بينالي البندقية: إضرابٌ للتاريخ.. ولا عودة لل"طبيعية" بدون فلسطين

لا "أسد ذهبي" هذه المرة! أثارت مشاركة كيان الإبادة الإسرائيلي في بينالي البندقية هذا العام موجات عارمة من الغضب والاحتجاج، غيَّرت شكل البينالي بشكل جذري، فشهد أول إضراب موسَّع يشهده منذ عام 1968، واستقالت احتجاجاً لجنة التحكيم، بكامل أعضائها.
2026-05-14

شارك
"لا لغسل الإبادة بالفنّ"، الشعار الذي رفعته تظاهرة لتحالف "الفن، لا الإبادة" (ANGA) في منطقة الأرسينالي يوم 6 أيار/ مايو، خلال أسبوع افتتاح الدورة الحادية والستين لبينالي البندقية. (الصورة عن ANGA).
إعداد وتحرير: صباح جلّول

افتُتحت الدورة الحادية والستين من بينالي البندقية الدولي للفنون للعموم يوم السبت الماضي في 9 أيار/مايو. لكنّ بينالي هذا العام ليس كما كلّ عام، فأروقة وصالات معارض البندقية تضجّ هذه المرة همساً وهتافاً بكثير من الاحتجاج والرفض. تلهج ألسن كثيرة باسمِ "غزّة"، وترتفع في الشوارع المحيطة كلمات على يافطات وملصقات، تتّهم ما يُصنّف "أهم تجمّع لمعارض الفنون في العالم" بممارسة "الغسيل الفنّي". فماذا حصل ويحصل في بينالي البندقية؟

حركة احتجاج واستقالات غير مسبوقة

أثارت مشاركة كيان الإبادة الإسرائيلي في بينالي البندقية هذا العام موجات عارمة من الغضب والاحتجاج، غيَّرت شكل البينالي بشكل جذري، فشهد أول إضراب موسّع منذ عام 1968.

انطلقت في الأيام الأولى من الأسبوع الافتتاحي مظاهرات جمعت أكثر من ألفي متظاهر في شوارع البندقية، استجابوا لدعوات من نقابات وتجمعات مدنية متنوعة. رفعوا الأعلام الفلسطينية وشعار "لا للغسيل الفني".

يوم الجمعة في 8 أيار/ مايو الحالي، أضرب عاملون في القطاع الثقافي في البندقية لمدة 24 ساعة تضامناً مع فلسطين، بشعارات "لا للتطبيع الفني والثقافي مع الإبادة"، لافتين النظر أيضاً الى هشاشة ظروف العمل للعاملين في تحضير بينالي البندقية، ومطالِبين بظروف عمل عادلة.

وبدعوةٍ من تحالف "الفنّ، لا الإبادة" (Art, Not Genocide Alliance – ANGA)، اعتصم فنانون وعمال في القطاع الثقافي والفني، وتمكنوا من إغلاق 27 من أصل الأجنحة الـ99 للبينالي هذا العالم، منها أجنحة مصر وفرنسا والنمسا ولبنان وإسبانيا واليابان.

بدأ تحرّك التحالف قبل شهور، بالتحديد في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، عقب تأكيد إدراج إسرائيل ضمن فعاليات دورة العام الحالي. وجّه التحالف رسالة مفتوحة[1] للمشاركِين والعامِلين في بينالي البندقية، وذلك استجابةً "لمناشدة أطلقها المجتمع المدني الفلسطيني للتصدي لمساعي تطبيع نظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيليين داخل المنصات الثقافية الدولية"، حسب موقع التحالف. في هذا السياق، يقول تحالف "الفن، لا الإبادة" إنه "لا يمكن لبينالي البندقية أن يكون بمنأى عن التفحّص والمساءلة".

"نقف مع فلسطين لأنّ بتنا نعرف الآن أن دمار فلسطين هو دمار العالَم". يافطات أمام أجنحة المعارض في البندقية.

دعت الرسالة المفتوحة مدراء بينالي البندقية إلى استبعاد "إسرائيل" من معرض عام 2026. وقد وقّع على الرسالة 236 فناناً وقيّماً فنياً وعاملاً في المجال الفني ممن يشاركون في دورة البينالي لهذا العام، وسُلّمت الرسالة رسمياً إلى رئيس ومجلس إدارة بينالي البندقية.

لم يقف الأمر عند هذا الحدّ. فعندما تأكدت مشاركة الكيان الإبادي، وتيقّن المحتجون من عدم استجابة البينالي لمطالب المقاطعة، قررت لجنة التحكيم عدم النظر في مشاركات الدول التي صدرت بحقها قرارات وملاحقات من المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم ضد الإنسانية، وعدم منحها جوائز "الأسد الذهبي"، بما يشمل روسيا وبالطبع "إسرائيل". ثمّ صعّدت لجنة التحكيم موقفها إلى أبعد من ذلك، لتعلن استقالتها بكامل أعضائها، في آخر شهر نيسان/ أبريل، أي قبل تسعة أيام فقط من افتتاح البينالي.

يجدر الذكر أن بينالي البندقية للفنون أعاد إدراج الجناح الروسي بعد أربع سنوات من استبعاده من المشاركة، مع العلم أنّ "إسرائيل" لم تُستبعد ولو لعامٍ واحد رغم ارتكابها إبادة موصوفة وبتعريف أعلى المراجع الحقوقية الدولية والإنسانية، لكن ذلك ديدن المؤسسات الثقافية الدولية الكبرى المدّعية للأخلاق: تقاطع من تسهُل مقاطعته في الغرب، وتقف أخلاقها عند حدود إسرائيل، وذلك نقاش يطول...

استقالة اللجنة فجّرت مفاجأة كبرى، ووضعت بينالي البندقية أمام تحدٍّ لم يعرف مثله، خاصة مع تداعي فنانين كثر للتضامن مع اللجنة، فقد رفض أكثر من 70 فنانة وفناناً ترشيحهم لأية جوائز في البينالي، طالماً لم تُستبعد دولة الإبادة. سارعت لجنة البينالي، ولاستدراك الموقف الذي يهدد كامل الفعالية، إلى إعلان قرارها ترك موضوع التصويت على الأعمال الفائزة للزائرين.

لكنّ الجناح الإسرائيلي ما زال هناك. عُلّقت حوله يافطات تسمّيه "جناح الإبادة"، ورُفعت حوله أعلام فلسطين. الردّ الإسرائيلي كان باتّهام اللجنة والمقاطِعين بالـ"عنصرية"، وعلى لسان النحات الإسرئيلي الذي يمثل "إسرائيل" في البينالي، جاءت اتهامات للّجنة بـ"خلق بيئة عدائية ومهينة لإسرائيل"، ليأتي ردّ عشرات الفنانين برفض الفصل بين الفنّ والسياسة، على اعتبار ذلك المسار يُعدّ تبييضاً لصفحة "إسرائيل" عبر الحدث الفني الكبير.

لا حياة "كالمعتاد" في ظل الإبادة..

"من واجب الفنان أن يكون صادقاً، وفي هذه الحالة بالتحديد، يتوجّب علينا أن نكون صادقين بشأن مَن نتقاسم معهم هذا الحيّز المكاني"، قال الفنان الجنوب أفريقي نولان أوزوالد دينيس في حديث لموقع "هيبر أليرجيك"[2]، واصفاً دولة الاحتلال بـ"الدولة التي ترتكب إبادة جماعية". وأضاف:"إذا كنتَ من جنوب أفريقيا، فأنت تدرك تماماً أنه ينبغي محاربة نظام الفصل العنصري، ولكن والأهم من ذلك، تدرك أنه ينبغي تفكيك وإزالة هذا النظام"، رابطاً بين النضال الفلسطيني والنضال الجنوب أفريقي ضد العنصرية.

جاءت تعليقات فنانين آخرين لتقول موقفاً واضحاً أمام همهمات فنانين يدّعون "عدم إيمانهم بالمقاطعة سبيلاً للاحتجاج"، على أساس أنّ التبادل الثقافي ممكن في ظلال إبادة القرن! بالنسبة للفنانة السلوفينية نيكا غرابار، "يعكس هذا الإضراب أزمة هيكلية عميقة تعصف بالبينالي". تقول: "نحن لا نسعى إلى هدم البينالي، بل إلى إنقاذه"، ولذلك لم تتردد مجموعتها الفنية، كاملة، في المشاركة في الإضراب والتضامن مع لجنة التحكيم.

في محيط بينالي البندقية للفنون يوم السادس من أيار/مايو 2026، متظاهر يرفع علم فلسطين ويلبس قميصاً كتب عليه اسم الرسام الفلسطيني فتحي غبن، الذي قتلته حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة بسبب حرمانه من الوصول إلى العلاج. (الصورة: غيتي).
احتجاجات على مشاركة اسرائيل في بينالي البندقية

في تصريح لمجلة "آرت نِت" الإلكترونية[3]، تصف غرابار الإضراب بأنه "أقل ما يمكن فعله"، مضيفة "إنّ البينالي لا يقتصر على إدارته فحسب. هو في المقام الأول الفنانون والمعماريون والقيمون الفنيون. ولنا نحن أيضاً كلمة حياله، إذ يتعيّن علينا الحفاظ على هذا الحدث كمساحة لا تشكل جزءاً من اقتصاد الإبادة الجماعية".

المطلوب إذاً ليس إلغاء الحدث الفني، إنما استبعاد ممثلي الإبادة، والمشاركة الواعية والمشتبِكة مع آلام البشر ومشاكل كوكبنا، لعلّ هذا البينالي يكون درساً أن لا دورات اعتيادية ممكنة عبر التخلي عن إخواننا الذين يتألمون. كما قالت إحدى اللافتات "لا غد من دون فلسطين" و"فلسطين هي عالَم الغد".

غزّة... القطبة الواضحة والمخفيّة

"– – – – – – – – – – -"

هو عنوان عملٍ فني فلسطيني مشارِك في بينالي البندقية. جدارية تُعرض منذ التاسع من أيار /مايو وحتى 22 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الحالي في قصر مورا بالبندقية. هو مشروع فني بتنسيق من متحف فلسطين في الولايات المتحدة، صنعته أيدي نساء فلسطينيات في فلسطين المحتلة ومخيمات اللاجئين في لبنان والأردن، قمنَ برواية أصعب أيام ولحظات الإبادة في غزة عبر 100 لوحة مطرّزة بالإبرة والخيط.

كان المتحف قد كلّف بداية فنانات من غزة للمشاركة بالتطريز، لكن مع اشتداد ظروف الإبادة عليهنّ وانقطاع التواصل مع معظمهن، ازداد ذلك صعوبة، فنابت عنهنّ سيدات فلسطينيات في فلسطين والشتات.

لوحات من الجدارية.

يقدّم متحف فلسطين في الولايات المتحدة هذه القطع ضمن فعاليات معرض "البنى الشخصية" الذي يُقام كل سنتين في المركز الثقافي الأوروبي، والذي يؤدّي دور "الجناح الفلسطيني" في ظلّ عدم وجود جناح فلسطيني رسمي في البينالي، إذ أنّ إيطاليا لا تعترف بعد بدولة فلسطين.

55 ألف غرزة صُنعت بها هذه الجدارية، وآلاف الغرزات التي لن تُطيِّب جراح غزة المفتوحة، لكن ترويها.

العنوان المفتوح دعوة للنظر والتفكير. لا كلام أمام تلك المشاهد.

_______________________

  1. https://anga.live/
  2. https://hyperallergic.com/hundreds-protest-israels-genocide-pavilion-at-venice-biennale/
  3. https://news.artnet.com/art-world/venice-biennale-strike-2771008

مقالات من العالم

"لن ينتهي هذا على خير": نان غولدين تخاطبنا

2026-04-23

"قررتُ استخدام هذا المعرض كمنصّة لتسليط الضوء على موقفي الرافض بشدة للإبادة الجماعية في غزة ولبنان. اعتبرتُ معرضي بمثابة اختبار. إذا سُمح لفنانة مثلي بالتعبير عن موقفها السياسي دون أن...