من غزة إلى ألمانيا: اختبار الإبادة عن بُعد و"مخاطر" النجاة

في هذا الواقع المشروخ إلى نصفين، في قلب أوروبا المتواطِئة على موتنا، كيف يختبر أبناء وبنات غزة الإبادة عن بُعد، نفسياً وعاطفياً؟
2026-04-30

صباح جلّول

كاتبة صحافية وباحثة في الانتربولوجيا البصرية من لبنان


شارك
غزة.. في ملصقات وصور من شوارع ألمانيّة.

أنجزت هذه القصة الصحافية المطولة ضمن أنشطة شبكة المواقع الاعلامية المستقلة حول العالم العربي، والتي تضم علاوة على "السفير العربي"، "أوريان 21"، "مدى مصر"، "حبر"، "ماشاالله نيوز"، "المغرب الناهض"، "نواة"، و"باب المد".

"أنا لا الريّ يرويني، وبي ظمأٌ، وما لي فَم".
الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين

توطئة

تحدث الحرب في الدواخل أيضاً. تفتح أفواه البنادق فجوات في أجسامنا ونفوسنا، تُقحم فيها باروداً وناراً، تملأ تلك الأنابيب الهشة المسمّاة أعصاباً بمادة القلق. تموجُ البلاد والوجوه، هنا، في الداخل، في الدماغ، في رعشة أصابعنا التي تكاد تكون غير منظورة، وعلى الوسائد إذ نحاول النوم…

هُنا، هُنا، في الدماغ، ساحة حرب لا تهدأ.

أكتب هذا النص في خضم جولة الحرب الإسرائيلية الثانية على لبنان خلال أقل من سنتين، وفي الظلال الطويلة لإبادةٍ مستمرةٍ في غزّة، لم نبدأ بعد باستيعاب مفاعيلها فينا. أكتب بصيغة المتكلم، لأن كلّ محاولة لخلق مسافة مع النص وموضوعه، وإنْ للحفاظ على صيغة أكثر رصانةً و"عِلميّةً"، تتبدّى لي نفاقاً موصوفاً في هذه اللحظة.

أكتب من بعيد، من بلاد هي جزءٌ من الماكينة الصمّاء التي تصنع هذا بأهلي في لبنان الآن، وبأهل أصدقاء أحبّهم في غزة، وأكره الموقع الإشكالي الذي أنا فيه، هذا الذي سمح لي أصلاً بالكتابة عن هذا الشأن بالذات: عن أن يكون الإنسان مضطراً إلى أن يشهد من بلادٍ بعيدة مقتلة أهله، وامّحاء شوارع بلدته، وضمور ذكرياته خلفَ غيمِ غبار الردم.

هل هو عقابٌ لا ينتهي على جرأة ترك البلاد يوماً ما؟ هل هو "امتيازنا" الحقير: أن لا تقع على رؤوسنا القذائف الآن، فيما هي على بعد شطحة صاروخ واحدة من كلّ من نحبّ؟

يتراكم القلق في الأعصاب، ويتكاثر في: "هل" و"لماذا" و"كيف"...

أكتب هذا النص للمرة الثانية.. أو الثالثة. ضاع مني مرّات على الطريق. مرّة محوته. مرّة أخّرته. مرّة ندمت على التعهّد به لأنه أجبرني على استعادة القهر من نفسي، ولملمته من نفوس رفاقي ومَن منحوني بسخاء حكاياتهم عن غربتهم أثناء إبادةٍ لم تنتهِ. ومرّة أضعته في جهاز "لابتوب" محمول، نسيت حقيبته على متن قطار ألماني لا يكترث بقصاصات حياتنا المحفوظة، إذ يشقّ العباب ويقطع الحقول مسرعاً إلى مكانٍ هو الآخر بعيدٌ عن أهلي، وعن صواريخ إسرائيل النازلة من السماء، قبة الجحيم.

أُلقي النظر من شباك القطار، فإذا بها حقول وبيوت ذات قرميد ومطر. يرتجف الهاتف المحمول في يدي، فإذا هي الحرب.

ألمانيا.. أو حيث يُقال إنّك تتوهم إبادتك

أسأل، في هذا الواقع المشروخ إلى نصفين، في قلب أوروبا المتواطئة على موتنا، كيف يختبر أبناء وبنات غزة الإبادة عن بُعد، نفسياً وعاطفياً؟ منهم مَن يعيش في ألمانيا منذ زمن بعيد، أو ممّن قدم إليها أثناء الحرب، والجواب يتعدّد بعدد كلّ أولئك الذين خاضوا هذا الاختبار الجهنّمي. لذلك، يتخفف سؤالي مِن ملاحقة الاستنتاج والنمط، ويترك المساحة للحكي، فالذين اختبروا هذا، كأهلهم في غزة، كأهلي في لبنان، ليسوا أرقاماً ولا أنماطاً، ولم يكن ممكناً فهم شيءٍ يسيرٍ من تجربتهم شديدة الخصوصية إلّا عبر الإنصات، فشكراً لهم…

تكلّمت مع رفاق فلسطينيين من غزّة عاشوا في ألمانيا سنوات طويلة قبل السابع من أكتوبر، ولحياتهم شكلٌ مستقر نوعاً ما فيها، كما تكلّمت مع أصدقاء من غزّة ممن تمكّنوا بطريقة أو بأخرى من القدوم إلى ألمانيا أثناء حرب الإبادة الإسرائيلية، إمّا عبر "لمّ الشمل"، أو ما سُمّي "الفيزا الإنسانية"، بعد الخروج عبر معبر رفح حينما كان مفتوحاً، وبالتالي احتكّوا للمرة الأولى بالمجتمع والنظام الألمانيين في فترة الإبادة.

قد يكون للأفراد من الفئة الأولى عملٌ وعائلة وشبكات علاقات في ألمانيا، وضعتها حرب الإبادة في موقع حساس. ربّما غيّرت شكلها أو أدّت (أو لم تؤدِّ) إلى قرارات قطيعة، مسبّبةً أذىً نفسيّاً مضافاً إلى الأذى الذي يتحمّله هؤلاء الأشخاص، إثر قلقهم المستمر على ذويهم في غزة. في كثير من الحالات، يجد هؤلاء الأفراد أنفسهم مسؤولين بشكلٍ مفاجئٍ وطارئٍ للغاية عن الاحتياجات المادية والمعنوية أيضاً لعائلاتهم وأصدقائهم في غزة.

أمّا القادمون حديثاً، فقد يختبرون مشاعر عميقة بالذنب، ما يُسمّى "ذنب الناجي"، بعد أن غادروا وبقي أهلهم وأحباؤهم في غزة. مرّة بعد مرّة، يعبّرون عن شعورٍ قاهرٍ مشتركٍ، بكلمات من قبيل: "ليتنا لم نخرج أبداً"، على الرغم من ضرورة خروجهم في حينه. إضافةً إلى ذلك، يحمل الذين شهدوا شيئاً من مصاعب النزوح والجوع والعطش والخطر، ذنباً عميقاً في كلّ مرّة يتسنّى لهم الطعام أو أسباب الراحة فيما الحرب مستمرّة. يُضاف إلى ذلك شعور بالوحدة، وصدمةٌ من "برودة" في المجتمع الألماني وألمانيا الرسمية تجاه معاناتهم، ما ينزع منهم الأمان الذي أتوا بحثاً عنه.

تجدر الإشارة إلى أن مَن أتوا إلى ألمانيا حديثاً قلّة قليلة. في شهر آذار/ مارس من عام 2024، دخل 147 شخصاً من غزة إلى ألمانيا عبر مصر "لأسباب إنسانية طارئة". طلب ممثلون عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) حينها تأكيداً "بخلوّ الأشخاص الـ147 من الميول المعادية للسامية". يبحث القادم من غزة عن ملاذ، فيجد التهمة جاهزة.

بحسب تقرير لموقع "مدى مصر"[1]، دخل مئات الفلسطينيين من غزة إلى فرنسا وألمانيا خلال الأشهر الأولى من عام 2025 بموجب برنامج "لمّ الشمل". وفق مسؤولين مصريين، وصل عدد الفلسطينيين الذين تمّ قبول دخولهم إلى ألمانيا في النصف الأول من 2025 إلى حوالي 500. في المحصّلة، لا يتجاوز عدد من قدموا خلال الحرب بضع مئات فقط[2].

مشهدان من شارع برليني، وفي أحد مطاعم شارع زونينالليه، المعروف شعبياً باسم "شارع العرب".

قد تتقاطع تجربة المهاجرين من غزة إلى ألمانيا مع تغريبة الغزّيين في بلدان أخرى، عربية أو أوروبية أو غير ذلك، لكن هناك ما يطبع تجربة العيش في ألمانيا بشكل خاص، حيث المؤسسات الرسمية وجزء من المجتمع في حال تأهب دائم لدعم دولة الاحتلال، بوصفها "ضحيّتهم السابقة" و"الدائمة". هذا الوضع المختلّ، وأزمات ألمانيا مع نفسها، يضعان الغزّيين على الأخص في موقع خصومة ضمنية مع مكوّنات البلد الذي يعيشون فيه، ويضع هويتهم موضع مساءلة دائمة، على الرغم من أنّهم هم "ضحايا" هذه الإبادة.

هذا النص محاولةٌ لفهم كيف تعامل بعض أبناء وبنات غزة المقيمين في ألمانيا مع هذه الأسئلة والاشتباكات، وكيف تفاعلوا نفسياً وعاطفياً مع البُعد، ومع خصوصية الحالة الألمانية سياسياً واجتماعياً؟ يهتمّ هذا النص بشكل خاص بإفراد مساحة للحكي، لإتاحة متسع لمشاركة تجاربهم من دون ضغط أو رقابة[3].

سماح: "ما مِن شيء يُعزّيني"

قبل لقائنا أنا وسماح بقليل، اكتشفت أن موعدنا يصادف يومَ عيد ميلادها. أرسلت إليها، أقترح تأجيل الحديث لتفادي التنكيد عليها بمواضيع ثقيلة على القلب في هذا اليوم بالذات، لكنّها أصرّت على المضي قدماً، مُقلّلةً من أهمية الأمر. "بتيجي أوقات بتكوني حاسّة كتير، وأوقات بتكوني مش حاسّة"، تقول لي، "وهذه الأيام لست أحسّ بشيء".

أنا وسماح وجدنا بعضنا بعضاً على تطبيق "إنستغرام"، قبل قدومها إلى ألمانيا حيث أعيش، ثمّ التقينا للمرة الأولى في برلين، وكانت حرب الإبادة في غزة في ذروتها. أنتبه كيف أنّ الإبادة صارت محطّة تأريخية نستعملها لفهم الإطار الزمني والسياقي لشؤون حياتنا، متفوِّقة على محطات حياتنا المهمة الاعتيادية: سفر، زواج، تخرّج.. أو عيد ميلاد.

تسكن سماح وزوجها في بلدة صغيرة غرب ألمانيا. مكانٌ هادئ لا يحدث فيه شيء، يثير فيها الضجر ويجبرها على العزلة. آخر مرة احتفلت بعيد ميلادها "في الدّار" في غزة كانت منذ حوالي خمسِ سنين، قبل سفرها لتنهي دراسة الماجستير في إحدى دول الخليج العربية. لم يسعفها الوقت بعدها للعودة، إذ كانت الحرب قد بدأت.

"شو صار بأجسامنا وأجسام أهالينا، عنجد؟"، تقول سماح، "سنتين، كل يوم أجسامنا متأهّبة وخائفة وقلقة، تسأل من مات ومن نجا. ليس شيئاً يُفترض بالعقل التعامل معه".

في ربيع عام 2023، تخرّجت سماح من الجامعة، وعملت في إحدى المدن الخليجية، وخطّطت للعودة إلى غزة، وللزواج، ثمّ السفر مع زوجها إلى ألمانيا حيث يدرس ويعمل. في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بدأت حرب الإبادة، فبقيت سماح حيث هي.

"كان يجب أن أبقى. كنت وسيلة الدعم الوحيدة لأهلي خارج غزة. هم خسروا كلّ شيء". أمّا بالنسبة إلى زواجها، فقد قرّرَت أن الموضوع مستحيل أثناء الإبادة، وأنّ عليهما الانتظار. "بسّ الإبادة طوّلت…"، تقول.

هكذا، تزوّجت سماح بعيداً عن الأهل اضطراراً، عبر عقد زواج عابر للحدود. هي في المدينة العربية حيث تعمل، وزوجها في ألمانيا، أهلها في شمال غزة، وأهل زوجها في جنوب القطاع، السبل مقطوعة بين الجميع، والإبادة مشتعلة ناراً في القلوب. "كان زواجنا بطريقة كتير غريبة، أنا وزوجي وكّلنا أبي وأخي عنّا، كلّمنا أهالينا وكُتب كتابنا. ثمّ بإجراءات معقدة أرسلنا الورق إلى رام الله، وقدمنا ملفاً للمّ الشمل في ألمانيا. كان زواجنا إجرائياً جداً".

أواخر عام 2024، وقبل أسابيع قليلة من حصولها على الفيزا وسفرها إلى ألمانيا، استشهد أخ سماح في غزة. ما بعد هذا الحدث لا يشبه ما قبله، فالفقد ظِلٌّ لكل الأيام. هي تعلم جيّداً أن عزاءها مؤجّل حتّى لقاء حضن العائلة.

"في الآخر، لم أعد أريد شيئاً سوى السفر إلى زوجي"، تقول سماح. وفي أوّل عام 2025، وصلَت إلى ألمانيا.

أحاول أن أعرف منها كيف صمدَت يوماً بعد يومٍ في برد هذه البلاد. أسألها: "هل رغبتِ في الانعزال، أو سعيت إلى الانخراط في نشاط اجتماعي؟".

تجيب: "تقصّدتُ البحث عن المظاهرات المتضامنة مع غزة. بما أنني أعيش في بلدة صغيرة لا تشهد تحركات، كنت أقصد مدينة قريبة تنظم فعاليات ومظاهرات. في الدولة العربية حيث كنت أعيش، كنّا ممنوعين حتى من القيام بوقفات تضامنية".

"عندما أذهبُ للمشاركة، أفكّر في أنّه من الجيّد أن أحداً لا يزال يذكرُنا.. لكن بكلّ صراحة، لم أكن أشعر بشيء. أقول لنفسي: إنّني أفعل هذا من أجل أولادي في المستقبل، إذا عاشوا هنا.. لكنّني فعلياً لم أكن أشعر بأيّ معنى. أهلي هناك يموتون، فما معنى ما أفعله؟".

"صرتُ أكره أن يسألني أحدهم "من أين أنتِ"؟ في البداية كنت أكره هذا السؤال من الألمان. أخاف من ردّة فعلهم عندما أقول فلسطين. الآن أكره أن يسألني عرب وألمان. أشعر أن الجميع "علّبنا"، فصارت غزة عندهم شيئاً محدداً. كرهت نظرة الشفقة في عيون الناس.. كما أنّني صرتُ أتفادى الصدامات. هناك أستاذ في المستوى التالي من صف اللغة الألمانية، فهمت أن لديه أفكاراً عنصرية، فلم أذهب إلى الصفّ، قلتُ سأتعلّم لوحدي. لم يكن التفادي شخصيتي من قبل، لكن الآن أفضّل ذلك، لأنّني مضطرّةٌ إلى البقاء هنا، ولا أريد الدخول في مشاكل مع أحد".

تقول سماح إن شعورَي العجز والذنب لازماها، لكنّها استمرت في البحث عن المظاهرات. أسألها، لماذا؟ فتقول لي إنّها كانت تجد الألفة في المظاهرة، ودائماً ما ينتهي بها المطاف إلى تبادل أطراف الحديث مع مشاركين هناك: "تعرفت مرة إلى شاب من غزة في المظاهرة، وحكى لي أن أخاه استشهد أثناء تأمينه المساعدات، فقلت له إنو أخوي كمان استشهد بتأمين المساعدات! يعني هاد ما بيعطيني عزاء لأي شيء بصراحة، بس كنت أحسّ إنو عالأقل هَيني حكيت مع شخص يفهم بماذا أمرّ، فاهمة؟".

سؤال سماح عن المعنى خلف الأشياء يتكرّر: "حتّى وقت الهدنة، كنت تعبانة، وأحسّ إنو عالفاضي". بناءً عليه، قرّرَت سماح إعطاء فرصة لدواء الاكتئاب، رغم كراهيتها للاعتماد على الأدوية. "أنا أفضّل تحمّل الألم على ابتلاع الأدوية، لكن هذه المرّة، وبعد نصائح صديقاتي والحديث مع طبيبتي النفسية، قرّرت أخذ الدواء".

شكّلت مسألة اللّغة عائقاً أساسياً أمام إيجاد سماح لطبيب مناسب في المنطقة التي تقطنها. تقول إنّها حتّى لو حسّنت ألمانيتها، فهي تريد إيجاد طبيب عربي لاعتباراتٍ عدة، كأن لا تضطر إلى شرح سياقات بديهية أو الخوف من نظرتهم وفهمهم للإبادة الحالية. لذلك، تابعت سماح جلساتها عن بُعد مع طبيبة ترتاح لها في مصر.

إلّا أنّ الشكّ نفسه في جدوى أية محاولة لانتشال الذات يعود ويطلّ برأسه كلّ حين. "بحسّ إنو عالفاضي. مع كلّ احترامي طبعاً للشغل المهم اللي بيعملوه المعالجين النفسيين.. أنا رحت قبل الإبادة وكانت مسائل ممكن ينشغل عليها، بس اللي صار الآن بيشعرني إنو عُمر الواحد ما رَح يطيب منّه. اللي صار كثير كبير، وما في شيء بيعزّيني".

تفكّر سماح بالخدر. جزءٌ من صراعها مع فكرة العلاج النفسي وأدوية الاكتئاب يتعلّق بمسألة السهو عن الألم. هي تعرف أنّها تتحسّن مؤقتاً عندما ينجح الدواء في تخدير مشاعرها، فتعود، كما تقول، قادرةً على أداء المهام اليومية في حياتها: "حتّى مقاطع الفيديو التي كانت تحرق قلبي صار ردّ فعلي عليها مختلفاً مع الدواء. أنا كنت بحاجة له، وهو ساعدني بالفعل، لكنّني لا أريد الاستمرار به لمدة طويلة، لأن حالة الخدر هذه.. لا أحبها بصراحة".

"لماذا تفعلين هذا بنفسك"، يقول لها أهلها في غزة، ويؤكّدون لها في كلّ فرصة أنّها فعلت ما بوسعها، وأنّهم مسرورون لأنّها في الخارج. تحكي لي أن الأمر خارج عن إرادتها، أنّها تشعر بذنب كبير تجاه إخوتها على وجه الخصوص. "طول الوقت أحسّ إنو أنا تركتهم، وهذا منذ سفري قبل الإبادة، منذ أن عشت في بلد تتوافر فيه الكهرباء والماء. هذه الأمور كانت تدفعني إلى البكاء. كان أمراً غريباً أن أنعم بها، وهم لا. أقول لهم "سامحوني"، فيقولون: "ليش هيك بتحكي؟ إنتِ شو ذنبك؟". ويقول أهلي: "عيشي حياتك". لكنني لم أكن معهم في نزوحهم الأخير، عندما كانوا يعتقدون أنّهم خلص، سيموتون. لم أكن معهم عندما استشهد أخي، أو في المجاعة[4]!"

"المجاعة! يا إلهي! إنّه أنا آكل وإخواتي لأ؟ كانت أصعب من الموت، أصعب من القصف. أهلي كانوا في الشمال، فانقطعوا حتّى عن الماء. كيف كنت أعيش مع هذا الشيء؟.. تعرفين، هم كانوا يقولون لي أنتِ عشتِ الإبادة معنا، لكنّني لم أعش شيئاً".

أقول لسماح ما تعرفه هي مسبقاً، إنّها عاشت عذاباً مختلفاً. لم يكن جوعاً أو خوفاً من صاروخ، إنّما نار قلق ناهِش على كلّ من تحبّ. هي تعرف ذلك جيداً، تُدافِع كلّ يومٍ تلك النار، لكن تفضّل لو كانت معهم - مع أهلها.

أحمد: فلسطيني-ألماني عاد من الإبادة

بين خُزاعة في غزة ومونستر في ألمانيا مسافات وعوالم بأكملها، قطعها أحمد منذ عقود. وجد في المدينة الألمانية فرصةً لبدايةٍ جديدة، فدرس وتزوّج ورُزقَ بولدين وعمل في إحدى الجامعات المعروفة. تعرّفت إلى أحمد منذ سنوات كطالِبة، ومنذ ذلك الحين، حدث في أكثر من مناسبة أن سألني عن أوضاع انهيارنا الاقتصادي في لبنان، وأن سألته عن حال غزة وعن زياراته القليلة إليها منذ هِجرته منها.

بعيد السابع من أكتوبر 2023، حاولت الاتصال بأحمد للاطمئنان، لكنّ خطّه كان يرنّ بلا مُجيب. ثمّ بعد أسابيع، ظهر لي خبرٌ في موقع إلكتروني محلّي عن رجلٍ فلسطيني-ألماني وابنه الشاب، عادا من غزة بعد أسابيع من الإبادة. كان هو أحمد، مشاركاً بعض تفاصيل تجربته في مقطع فيديو. لذلك، كان من الطبيعي أن نبدأ حديثنا هذا من رحلته الأخيرة تلك إلى غزة، بلده التي انقطع عنها طويلاً، وتغيّرت عليه وتغيّر عليها، ثمّ عاد إليها قبل أيامٍ فقط من اندلاع الحرب. ما يلي شهادته عن تلك الأيام.

"أنا بصراحة ذهبت إلى غزة من أجل ابني. هو متعلّق بغزة أكتر مني، رغم أنّه لم يزرها للمرّة الأولى إلّا عام 2023، فهو عاش طوال حياته في ألمانيا. عندما صار في سن الثالثة والعشرين، كان في خضمّ بحثٍ عن هويته الذاتية، وفي صراعات بينه والمجتمع الألماني، أو بالأحرى مع ذاته في هذا المجتمع، فصراعه داخلي وليس خارجياً. أحبّ أن يتعرف إلى الأقارب واجتهد في تعلّم العربية. ذهبنا أنا وهو إلى غزة في نيسان/ أبريل 2023 لأقلّ من أسبوع، ثمّ عاد لوحده في عطلة الصيف، وأمضى خمسة أسابيع في غزة، كان فيها بغاية السرور. تأقلم بشكلٍ كبير، وشفته مفرفش وعنده أصحاب هناك، بشكلٍ أراه للمرة الأولى. لقد تعرف ابني إلى أقارب أنا شخصيّاً لا أعرفهم، فهناك جيل كامل وُلد ونشأ في غزة وأنا بعيد، كأولاد أبناء إخوتي مثلاً. تعرفين، نحن نشعر أحياناً أن المجتمع الألماني باردٌ نوعاً ما، والعلاقات لا تتطوّر فيه بسرعة، لأنّنا متعودون على حرارة الناس في بلادنا. تتعرفين إلى أحدهم وبعد نصف ساعة يصير "صاحبي"".

"بعد عطلته الصيفية تلك، عدت وإيّاه إلى غزة في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. قضينا أياماً حلوة جداً في الأيام الخمسة الأولى تلك، من 2 إلى 6 أكتوبر. كنت بالفعل مسروراً وقتها أكثر من أية زيارة سابقة، فقضينا وقتنا على شاطئ البحر ومع العائلة التي كانت منشغلة بالتحضير لعرس ابنة أختي المصادف يوم السابع من أكتوبر. نحن في غزة نحبّ الأفراح والانبساط، والفرح عندنا يمتدّ لأيامٍ قبل حفلة العرس".

"في تلك الزيارة، كنت مرتاحاً. كانت الأجواء تبدو هادئةً نسبياً، على عكس زيارة سابقة لي قبل 14 عاماً، حين كانت الأجواء مشحونة بين فتح وحماس، ثمّ أتت على غزة سنوات حدثت فيها خمسة حروب متلاحقة منهِكة".

"ثمّ كان صباح السابع من أكتوبر، صحونا أنا وابني على صوت الصواريخ تنطلق من غزة".

"أنا خفت خوفاً كبيراً. لم أرَ من قبل صواريخَ بهذه الكثافة. في الشارع، كان الناس يهلّلون ويكبّرون. بعد قليل، بدأت نظرات الناس تختلف، من الاحتفال إلى السؤال، الآن ماذا؟ صارت أمّي تنوح. تبكي بصوتٍ كالأنين. هي امرأةٌ كبيرةٌ في السن وتعرف إسرائيل وتاريخها جيداً. أوّل كلمة قالتها: "والله إلّا ينكبونا"، من "نكبة". قريتها الأصلية قريبةٌ من خزاعة، هجّرهم الاحتلال منها إلى خزاعة وأخذوا جزءاً كبيراً منها. أمّا خزاعة فهي من أولى القرى التي انهدمت بشكل كبير في حروب 2008 و2014، لأنّها من الخطوط الأولى مقابل الحدود، "فبيتشاطروا علينا"، ولذلك هي أيضاً أولى القرى التي ينزح الناس منها".

محاولات الخروج

لم يجب أحمد مباشرة على سؤالي عن تبدّل علاقته بألمانيا، وطنه البديل الذي يحمل جنسيته، في ظلّ حرب الإبادة على وطنه الأول، غزة، لكنّني أرى في وصفه للاختلاف بين تعلّقه وتعلّق ابنه بغزة، وفي سرده لأحداث تلك الأيام الأولى من زيارتهما ومشاعرهما أثناءها، جزءاً مهماً من الإجابة، يساعدنا في فهم موقعه في الشهور اللاحقة.

شهد أحمد على السابع من أكتوبر بنفسه، وعلى عكس الغالبية الساحقة من الغزيين، كانت لديه إمكانية الخروج. حاول الذهاب مع ابنه إلى معبر رفح، ففجّرت إسرائيل المعبر. حاول التواصل مع السفارة الألمانية، فكانوا، بحسب تعبيره: "غير مهيّئين لأيّ شيء"، ثم يلحَظ: "مع أن ألمانيا أرسلت طائرات عسكرية إلى قبرص لإجلاء الإسرائيليين الذين يريدون السفر، لا الألمان فقط، بل الإسرائيليين. سخّروا لهم خلال ساعات قليلة وسائل الهرب وأقاموا لهم معسكرات في قبرص وفتحت لهم الأجواء الخليجية… بعضهم هرب إلى الأردن أو مصر كأنّهم ذاهبون للسياحة"، قال أحمد، مضيفاً بشيءٍ من السخرية والمرارة، "يعني، العالم الحرّ بدأ يتحرّك لإنقاذ العالم الحرّ الآخَر".

يستدرك: "هلأ إحنا مفروض من العالم الحرّ، أو إبني عالأقل، لأن أمّه ألمانية. قلت لنفسي لأخرج ابني أوّلاً وبعدين منشوف. كان ردّ السفارة الألمانية الأوّل أنّهم غير مسؤولين عن الناس الذين في غزة، وزعموا أنّهم دائماً ما كانوا يصدرون تحذيراً لحاملي الجوازات الألمانية بعدم الدخول إلى غزة. هذا كان كذباً، فلم يكن هناك تحذيرات".

ككلّ الأهل في غزة، كان همّ أحمد الأساسي حماية ابنه، والسعي إلى إخراجه: "عندما أنظر إليه، أتضايق، لأنّ له أقارب مثله ويرافقهم أحياناً، كانوا على القهوة واستشهدوا. الفكرة كانت تزعجني جداً. كما كانت تجتاحني أفكار سوداوية، من قبيل أن يضيع مني، لأنّه لا يتكلم العربية جيداً. حتّى صرت أخاف أن يعتقد الناس أنّه أسير هارب. فأنا نفسي تهت في غزة من قبل لأنّ شوارعها تغيّرت عليّ كثيراً بعد أكثر من 30 سنة، فرآني شبان صغار في السنّ، بدأوا يحققون معي واعتدوا عليّ، إلى أن سمعني أحد المارة أقول اسم عائلتي فعرفني. "إنتَ اللي بألمانيا؟"، صرخ لي، وأتى يعانقني ويقبلني".

أقول لأحمد إنّ ما مرّ به مثير للاهتمام. فهو تواصل مع الألمان فلم ينجدوه على الفور، كأنّه "أقلّ ألمانيةً من غيره"، ونزح في غزة متخوّفاً من وضع ابنه الذي لا يحكي العربية بطلاقة، كأنّه "ليس غزّياً بما يكفي". "كأنّ هويتك المزدوجة هي أيضاً مشكلةٌ مزدوجة.. هل يصحّ وصفي هذا في حالتك؟"، أسأله.

لا يتبنى أحمد وصفي، بل يقول إنّه لا ينتظر من أيّ مجتمع أو دولة أن تعامله معاملة ابن البلد بالكامل. "يمكن أن يعاملوني معاملة "مكتسبي الجنسية"، لا بأس في ذلك". ويضيف بشيء من السخرية، "يطلّعوا الشقر الألمان بالأوّل، ليست مشكلتي أنّني أريد أن أكون ألمانياً بالكامل، لكن عندما يكون هناك شي كبير ووضع كارثي كهذا، يتوقّع المرء شيئاً يطمئنه".

"آلاف المدنيين قُتلوا في الأسابيع الأولى في بيوتهم، في الشوارع، عشوائياً. ذهبت لأشتري الخبز في أحد الأيام، وقصف المخبز. مات الناس أمام عيني وهم يحملون الخبز بيدهم. خبز مغمّس بالدم، حرفياً. بعدها بقليل، أتى مزيد من الناس يسألون عن الخبز. "الجوع عاطِل"..

مقالات ذات صلة

يقول أحمد، "في ألمانيا بالذات، عندما يكون الموضوع عن إسرائيل ينتهي الكلام"، يقول لي، مستعيداً ما كان يسود في الخطاب العام في أوروبا وألمانيا في ذلك الوقت: روايات الإعلام غير الموثّقة عن اغتصاب الإسرائيليات والأطفال الذين أُحرقوا في الأفران وعُلّقوا على حبال الغسيل. "محرقة جديدة باليهود"، كانوا يرددون.

رصاصةٌ مِن خارج غزة

يرفض أحمد إلقاء الملامة، ولا يضع نفسه موقع الضحية. هو واعٍ لامتياز أن يستطيع الخروج من الإبادة أصلاً. لكنه يتذكّر موقفاً هزّه من الداخل: "قاعد بتابع الأخبار لنشوف ألمانيا شو بتعمل، فبشوف وزيرة الخارجية الألمانية (أنالينا بيربوك، في ذلك الحين)، وهي من حزب الخضر، تكرّر كلام نتنياهو بتبرير قتل المدنيين إذا اختبأ خلفهم مقاتلون. كلام غريب جداً من هذه المرأة بالذات التي تدّعي أنّها تحارب من أجل العدالة والمساواة وحقوق المرأة. تقول ما كان يقوله وزير الحرب الإسرائيلي! من هداك اليوم وللآن، مش قادر أبلعها بصراحة. يعني أنا لا صابني صاروخ ولا شظية، لكنّ هذه كانت رصاصة في الصميم. أنا أعرف ألمانيا وعلاقتها بإسرائيل، لكنّ هذا الكلام.. صعب جداً. كأنّها أعطت لإسرائيل المبرّر: يللا، كمّلوا".

"بعدها بمدة، أوقف بايدن إرسال نوع معين من القذائف إلى إسرائيل، فما كان من ألمانيا إلّا أن استمرت بإرسال 4000 قنبلة إضافية منها. هذا زاد الطين بلة بالنسبة إليّ. ثمّ قال رئيس الوزراء الألماني إنّه سيجد طريقة للسماح لنتنياهو بالقدوم إلى ألمانيا على الرغم من حكم محكمة العدل الدولية ضدّه. ما الرسالة التي يوجهها هؤلاء إلى إسرائيل؟ الحصانة الكاملة؟ دول كفرنسا وإسبانيا وحتّى بريطانيا كانت تعترض، عمّت الاحتجاجات الشعبية العالم، وفي ألمانيا استمروا في قول أشياء كهذه. طيب، خلص، اسكتوا على الأقل! خطاب بيربوك وصلني في وقت أنا قاعد بحتمي بألمانيا في غزة. تفسير هذه الجملة كان أنّ هذا الرجل وابنه مبرَّرٌ قتلهم. للآن، لا أستطيع التخلص من انزعاجي من هذه الجملة"، يقول.

في نهاية المطاف، خرج أحمد من غزة، وتمكّن من إخراج والدته إلى مصر عبر رفح عندما كان المعبر مفتوحاً. لم توافق السفارة الألمانية على طلب سفرها إلى لتكون عند ابنها، والسبب؟ "لدينا شك في أنها بعد وصولها إلى ألمانيا لن تعود إلى غزة". غزة نفسها التي أسهمت الصواريخ المرسَلة من ألمانيا في هدّها على أهلها…

تفاوضٌ مع الذات..

بعد عودته من غزة إلى ألمانيا، صار أحمد يتردّد أكثر على مصر، خاصةً في الآونة الأخيرة، بحكم سكن والدته هناك منذ خروجها من القطاع. "أبحث عن وطن بديل"، يقول، ويعبّر عن تقديره في مصر وشعبها لجوئها إلى الفكاهة لمواجهة مصاعب الحياة. بالنسبة إليه، من الجميل أن المصريين "ما بيخلوا الهمّ يدخل لجوّا"، على عكس الشوام الذين يصفهم بالميّالين إلى الحزن. يحبّ أن المصريين يردّدون مثلاً قول: "اللي خلقها عارف لها، خليها على الله يا راجل".

تريحه مصر، ويهرب من يومياته الألمانية إليها، إلى "دفئها الاجتماعي" عند كلّ فرصة. يشعر أن الحياة في ألمانيا تتبدّل وربّما تتراجع، ومع الصعود اليميني بشكله الحالي، لم يعد مرتاحاً مع ما تعد به البلاد. "لهذه البلد تاريخٌ من تجريد الناس من حقوقهم وحياتهم، ولها ماضٍ لا يُنسى، مع اليهود وغيرهم، ولأكثر من مرة. تاريخ فيه عنف ضدّ البشرية. قرأت عنه ويا ليتني لم أقرأ".

أسأله عن علاقته مع زملاء العمل وأصدقائه الألمان، هل تبدّلت بعد حرب الإبادة؟ يقول فوراً إنّ أصدقاءه الألمان "ناس فهمانة"، متضامنون بشكلٍ صادق. كما أنّ الإدارة في مكان عمله أعطته فرصة للاستراحة بعد عودته من غزة، وأعطوه خيار العمل من المنزل كما يريد.

مع ذلك، يلحظ أحمد بوضوح تغييراً في علاقته مع البلد والمعيشة فيها بشكل عام. يحكي لي عن مواقف يظهر فيها تعبٌ شخصيٌ في العلاقة مع المكان بطرقٍ غير مباشرة، لكنّها حقيقيّة ودالّة.

"مع الوقت، صرت أتعب بالشتا. كنتُ من قبل أقود دراجتي وأتنقل بها، لا أحسّ بالمطر أو البرد، وأستمتع بذلك. هناك مثل ألماني يقول: "لا يوجد طقسٌ سيء، هناك فقط ثياب غير مناسبة"، وكنت أؤمن به وأطبقه. اليوم صباحاً، قدت دراجتي، وكأنّ الأمور تكمل بعضها… أقصد، نزل الثلج ناشفاً، بارداً وثقيلاً مزعجاً على وجهي. هذا هو الشتاء الأول لي هنا الذي أستاء منه. ربما ليس الشتاء، ربما أنا المستاء.. وهكذا مع أمور أخرى كنت أحبّها هنا، كعيد الميلاد واحتفالاته. كنت مسروراً هذا العام لعدم تمكّني من حضور حفلات العيد بسبب المرض. لم يعد يعنيني. حتّى الأعراس الفلسطينية والعربية التي كنت أحبّها، ما عادت تعني لي، ودوشة العالَم.. إذا بدّي، بدوّر موسيقي في بيتي وبرقص لوحدي".

أفكّر في ما قاله، وأذكّره أنّه في حديثٍ سابق قال إنّه تمنّى لو لم يتعرّف إلى جزء كبير من عائلته الممتدة أثناء وجوده في غزة خلال الإبادة ونزوح العائلة معاً في الحرب. "صحيح"، يجيبني، "لأن بتصيري بتعرفي لون عيونهم، بتعرفي نبرة صوتهم، وكيف بيفكروا. بس اتعرّف عليهم، بيصير الواحد يحمل همّهم، وهذا موجع أكثر"...

ثمّة جانبٌ آخر يلحظ أحمد فيه تغيّراً في ذاته. هو قارئ نهم، يحبّ اللغة الألمانية وتسعده القراءة بها، إلّا أنّه في الأسابيع والشهور الماضية، صار غير قادرٍ على قراءة صفحتين من دون أن يضيق صدره بها: "كأنّه حتى حكيهم، ثقافتهم، بطلت تمشي معي"، يقول. قام بشراء المزيد من الكتب بالألمانية، كي يجبر نفسه على القراءة. "أرى الكتب تتكدّس على الطاولة، فأشجّع نفسي على إنهاء ما لديّ، لكن من دون فائدة".

هل هي قطيعة مع ألمانيا؟ أسأله.

"إذا كانت كذلك، فهو أمرٌ مؤلم بالنسبة إليّ، أن أودّع هذا المكان والثقافة. الآن يربطني بالمكان أولادي بشكلٍ أساسي. إذا كانت قطيعة فهذا يؤثر عليّ نفسياً، لأنني أحببت هذه البلاد وقضيت فيها شبابي، في شوارعها، في جامعاتها، في الشغل، وقد منحتني نوعاً من الأمان المادي وفرصة في كلّ نواحي الحياة. لذلك، فليس سهلاً أن أذهب إلى القطيعة… خليني أوصفلك وضعي، أنا في لخبطة نوعاً ما".

هي عملية تفاوض مستمرة مع الذات بشأن موقعنا مِن هذه البلاد وفيها. "اللخبطة" حالنا جميعاً. سؤالنا المفتوح عن العلاقة مع الأشياء، في الظلّ المديد للإبادة.

محاوَلات صمود نفسي

أذكر حادثة بعينها، لعلّها كانت نقطة البداية لسؤالي عن سبُل التعامل مع الإبادة عن بُعد، فقد حضرت العام الماضي إحدى ورش العمل النفسية-الاجتماعية التي تنظّمها مؤسّسة تُعنى بالصحة النفسية للمهاجرين واللاجئين في برلين[5]. كانت الورشة مخصّصة للنساء، وكانت أم وسيم إحدى الحاضرات. هي سيدة قوية الحضور، مرحة، وذات آراء حاسمة من الصعب مناقشتها فيها، تضخّ حياةً في الجلسات، وفيها ما يشعرني بأنّها صديقة قديمة. وهي أيضاً من غزة، خرجت منها عبر رفح أثناء حرب الإبادة مع أولادها، وكلّ ما في ألمانيا جديد بالنسبة إليها. في تلك الورشة، استأذنَت أم وسيم للردّ على مكالمةٍ هاتفيةٍ من أحد أفراد عائلتها في غزة، وكانت الإبادة حينئذٍ مقرونة بالتجويع. عندما عادت إلينا أم وسيم، وكأنّما لتفادي عيوننا الفاحِصة، قالت بسرعة: "بيحكيلي ما في أكل. طيّب شو بقدر أعمل أنا؟ باكل عني وعنكم".

رمت أم وسيم مزحتها السوداوية التي استدعت من الحاضِرات ابتسامات مُرتبكة ومتعجّلة، ثمّ تكلّمت في مسائل أخرى، كأنّها حاولت جهدها تجنيب الجميع مسؤولية إبداء التعاطف (وربّما تجنيب نفسها النظرات المتأسّفة). كانت هذه طريقتها في التعامل مع أهوال ما يحدث في غزة، على الأقل في المرّات القليلة التي التقيتها فيها. تُعلّق بِحدّة، ثم تنتقل إلى الحديث عمّا يمكن لها فعله الآن وهنا، وتعارِك الجميع دفاعاً عن آرائها النهائية.

عدتُ إلى البيت يومها أفكر بأم وسيم وقدرتها على تسليح السوداوية والسخرية بشكل صادم ضدّ الهشاشة. أفكّر كيف يحمي البعيدون أنفسهم من الانهيار أمام يوميّات الإبادة بطرقٍ تكاد لا تُرى، وبكثير من الكرامة.

رسائل الحيطان: "تعيش غزة"، والشتيمة للاحتلال.. وغرافيتي حاول الصهاينة محوه في برلين، يقول "حاربوا التطبيع حتى التحرير الكامل".

تحدّثت مع سلمى، مرشدة نفسية-اجتماعية لبنانية مقيمة في برلين، وميسّرة الورشة التي حضرتها مع أم وسيم. تذكُر سلمى إحدى الجلسات الفردية في أولى فترات الإبادة، مع شاب من غزة مقيم في ألمانيا: "كانت زوجته وأولاده في غزة، وكان قبل الإبادة يحاول إحضارهم عبر لمّ الشمل. ولأنّه كان يشعر بأنّه مسؤولٌ عن الجميع ويجب أن يكون قويّاً ليعتني بهم، فقد كان صعباً عليه تخصيص وقتٍ لنفسه والحضور إلى الجلسة. قبل الحرب بقليل، أرسل إليه أولاده هدايا، وصلَت إليه أثناء الحرب. لم يرد استخدام أيّ من تلك الأغراض المفيدة التي وصلته. كانت طريقته في التعامل مع الموضوع وكأنّه جمّد الزمن، وضع الهدايا جانباً قائلاً لنفسه، عندما تنتهي الحرب ويأتون إليّ، سأستعملها. أراني الأغراض، وتصرّف على أساس أنّه طالما عاهد نفسه على أن ينتظرهم، فانتظاره يحميهم. سيأتون، وسيكونون بخير، لن يحدث لهم شيء، وأنا شاهدةٌ على هذا العقد المبرَم".

تذكّر سلمى أنّنا من مجتمعات لا يزال الدعم النفسي فيها مرتبطاً بالوصمة، لذا فاللجوء إليه يعني أنّ الضغوطات[6] لم تعد محتملة وصارت تؤثّر سلباً على الحياة اليومية: "يأتي الناس معظم الوقت بسبب عوارض محسوسة مثل النسيان، نوبات الهلع، الكوابيس، العزلة، بأثر ما تعرضوا إليه بفعل الإبادة أو بسبب ضغوطات ما بعد الهجرة[7]... غالباً، لا يأتون بأسئلة فلسفية مجرّدة، بل لأسباب ملموسة (...) ترتبط بوضعهم الهش".

حسب تجربة سلمى، يميل معظم المهاجرين واللاجئين، في خضمّ اليوميات الضاغطة، إلى التفكير العمَلي: التركيز على ما يساعدهم على الاستقرار ودعم عائلاتهم. أولويّات القادمين من غزّة بالذات ملحّة، لذا لا ينشغلون كثيراً بنظرة المجتمع الألماني المجرّدة، بل بأسئلة النجاة المباشرة: من عاش ومن مات؟ هل ستُقبل أوراقي؟ هل سأُرحَّل؟

أمّا من استقرّوا في ألمانيا منذ زمن، فتلفت سلمى إلى أنّ جزءاً ممّا يحدث معهم حالياً يمكن وصفه بـ"تعارُض القيم". فالقيم التي شجّعتهم على الهجرة، مثل الأمان المادي وتحقيق الذات والفرص العادلة، صارت موضع مساءلة متزايدة مع سياسة ألمانيا تجاه غزة أثناء الإبادة،[8]، كأنّ إيماناً ما قد فُقِد. "نوعٌ من خسارة البراءة"، تقول سلمى.

بين هذه الفئة مَن باتوا أقلّ ميلاً للمجاملة أيضاً: "من كان يتجنّب السياسة أو يتغاضى عن مواقف مزعجة في العمل، صار اليوم أكثر صراحة. بعد كلّ ما حدث في غزة، لم يعد هناك ما يخشى فقدانه".

تعيد المعالِجة النفسية-الاجتماعية الانتباه إلى غرفة الاستشارة كمساحةٍ لتفحّص العالم الداخلي للأشخاص الذين مرّوا بتجارب قاسية، من الإبادة وصولاً إلى الهجرة التي تليها وتعقيداتها، فعلى الرغم من الأسباب الكبرى خلف المعاناة، إلّا أنّ التعامل مع الضغوطات مسألة "تخضع لحساسيّات كلّ إنسان وتاريخه الشخصي والموارد المتاحة له: "نجد عشرة أشخاص تعرّضواً لضغوط متشابهة، ومن خلفيات اجتماعية-اقتصادية متقاربة، لكن كلاً منهم يتعامل معها نفسياً بطريقة مختلفة". التغاضي عن هذه الخصوصيات هو اختزال للمعاناة الحقيقية جداً، والتي لا يجوز إنكارها.

لا تُنكِر سلمى دور الأسباب الأساسية الهائلة للمعاناة، وهي أمور أكبر من قدرتنا على تغييرها في المدى المنظور. لكنّها توضح: "إن دوري كمعالِجة ليس التركيز على الأسباب الخارجة عن إرادتنا، بشكل يترك الشخص عالقاً ويسلبه أسباب القوّة. أسأل نفسي، ماذا بإمكاني أن أفعل على المستوى اليومي للأشخاص الذين أحبهم والأشخاص الذين يأتون إلى الجلسات؟ هنا نبحث عن الموارد المتاحة، داخليّة[9] كانت أم خارجية". بحسب خبرتها، التحسّن يأتي من الخطوات الصغيرة والمتكرّرة بانتظام.

تذكّرني مقاربتها بنصيحة طبيب الجراحة والترميم الفلسطيني غسان أبو ستة الدائمة: "لا تفكّر في حجم المشكلة، فكّر في ما تستطيع تقديمه بإمكاناتك، لأنّ ما نستطيع إنجازه في غاية الأهمية". أمام شيء كالحرب أو الإبادة أو النظُم العالمية القامِعة، من السهل أن يغمر الإنسان الشعور بالضآلة وقلّة الحيلة، ويشقّ التمسّك بالوكالة على النفس: القدرة على فعل شيءٍ مهما صغر.

خاتمة: تمزقات في الواقع

تتبدّل الفصول، تعرى الأشجار في الخارج ثمّ تكتسي خضرة، وتعيد الكرّة، ويستمرّ شكل الحياة الاعتيادي في قلب القارة الأوروبية. لا الإبادة توقّفت في غزة، ولا الحرب على لبنان. نحن هنا وهناك في الوقت نفسه، في برزخ يومي متأرجح بين عالَمين. في هذه الشوارع، حيث لا يلتقط الجسم أيّة إشارات تنبئه بخطرٍ داهمٍ يوشك أن ينهي حياته، تتأهّب الأعصاب لاستقبال الأخبار السيئة القادمة من بلادنا وتوقُّعها.

تمرّ صبيّة تلفّ على عنقها كوفية في شارع برليني. تضيء شاشة الهاتف المحمول، تحمل خبراً آخر يهمّ القلب من غزة، أو من لبنان. فجأةً، يزمجر كلبٌ في الشارع على كلبٍ آخر، بينما يضحك صاحباهما. على شاشة المحمول، تُحاول تبيُّن الزاوية التي قُصفت من حيّكم عبر فيديو يهتزّ طوال الوقت. أمرٌ ما يبدو خاطئاً في الصورة، وشيءٌ غير مفهوم يعتمل فيّ.

______________________

  1. "بدء «التهجير الطوعي» لمئات الفلسطينيين إلى فرنسا وألمانيا تحت إطار «لم الشمل»". منشور في مدى مصر في 24 نيسان/أبريل 2025.
  2. - بالنسبة لعموم ألمانيا، فهي تضمّ أكبر جالية فلسطينية في أوروبا، ويُقدر عدد أفرادها بما بين 100 ألف و200 ألف نسمة، وقد يكون العدد أكبر لأن بعض الفلسطينيين مسجلون بجنسيات أخرى أو في فئة "بلا جنسية" أو "غير محددي الجنسية"، حسب الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية. أكثر من 45 ألف فلسطيني منهم يعيشون في برلين.
  3. - جميع أسماء المشاركين والمذكورين في هذا التقرير معدّلة أو مقتصرة على الاسم الأول، حفاظاً على خصوصيتهم.
  4. التجويع الممنهج الذي مارسته دولة الإبادة والاحتلال الإسرائيلي على غزة عبر منع دخول شاحنات المواد الغذائية الضرورية إلى القطاع، وحرق نسبة كبيرة من الأراضي الزراعية والمطاحن ومعامل الأغذية، مما أفرغ الأسواق بشكل كبير من الخضار والفاكهة والمعلبات والحبوب وحتى الطحين.
  5. مؤسسة غير حكومية تقدم خدمات رعاية نفسية-اجتماعية مجانية للمهاجرين واللاجئين بلغاتٍ متعدّدة، منها اللغة العربية.
  6. Psychological stressors.
  7. Post-migration stressors.
  8. Value conflict.

  9. تعطي مثلاً عن أمّ وسيم، التي كانت تعمل مهندسة في غزة، وتفخر بعملها. عندما أتت أثناء الإبادة إلى ألمانيا، اضطرت للسكن في ملجأ، ولم تعد تستطيع العمل بخبرتها المهنية الأساسية. وضعت لنفسها هدفاً صار هو معنى استمرارها في المحاولة اليومية وعدم الركون إلى الإحباط: الخروج من الملجأ واستئجار شقة. عملت أم وسيم في لفّ ورق العنب وتحضير المأكولات بأسعار زهيدة، وتحمّلت استغلال صاحب العمل. وعلى الرغم من أنها "تصعب على حالها" أحياناً، إلا أنّ وجود معنى لأيامها وتعبها يحفّزها للاستمرار. هذا مثال عن مورد داخلي (internal resource) يساهم في صمودها النفسي.

مقالات من العالم

"لن ينتهي هذا على خير": نان غولدين تخاطبنا

2026-04-23

"قررتُ استخدام هذا المعرض كمنصّة لتسليط الضوء على موقفي الرافض بشدة للإبادة الجماعية في غزة ولبنان. اعتبرتُ معرضي بمثابة اختبار. إذا سُمح لفنانة مثلي بالتعبير عن موقفها السياسي دون أن...

"لن نناشد.. سنتصرّف"

2026-03-26

"إلبِيت سيستمز" ليست أية شركة. هي "عمود فقري" للصناعة العسكرية الإسرائيلية، تبيع ما تسميه منتجات "مجرّبة في المعركة"، أي "مجربة في قتل الفلسطينيين أولاً". يقع مقرها الرئيسي في حيفا، وهي...

للكاتب/ة

البحث عن فلسطين في "مونستر": عن تطوّر حركات التضامن مع فلسطين وقمعها في مدينةٍ ألمانية

صباح جلّول 2024-12-23

يهدف هذا النص، والـ"بودكاست" المصاحِب له، إلى دراسة مدينة "مونستر" في ولاية "شمال الراين – وستفاليا" كحالة ألمانية خاصة، حيث تطورت سريعاً العديد من مجموعات التضامن مع فلسطين، وفعّل الناشطون...

البحث عن فلسطين في "مونستر": عن تطوّر حركات التضامن مع فلسطين وقمعها في مدينةٍ ألمانية

صباح جلّول 2024-12-11

يتفق الناشطون على فكرة ضرورة إجراء تقييم مستمر لهذه الحركات، خاصة في ظل محدودية قدرتها عالمياً على تحقيق الضغط الكافي لإيقاف الإبادة، هدفها الأول من بين عدة أهداف أخرى طويلة...

كلّ ما يتحدّى اكتمال الإبادة..

صباح جلّول 2024-11-10

شبعت أعين العالم أكلاً في مأساة غزّة. لن تغيِّر صور الموت ما لم يغيّره الموت نفسه. لذلك، فهذه هنا صور لقلبٍ ما زال ينبض، لملمناها من صور شاركها الصحافي يوسف...