسارة 60 في المئة من حجم تلك الأموال، بحسب شهادة الوزيرة السابقة.

وقد واجهت السياسات الاقتصادية لـ يوسف بطرس غالي، المعروف بارتباطه بآليات البنك الدولي، انتقادات حادة خلال فترته الوزارية، إذ تُشير القراءة المشهدية إلى إخفاقه في السيطرة على تفاقم الدين المحلي، وعجزه عن كبح فجوة الموازنة العامة. ووفقاً للبيانات المنشورة آنذاك، فقد ضمت السلطة هيئة التأمينات الاجتماعية إلى وزارة المالية تحت إدارته، ما أدى إلى اتخاذه قراراً بتوجيه فوائض وأموال التأمينات الاجتماعية إلى تمويل عجز الدين المحلي، إذ قضى القرار الوزاري رقم 272 لسنة 2006 بدمج كافة الاشتراكات التأمينية المحصَّلة مباشرة داخل الموازنة العامة للدولة وقد اتُهم غالي ومعه رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف في العام 2015، بالتلاعب بأموال الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، بما قيمته حوالي 455 ملياراً و500 مليون جنيه، بنسبة 93.6 في المئة من أموال التأمينات وقتئذٍ.

وتداركاً للأزمة، في العام 2013، شكّل أحمد البرعي - وزير التضامن آنذاك - لجنة لحصر أموال التأمينات، لتكشف عن أن مديونية أموال التأمينات المستحقة لدى وزارة المالية بلغت حينها حوالي 400 مليار جنيه من دون الفوائد. وتوزعت بين 164 مليار جنيه مديونية مباشرة عن العامين 2006 و 2007، سُدد منها حوالي 14 مليار جنيه فقط، و276 مليار جنيه جُمدت في صورة صكين أصدرهما وزير المالية الأسبق، "غالي"، إضافة إلى 85 مليار جنيه كانت مودعة لدى بنك الاستثمار القومي. وقد توصل الوزير إلى اتفاق مع وزارة المالية لتسوية مديونية صناديق التأمينات، إلا أنه لم ينفَّذ بسبب استقالة الحكومة آنذاك. لتظل أزمة أموال التأمينات سارية حتى العام 2019، حينما صدر قانون التأمينات والمعاشات الجديد..

فما الذي تغير في هذا القانون؟

قانون فض التشابكات المالية

ظلت أزمة المديونية المتراكمة حتى العام 2019، الذي شهد تحولاً جذرياً بصدور قانون التأمينات والمعاشات الجديد الموحد رقم 148 لسنة 2019، المعروف بـ "قانون فض التشابكات المالي"، بعد نقاشات داخل البرلمان المصري استمرت حوالي خمس سنوات[1]. وقد وضع هذا القانون إطاراً تشريعياً حاسماً لإنهاء الصراع المتأصِل لعقود بين وزارة المالية والهيئة القومية للتأمين الاجتماعي وبنك الاستثمار القومي، عبر صياغة خطة زمنية طويلة الأجل، لسداد الديون المتراكمة على مدار 50 عاماً مقبلة بفائدة مركَّبة.

وتكشف لغة الأرقام عن الضخامة الفلكية لعملية الإنقاذ المالي. إذ نجحت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي في استرداد حوالي 558 مليار جنيه من أقساط المديونية حتى العام 2022. ومع تصاعد وتيرة الأقساط السنوية المركَّبة، فإن التوقعات الحسابية التي رسمها القانون تشير إلى أن إجمالي ما تتحمله الخزانة العامة للدولة حتى نهاية مدة السداد المقررة في العام 2068، يبلغ رقماً قياسياً غير مسبوق، يقدر بحوالي 45 تريليوناً و79 مليار جنيه، ما يضع موازنات العقود المقبلة أمام التزام صارم وحتمي لرد مدخرات أصحاب المعاشات.

وأشارت منصة العدالة الاجتماعية - مؤسسة حقوقية –إلى أنه، على الرغم من أن أموال التأمينات تُعد أموالاً خاصة ومحمية، وأن للهيئة شخصية اعتبارية مستقلة، إلا أن تشكيل مجلس إدارة الهيئة ومجلس أمناء الاستثمار يأتي، وفق القانون، بقرار مباشر من رئيس الجمهورية، فضلاً عن ضعف تمثيل أصحاب المعاشات في المجلس. وأيضاً، يُلزِم القانون هيئة التأمينات الاجتماعية باستثمار ما يمثل حوالي 75 في المئة من احتياطي أموال التأمينات والمعاشات في أذون وسندات الخزانة العامة للدولة، ما يؤدي إلى النتائج نفسها في المستقبل. إضافة إلى ذلك، فإن قيمة القسط السنوي الذي تدفعه الحكومة يزداد بنسبة 5.7 في المئة مركبة فقط، وهي نسبة متدنية مقارنة بمعدل نمو مستحقات أصحاب المعاشات التي تضاعفت في سنوات قليلة، ما يعني أن القسط لن يكفي المعاشات وحدها، خاصة بعد أن نقل القانون كثيراً من التزامات وأجور موظفي وزارة التأمينات إلى الصندوق الجديد، ليتحملها بدلاً من الحكومة.

ظل الجدل حول القانون سارياً، حتى موافقة مجلس النواب المصري في أيار/ مايو الجاري على تعديل القانون، إذ رفع قيمة القسط الأول الذي تلتزم وزارة المالية بسداده للهيئة خلال العام المالي 2025/ 2026 ليصبح 238.55 مليار جنيه، بدلاً من التقديرات السابقة التي بلغت حوالي 227.08 مليار جنيه، بزيادة مباشرة تُقدّر بحوالي 11.5 مليار جنيه. وأعاد القانون تنظيم آلية الزيادة السنوية للقسط لتصبح أكثر تصاعدية، إذ يبدأ القسط في الزيادة بنسبة 6.4 في المئة مركَّبة سنوياً اعتباراً من تموز/ يوليو من العام الجاري، ثم ترتفع هذه النسبة تدريجياً بمقدار 0.2 في المئة كل عام، لتستقر عند 7 في المئة مركَّبة بدءاً من تموز/ يوليو من العام 2029. ونص التعديل على إلزام الخزانة العامة بإضافة مبلغ ثابت قدره مليار جنيه سنوياً إلى قيمة القسط الأصلي، وذلك لمدة خمس سنوات متتالية، تبدأ من تموز/ يوليو المقبل.

عقب الإعلان عن تعديلات قانون المعاشات الجديد، وفي مقابل الحسابات المالية الدقيقة التي وضعتها السلطة لجدولة ديونها لهيئة التأمينات الاجتماعية، واجه حوالي 12.5 مليون صاحب معاش في مصر واقعاً اقتصادياً قاسياً، ما أدى إلى موجة من السخط العام. وكشف التطبيق العملي للقانون رقم 148 لسنة 2019 عن تآكل غير مسبوق في القوة الشرائية للمعاشات

امتدت المطالب إلى تفكيك آليات تمويل الصناديق التي وضعتها السلطة، إذ انتقد الاتحاد آلية سداد أموال المعاشات المتراكمة، معترضاً على جدولة السداد التي امتدت عبر التعديلات الأخيرة إلى 50 عاماً بفائدة مركبة متدنية لا تتخطى 7 في المئة، في الوقت الذي تقترض الحكومة فيه من البنوك التجارية بفوائد تفوق 17 في المئة! 

انتقدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في ورقة موقف حديثة، التعديلات التشريعية التي جرت على قانون التأمينات الأخير، مؤكدة أنها ركّزت على إصلاح أموال المعاشات والتمويل الحكومي، من دون الاستجابة لمعدلات التضخم (إذ تمت الموافقة فقط على تعديلات المادة 111، المرتبطة بصندوق التأمينات والمعاشات)، وتجاهلت الاحتياجات اليومية الملحّة لحوالي 70 في المئة من قوة العمل في مصر، خاصة الشباب والنساء والعمالة غير المنتظمة. إذ ـ وبحسب المبادرة ـ فإن ستة من بين كل عشرة عاملين في مصر، يفتقرون إلى أية حماية تأمينية، وهو ما لم يتطرق إليه القانون أو تعديلاته بشكل منصف.

من يحمي أصحاب المعاشات؟

عقب الإعلان عن تعديلات قانون المعاشات الجديد، وفي مقابل الحسابات المالية الدقيقة التي وضعتها السلطة لجدولة ديونها لهيئة التأمينات الاجتماعية، واجه حوالي 12.5 مليون صاحب معاش في مصر واقعاً اقتصادياً قاسياً، ما أدى إلى موجة من السخط العام. وكشف التطبيق العملي للقانون رقم 148 لسنة 2019 عن تآكل غير مسبوق في القوة الشرائية للمعاشات، إذ رصد مختصون فجوة دستورية واسعة بين الأجور والمعاشات. فبينما تقرر رفع الحد الأدنى للأجور في البلاد ليصل إلى ثمانية آلاف جنيه بداية من تموز/ يوليو المقبل، يظل الحد الأدنى للمعاشات عند 1755 جنيهاً فقط (بينما الحد الأدنى للاشتراك التأميني للفرد يبلغ حوالي 2700 جنيه)، ما يعني أن المتقاعِد الذي أفنى عمره في الخدمة صار يتقاضى أقل من 22 في المئة من الحد الأدنى لأجر العامل في الخدمة، في وقتٍ يتوقع فيه البنك المركزي المصري ارتفاع متوسط معدَّلات التضخم في العام الجاري إلى ما بين 16 و17 في المئة.

وأمام هذا الفراغ التشريعي، طالب برلمانيون وممثلون عن اتحاد أصحاب المعاشات، بتعديلات فورية وعاجلة، لتواكب التضخم، في مقدمتها ربط المعاشات بالحد الأدنى للأجور - ثمانية آلاف جنيه - ورفع الحد الأقصى للعلاوة السنوية الدورية لتصبح بحد أدنى 15 في المئة وبحد أقصى 20 في المئة، بدلاً من 15 في المئة كحد أقصى في القانون الحالي، فضلاً عن تسوية ملف العلاوات الخمس المجمد، وزيادة المنحة الاستثنائية لتقليص الفارق مع العاملين في الدولة.

تكشف لغة الأرقام عن الضخامة الفلكية لعملية الإنقاذ المالي. إذ نجحت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي في استرداد حوالي 558 مليار جنيه من أقساط المديونية حتى العام 2022. ومع تصاعد وتيرة الأقساط السنوية المركَّبة، فإن التوقعات الحسابية التي رسمها القانون تشير إلى أن إجمالي ما تتحمله الخزانة العامة للدولة حتى نهاية مدة السداد المقررة في العام 2068، تقدّر بحوالي 45 تريليوناً و79 مليار جنيه، ما يضع موازنات العقود المقبلة أمام التزام صارم وحتمي لرد مدخرات أصحاب المعاشات.

انتقدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في ورقة حديثة، التعديلات التشريعية التي جرت على قانون التأمينات الأخير، إذ ركّزت على إصلاح أموال المعاشات والتمويل الحكومي، من دون الاستجابة لمعدلات التضخم، إذ تمت الموافقة فقط على تعديلات المادة 111، المرتبطة بصندوق التأمينات والمعاشات، وتجاهلت الاحتياجات اليومية الملحّة لحوالي 70 في المئة من قوة العمل في مصر، أي ستة من بين كل عشرة عاملين في مصر، الذين يفتقرون إلى أية حماية تأمينية. 

وامتدت المطالب إلى تفكيك آليات تمويل الصناديق التي وضعتها السلطة، إذ انتقد الاتحاد آلية سداد أموال المعاشات المتراكمة، معترضاً على جدولة السداد التي امتدت عبر التعديلات الأخيرة إلى 50 عاماً بفائدة مركبة متدنية لا تتخطى 7 في المئة، في الوقت الذي تقترض الحكومة فيه من البنوك التجارية بفوائد تفوق 17 في المئة! الأمر الذي دفع الاتحاد إلى المطالبة بتعديل جديد للمادة 111، لرفع فائدة أموال التأمينات لتغطية الالتزامات المتزايدة، إذ إن التعديل الأخير للمادة لا يعني بالضرورة استفادة أصحاب المعاشات من زيادة أقساط الدين.

… إن أزمة أموال المعاشات في مصر لم تعد مجرد تشابكات مالية - كما تسميها السلطة - تُحل بمعادلات محاسبية أو بجدولة مديونيات تمتد إلى نصف قرن، بل تمثِّل قضية أمن اجتماعي ووطني من الدرجة الأولى. فالأرقام الضخمة التي تتحدث عنها السلطة لرد الديون تظل أرقاماً على الورق، ما لم تنعكس على القوة الشرائية لأصحاب المعاشات الذين طحنهم التضخم، ونُزعت أموالهم منهم من دون ردها بما يتناسب والقوة الشرائية للعملة المحلية حالياً. إن حماية كبار السن، وربط مستحقاتهم بالحد الأدنى للأجور، ودمج العمالة غير المنتظمة في مظلة تأمينية حقيقية، على رأس المطالبات التي صدع بها الشارع المصري خلال الأسابيع الماضية. ليبقى السؤال: متى تعود أموال المعاشات إلى مستحقيها؟ ومتى تلتزم السلطة بتوفير حياة كريمة للمتقاعدين وكبار السن؟

______________

  1. وَحّد قانون التأمينات والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 القوانين المتعلقة بالتأمينات تحت مظلة واحدة، وقد تعددت بين أربعة قوانين، إذ ينظم القانون رقم 79 لسنة 1975 التأمين الاجتماعي على العاملين في الجهاز الإداري للدولة والخاضعين لقانون العمل، والقانون رقم 108 لسنة 1976 ينظم التأمين الاجتماعي على أصحاب الأعمال وما في حكمها، والقانون رقم 50 لسنة 1978 ينظم التأمين على المصريين العاملين في الخارج، وأخيراً القانون رقم 112 لسنة 1980 وينظم التأمين الشامل ويخاطب بالأساس العمالة غير الرسمية والموسمية وما في حكمها. للمزيد عن هذا القانون، يرجى الاطلاع على: قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات: تكريس جديد لعدم التوازن بين العمال وأصحاب الأعمال | Legal Agenda

مقالات من مصر

الأوقاف المصرية في قبضة السلطة..

رباب عزام 2026-05-18

جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، منذ أيام، مطالبته بتدقيق وتوثيق وحصر أملاك الأوقاف المصرية، بغرض تسهيل عملية استثمارها وتعظيم فوائدها. هذه الخطوة تأتي في سياق التأكيد على القانون رقم...

العِلم و"المصرية" .. هوية عريقة وأوهام عرقية

منى سليم 2026-05-11

النتائج العلمية، وكذلك البداهة المنطقية، جعَلت الجينوم المصري مزيجاً فريداً، من دون تفرد عرقي، باعتبار الاستمرارية القوية عبر الزمن والتفاعلية الشديدة، حيث المصريون الحاليون يشبهون وراثياً المصريين القدماء بدرجة كبيرة،...

للكاتب/ة

الأوقاف المصرية في قبضة السلطة..

رباب عزام 2026-05-18

جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، منذ أيام، مطالبته بتدقيق وتوثيق وحصر أملاك الأوقاف المصرية، بغرض تسهيل عملية استثمارها وتعظيم فوائدها. هذه الخطوة تأتي في سياق التأكيد على القانون رقم...

الانتخابات النيابية المصرية من قبضة الحزب الواحد إلى اقتصاد القائمة

رباب عزام 2026-01-15

المشاهد الثلاثة بين انتخابات الأعوام 1924 و2010 و2025، متفرقة، لكن تجمعها شبهات حول نزاهتها، وقد مثلّت محطات فارقة في تاريخ السياسة المصرية: فالأولى كانت افتتاحية انتخابات المجلس، وبإرادة شعبية ناجحة،...