خديعة "العظمة الأمريكية": كيف رسم نتنياهو لترامب طريق الحرب مع إيران؟

باع نتنياهو لترامب حرباً لتأمين "العظمة الأمريكية"، لكن ترامب يكتشف الآن أن كلفة هذه العظمة قد تكون الانزلاق في استنزاف طويل الأمد، مما يفسر لجوءه للأكاذيب لتوزيع المسؤولية التاريخية على الجميع، في محاولة لغسل يديه من قرار قد يغيِّر وجه النظام العالمي، ولكن ليس بالضرورة لصالح أمريكا.
2026-05-28

صبري زكي

كاتب ومترجم من مصر


شارك
سيروان باران - العراق

في عالم السياسة، لا يُقاس الخطأ الاستراتيجي بفداحة الضرر الناجم عنه فحسب، بل بضراوة الجهد المبذول للتنصل من تبعاته. واليوم، تضج أروقة واشنطن باضطراب مكتوم خلف الأبواب الموصدة، يترجمه خطاب مرتبك للرئيس دونالد ترامب، وهو ينسج خيوطاً واهية من السرديات المتضاربة لتبرير قراره بشن الحرب على إيران. إن لجوء الرئيس إلى "صناعة" تأييد وظهير سياسي متخَيل من خصومه وأسلافه ليس مجرد سقطة إعلامية عابرة، بل هو اعتراف ضمني بعبء المسؤولية التاريخية الذي بدأ ينوء بها كاهله، مع انقشاع غبار الضربات الأولى وتكشف ملامح المجهول.

خلال كلمة ألقاها أمام أعضاء جمهوريين في الكونغرس في 5 آذار/ مارس)، صرح ترامب قائلًا: "سمعت أن بلينكن أدلى اليوم بتصريح مفاده أنه كان ينبغي عليه فعل ذلك". وأضاف: "شكرًا جزيلًا لك يا بلينكن، أقدر ذلك. بلينكن رجل بايدن، على ما أعتقد. من يدري من هو؟ إنه رجله. لكنه أدلى بتصريح مفاده أنه كان ينبغي عليهم فعل ذلك، وأنهم ارتكبوا خطأً".

إلا أن أنتوني بلينكن، وزير الخارجية في عهد بايدن، نفى هذه التصريحات في سلسلة تغريدات مطولة نشرها على منصة "إكس" في اليوم التالي، مستشهدًا بمقتطفات من تصريحات سابقة له للصحافة تناول فيها العلاقات الأمريكية الإيرانية خلال فترة عمله في عهد الرئيس السابق بايدن.

مقالات ذات صلة

وتساءل بلينكن في منشور على موقع X: "ماذا كان سيحدث لو أبقى الرئيس ترامب على الاتفاق النووي الإيراني؟" وأردف قائلًا: "عند انتهاء صلاحية الاتفاق النووي الإيراني، كان من الممكن تمديده أو إعادة التفاوض بشأنه، كما هو الحال مع معظم اتفاقيات الحد من التسلح. ولو رفضت إيران، لكانت الولايات المتحدة ستحتفظ بالخيار العسكري، مع امتلاكها معلومات أكثر بكثير عن البرنامج الإيراني، بفضل عمليات التفتيش الأكثر دقة على الإطلاق."

البيانات التوثيقية الصادرة عن قاعدة بيانات "تدقيق الحقائق" (Fact Checker) التابعة لصحيفة "واشنطن بوست" – وهي الجهة المرجعية الأبرز في رصد الخطاب السياسي الأمريكي – تشير إلى أن ترامب أدلى بـ 30.573 ادعاءً كاذباً أو مضلِّلاً طوال فترة ولايته الأولى (2017-2021). ولم تقتصر هذه البيانات على الأكاذيب الصريحة فحسب، بل شملت "الادعاءات المضلِّلة" التي تعتمد على اجتزاء الحقائق من سياقها. 

وفي تغريدة أخرى، كتب بلينكن: "إن عدم توقعنا لتسليح إيران لمضيق هرمز والاستعداد لذلك، يضعنا حرفياً في أسوأ وضع ممكن". وتابع المسؤول السابق في إدارة بايدن: "ستحدد الأسواق (النفط، والغاز الطبيعي المسال، والأسهم، والسندات، والأسمدة، والهيليوم) والذخائر (الهجومية والدفاعية) متى سيشعر الرئيس ترامب بأنه مضطر لإعلان النصر والانسحاب، مع سيطرة إيران على المضيق. ربما يمكن للمفاوضات أن تحل هذا الوضع، ولكن ما هي التنازلات التي ستقدَم لإيران؟ أو يمكننا مضاعفة جهودنا، مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر جسيمة."

وفي وقت سابق من شهر آذار/مارس، زعم الرئيس ترامب أن "رئيساً سابقاً" أبلغه بأنه كان يتمنى لو أن إدارته قصفت إيران، إلا أن مساعدي جميع الرؤساء الأحياء نفوا إجراء أي حديث مع الرئيس بشأن العمليات العسكرية الجارية.

تجدر الإشارة إلى أن البيانات التوثيقية الصادرة عن قاعدة بيانات "تدقيق الحقائق" (Fact Checker) التابعة لصحيفة "واشنطن بوست" – وهي الجهة المرجعية الأبرز في رصد الخطاب السياسي الأمريكي – تشير إلى أن الرئيس دونالد ترامب أدلى بـ 30.573 ادعاءً كاذباً أو مضلِّلاً طوال فترة ولايته الأولى (2017-2021). ولم تقتصر هذه البيانات على الأكاذيب الصريحة فحسب، بل شملت "الادعاءات المضلِّلة" التي تعتمد على اجتزاء الحقائق من سياقها. لذلك، من الضروري البحث عن الأسباب الحقيقية وراء التوجهات العدائية تجاه إيران.

خلف هذه التصريحات الاستهلاكية، تكمن "رؤية" سوَّقها رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو واللوبي الصهيوني لترامب وإدارته، مستغلة شعار حملة ترامب "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً". يمكن تلخيص هذه الرؤية (رؤية الموساد الاسرائيلي) في أن الظروف المُواتية لتوجيه ضربة لإيران اليوم أفضل من أي وقت مضى، وربما لن تكون كذلك في المستقبل، وأن توجيه ضربة أمريكية لإيران، حتى لو لم تُفضِ إلى تغيير النظام، فرصة استراتيجية تتوافق تماماً مع أولويات شعار ترامب ذاك.

عناصر الرؤية الاسرائيلية

  • اللحظة الفارقة (تآكل الداخل الإيراني):
  • لقد سُوِّق لترامب أن طهران تمر اليوم بمرحلة من "السيولة السياسية" والضعف الهيكلي غير المسبوق، إذ يترنح النظام تحت وطأة تضخم جامح واحتجاجات شعبية عارمة كشفت عن تصدعات عميقة في جدار شرعيته. وتفيد مؤشرات الموساد بحدوث انشقاقات في السلك الدبلوماسي وهروب رؤوس أموال تابعة لنخب النظام، بالتزامن مع انكشاف عسكري، حيث لم يتعافَ نظام الدفاع الجوي الإيراني بعد من آثار حرب الأيام الاثني عشر التي اندلعت في حزيران/ يونيو الماضي. ويُؤكد الإسراع الذي يُقال إن إيران تستورد به الآن أنظمة دفاع جوي صينية على ضائقتها العملياتية، ويُثير شكوكاً جدية حول قدرتها على دمج هذه المقتنيات في قدرة دفاعية فعّالة ومتماسكة، مما يجعل النافذة العسكرية المتاحة اليوم فرصة قد لا تتكرر مستقبلاً.

    • الجغرافيا السياسية ووهم الحياد الإقليمي

    لقد سُوِّق لترامب أن دول الخليج، على الرغم من خطابها المعلَن الداعي للتهدئة، ترحب سراً بالتحرر من النفوذ الإيراني. أما الادعاءات بأن الرياض وغيرها من العواصم الخليجية تُفضل نظاماً إيرانياً ضعيفا، ولكنه مألوف على عدم الاستقرار، فهي ادعاءات غير واقعية. الفكرة التي سوَّقها نتنياهو هي أن النظام الإيراني الذي ينجو من الأزمة الحالية سيخرج أقوى وأكثر عدوانية، داخلياً وإقليمياً. ومن المرجح أن يتفاقم التهديد الذي يمثِّله، لا أن يتضاءل. لذا فإن كلفة الضربة اليوم أقل بكثير من كلفة الردع في المستقبل. كما أن إخضاع إيران للنفوذ الأمريكي سيجبر دول المنطقة على إنهاء سياسة "الموازنة" التي تتبعها دول المنطقة بين واشنطن وبكين والعودة الكاملة للمظلة الأمريكية.

    أدرك ترامب أن "النصر المطلق" في بيئة دولية متعددة الأقطاب هو مفهوم يفتقر للواقعية. فالبيانات الإحصائية والميدانية فرضت حقيقة مفادها أن الاستمرار في التصعيد العسكري يهدد ليس فقط تدفقات الطاقة العالمية، بل والمكانة المركزية للدولار في الاقتصاد السياسي الدولي. لجوء ترامب للتفاوض مع إيران في نهاية المطاف هو "استراتيجية لاحتواء التكاليف". كما أن محاولته غسل يديه من احتمالات الفشل التاريخي تعكس الهوة بين "الخطاب التعبوي" وبين "الحقائق الصلبة" للجغرافيا السياسية التي لا تحابي المغامرين.

    عسكرياً، يمكن لمنصات إطلاق الصواريخ المتبقية في ترسانة إيران، والتي يتراوح عددها بين 100 و200 منصة بعد تدمير عدد مماثل في حرب حزيران/ يونيو 2025، وفقاً للاستخبارات الاسرائيلية والأمريكية، أن تُلحق أضراراً جسيمة، ولكن فقط إذا ركزت جهودها. من المعروف أن إيران هددت باستهداف جميع القواعد الأمريكية ومنشآت الحلفاء في المنطقة، ومن ثم إذا وزعت هجماتها الصاروخية بما يتماشى مع هذه التهديدات، فمن المرجح أن تكون جهود الدفاع الصاروخي الفردية للدول المستهدفة أكثر فعالية. وهنا تبرز إسرائيل كـ"الشريك الوحيد" المستعد لتحمل العبء الأكبر من رد الفعل الإيراني المركّز.

    • البعد الاستراتيجي الأبعد (حرب الطاقة والصين)

    لقد سُوِّق لترامب، أو ربما يرى هو نفسه، أنه لا ينبغي تقييم الضربة العسكرية ضد إيران كحدث معزول، بل كجزء من الاستعداد لاحتمال نشوب حرب محتملة، وربما وشيكة، مع الصين. إن جوهر المعضلة يكمن في البعد الاقتصادي، فإدارة ترامب ترى أن التهديد الصيني على سلاسل التوريد والمعادن النادرة أكبر من تهديدها لتايوان. ومن هنا، تصبح الحرب على إيران جزءاً من "تأمين الجناح الغربي". وفقاً لهذه الاستراتيجية، ستواجه الولايات المتحدة صعوبة في خوض حرب في بحر الصين الجنوبي، بينما تترك إيران مُعززة، مُعاد تسليحها، ومتعطشة للانتقام على جناحها في الخليج العربي. كما أن إيران في هذه الحالة ستضمن تدفقاً ثابتاً للنفط، وهو أمر بالغ الأهمية لإنتاج الصين الحربي ومجهودها الحربي بشكل عام. ومن ثمة، إذا تم استبدال نظام إيران أو إخضاعه فعلياً من خلال تدمير قدراته الدفاعية - تُؤمِّن الولايات المتحدة جناحاً آمناً في الشرق الأوسط، وتحرم الصين من أمن الطاقة الذي تحتاجه بشدة في السلم والحرب.

    خلاصة القول، تتحدد المصلحة الأمريكية هنا في محورين. الأول يتمثل في أمن الطاقة الاستباقي، حيث إن تدمير القدرات الإيرانية يعني حرمان بكين من شريان النفط الحيوي لآلتها الحربية في أي صراع مستقبلي في بحر الصين الجنوبي. والثاني هو تأمين الجناح الغربي، إذ لا يمكن لواشنطن خوض مواجهة مع الصين بينما تترك خلف ظهرها إيران معزَّزة ومستعدة للانتقام في الخليج العربي.

    • ردع محور الصين-روسيا-إيران ومنع الحرب العالمية

    لقد سُوِّق لترامب أن تحطيم القوة العسكرية الإيرانية سيبعث برسالة ردع حاسمة لموسكو، التي تتطلع لتوسيع عملياتها في أوروبا والبلطيق. إن تدمير المنظومات الدفاعية التي تراهن عليها طهران وموسكو سيثبط الطموحات التوسعية الروسية ويؤكد التفوق النوعي للولايات المتحدة. إن من شأن إضعاف إيران أن يكسر حلقة الوصل في محور الصين-روسيا-إيران، مما يؤمن إمدادات الطاقة العالمية، وأن يُحدّ من توتر هذا المحور، ويُؤمّن ديناميكيات الطاقة، ويُعزز موقف أمريكا تحسباً لأي صراع مُحتمل مع الصين، ويُقلل من خطر اندلاع حرب عالمية أوسع نطاقاً على المدى البعيد.

    نهاية المطاف

    في نهاية المطاف، يبدو أن ترامب وقع تحت تأثير "المنطق العملي" الذي ساقه نتنياهو، والذي يصوِّر الحرب كـ"جراحة ضرورية" لتجنب حرب عالمية ثالثة وأن إضعاف المحور (الصيني-الروسي-الإيراني) عبر بوابة طهران، هو المسار العقلاني الوحيد لمنع انزلاق العالم نحو حرب عالمية ثالثة مدمِّرة، أو لضمان خوضها - إذا فُرضت - من موقع القوة المطلقة. لكن محاولات ترامب المستميتة لإشراك بلينكن والرؤساء السابقين في "وزر" هذا القرار تكشف عن إدراكه المتأخر بأن هذه الحرب قد لا تكون "خاطفة" أو "محدودة" كما وُعد.

    خلاصة القول، ووفق الرؤية الاسرائيلية، تتحدد المصلحة الأمريكية هنا في محورين: الأول يتمثل في أمن الطاقة الاستباقي، حيث إن تدمير القدرات الإيرانية يعني حرمان بكين من شريان النفط الحيوي لآلتها الحربية، في أي صراع مستقبلي في بحر الصين الجنوبي. والثاني هو تأمين الجناح الغربي، إذ لا يمكن لواشنطن خوض مواجهة مع الصين بينما تترك خلف ظهرها إيران معزَّزة ومستعدة للانتقام في الخليج العربي.  

    لقد باع نتنياهو لترامب حرباً لتأمين "العظمة الأمريكية"، لكن ترامب يكتشف الآن أن كلفة هذه العظمة قد تكون الانزلاق في استنزاف طويل الأمد، مما يفسر لجوءه للأكاذيب لتوزيع المسؤولية التاريخية على الجميع، في محاولة لغسل يديه من قرار قد يغيِّر وجه النظام العالمي، ولكن ليس بالضرورة لصالح أمريكا.

    أدرك ترامب أن "النصر المطلق" في بيئة دولية متعددة الأقطاب هو مفهوم يفتقر للواقعية. فالبيانات الإحصائية والميدانية فرضت حقيقة مفادها أن الاستمرار في التصعيد العسكري يهدد ليس فقط تدفقات الطاقة العالمية، بل والمكانة المركزية للدولار في الاقتصاد السياسي الدولي. لجوء ترامب للتفاوض مع إيران في نهاية المطاف هو "استراتيجية لاحتواء التكاليف". كما أن محاولته غسل يديه من احتمالات الفشل التاريخي تعكس الهوة بين "الخطاب التعبوي" وبين "الحقائق الصلبة" للجغرافيا السياسية التي لا تحابي المغامِرين.

    مقالات من العالم

    للكاتب/ة