درَس سرمد سبع عشرة سنة، وتخرّجَ طبيباً في 2024، حاملاً على كتفه، بالإضافة إلى أحلام أهله في أن تعوضهم وظيفته عن سنوات الفقر والجوع، وأن يرفع رأسهم فخراً بين العشيرة والمجتمع، طموحه في أن يسهم ولو بأبسط تغيير ممكن في القطاع الصحي العراقي، أن يُدمج الذكاء الاصطناعي في الطب لتسهيل معالجة وتشخيص المرضى، وأن يستخدمه لتسهيل معاينة المراجِعين عن بُعد. لكنه كان يحلم بحديقة في وسط مزبلة، واصطدم بالواقع بعد تخرجه، ليجد نفسه مفلساً، عاطلاً عن العمل، ويمازحه أصحابه بمناداته: "دكتور الدومينة"، لأنه يقضي وقته كله في لعب الدومينو. تظاهر سرمد مع أقرانه من متخرجي الأقسام الطبية أمام وزارة الصحة العراقية، فتعاملوا معهم كما يتم التعامل مع كل مظاهرة يقيمها العراقيون للمطالبة بأبسط مقومات العيش منذ 2003، تمطرهم قوات "مكافحة الشغب" بالمياه الحارة والقنابل الدخانية المسيلة للدموع، والرصاص المطاطي، أو الحي! ولكنه تساءَلَ للحظة، كيف تتحول الحقوق إلى استجداء؟
ما الَّذي يدفع العراقيين إلى التظاهر؟
النصوص الدستورية المعنية بحقوق الإنسان، ما هي إلا كارثة في حق المواطنين، إذ إنها تحمي السلطة من تسميتها بالدكتاتورية، وتُقْصي المواطنين من حقوقهم، فإذا ما طالبوا بها، وجدوها مكتوبة ومنصوص عليها بالفعل، ولكن التقصير يكون بسبب "موظف"، ولا يُعاقَب "الرأس الكبير"، أو الرؤوس التي تليه.
مثال بسيط على ذلك: الكهرباء في العراق. تمر الكهرباء منذ 2003 بأزمة، وباعتماد العراق على الغاز المسال المستورد من الخارج، الذي لا يكفي في كل الأحوال، ويجعل البلد عرضة لضغوط خارجية بسبب هذه الكهرباء، التي "يجهِّزون" البلد بها، بل يمكن أن تصل الى قصف حقول الغاز المنتجة خوفاً من الاكتفاء الذاتي، كما حصل في حقل كورمور في السلمانية، الذي قُصِف في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.
في العراق مناشدة تتلو أخرى، بدءاً بالمهندسين والأطباء، وصولاً إلى الفلاحين والطلاب والتجار والعاطلين عن العمل وكل فئات المجتمع. ولا أحد يسمع.
ومثال آخر هو المياه، وهو سبب من بين عدة أسباب أخرى، تدفع العراقيين إلى التظاهر. يعترضون على الجفاف، وسوء عمل محطات تحلية المياه، أو غيابها، وهي غير الموجودة أصلاً في عدة مناطق، إضافة إلى التصحر والبيئة المهمَلة، وأسباب أخرى لا تنتهي.
الواقع الخدمي في العراق مصمَّم بطريقة تعود بالنفع على السياسي على الرغم من تقصيره، فترى مرشحاً إلى مجلس النواب، المعني بتشريع القوانين والمراقبة، ينصب محولة كهربائية أو يبلط شارعاً موحلاً، لم تكترث البلدية لوجوده خلال أكثر من عقدين من الزمن! أو مرشحة تصرخ و"تعارك" دفاعاً عن منطقة معينة، بهدف حث ساكنيها على التصويت لها، وتتقاتل مع الأشباح لصون حقوقهم، وهي معنية بحسب تصريحاتها بتلك المنطقة فقط، بتقديم الخدمات الخارجة أساساً عن مسؤوليتها كعضو في مجلس النواب العراقي، أو ترى سياسياً يوزِّع ملابس داخلية رجالية أو وجبات طعام أو أموال لحث الناخبين على اختياره. وفي نهاية اليوم، وإنْ تغيرت أسماء شاغلي تلك المناصب، الموزعة بحسب نظام المحاصصة الطائفي، فالنفع يعود على الأحزاب نفسها التي تمثل تلك الطوائف، أو "المكونات" كما تسمى رسمياً.
على الشعب، لحل أية مشكلة، التوجه ومناشدة "الكبار": رئيس الوزراء، أو المحافظ.. ومطالبتهم بالقيام بمهام ليست من مهامهم. فإن أنجزوها، فإنها تعود بالنفع عليهم، وتتحول إلى دعاية مجانية. في هذا الشهر، أيلول/ سبتمبر 2026 وحده، جرت مظاهرات في عدة مناطق في العراق، من الناصرية، إلى البصرة، وكربلاء، وكركوك. وفي بغداد، أمام وزارة المالية تظاهرت المجموعة الطبية المطالِبة بالتعيين، وفي الديوانية وقعت مظاهرات الفلاحين المطالِبين بصرف مستحقاتهم.
في الوقت نفسه، يقول محافظ الديوانية لفلاّح متظاهِر، أن "يحترم نفسه، فلا يقول عباس شعيل: قُل السيد المحافظ". فشعور السيد المحافظ بالاحترام أكثر أهمية من مطالب الفلاحين، والأسباب التي دفعتهم إلى التظاهر! وفي السياق المشابه، يقول محافظ البصرة، لمواطن: "تدري شسوينا؟ خلينا واحد مثلك يحجي ويانا!".
صولة الفجر، سرقة القرن، أو أي عنوان رنّان
يبرز سؤال لا مفر من الإجابة عليه: هل صار كشف كل رئيس وزراء جديد عن قضية فساد ضرورة لكسب ثقة الشعب؟ أو أن ما حصل مع رئيس الوزراء السابق والحالي، كان مجرد صدف متتابعة؟
يرى العراقي المبالغ الطائلة، التي عرضها رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، المسترَدة مما وصفها بـ"سرقة القرن"، مصفوفة بدقة إلى جانبه، وحُسِبَ الأمر كإنجاز له! إذ عرض ما يقارب من 182.7 مليار دينار عراقي (حوالي 125 مليون دولار) في مؤتمر صحافي، عقده في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، كجزء من مبالغ مستردَّة في قضية فساد واحدة، والمشتبَه الرئيس في ارتكابها حر طليق الآن خارج البلد. بدت أكوام الأوراق النقدية، التي قُدِّمَت كدليل على قوة الدولة، تأكيداً لا لبس فيه لفشلها. كما هي المبالغ المستردَّة في قضية وكيل وزارة النفط لشؤون الاستخراج، عدنان الجميلي، التي بلغت ملايين الدولارات، ومليارات الدنانير، وكيلوات من الذهب، وعشرات العقارات، والتي أطلق، علي الزيدي، رئيس الوزراء الحالي، اسم صولة الفجر عليها، وقدّمها كإجراءات بدأ في اتخاذها لمكافحة الفساد.
تمر الكهرباء منذ 2003 بأزمة، وباعتماد العراق على الغاز المسال المستورد من الخارج، الذي لا يكفي في كل الأحوال، ويجعل البلد عرضة لضغوط خارجية بسبب هذه الكهرباء، التي "يجهِّزون" البلد بها، بل يمكن أن تصل الى قصف حقول الغاز المنتِجة خوفاً من الاكتفاء الذاتي، كما حصل في حقل كورمور في السلمانية، الذي قُصِف في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.
ترى مرشحاً إلى مجلس النواب، ينصب محولة كهربائية أو يبلِّط شارعاً موحلاً، لم تكترث البلدية لوجوده خلال أكثر من عقدين من الزمن. أو ترى سياسياً يوزِّع ملابس داخلية رجالية أو وجبات طعام لحث الناخبين على اختياره. فإنْ تغيَّرت أسماء شاغلي تلك المناصب، الموزَّعة بحسب نظام المحاصصة الطائفي، فالنفع يعود على الأحزاب نفسها التي تمثِّل تلك الطوائف، أو "المكونات" كما تسمّى رسمياً.
هذا يعني أنّه لا نقص في الأموال، بل في طريقة التعامل معها، وإمكانية استرداد المنقول منها إلى الخارج ومكافحة الفساد. فيشرئب سؤالٌ كما لو أنه آتٍ من سراب في صيف البصرة: لماذا نضطر إلى النوم في نصف درجة حراراة الغليان، ويضطر أطفالنا إلى تعلم كيفية النجاة في المدارس من دون مكيفات، وكيفية السباحة في الطين شتاءً، وكيفية تحمل الجوع؟. ولماذا النظام مصمّم على تشجيع المواطنين على الدراسة، ثم لا يجدون فرصة للعمل، فيعمل المتخرج في كلية الإدارة والاقتصاد في بيع الشاي على قارعة الطريق، أو المتخرج في مجموعة طبية في أعمال البناء، ليصرف كلاهما على عائلته؟.
وكيف ستقوم محاولة مكافحة الفساد على أساس معاقبة أصغر الفاسدين، وفي حالات استثنائية، كاستفتاح رئيس وزراء لحقبته؟ بينما قال رئيس الوزراء العراقي الأسبق، حيدر العباد، إن فتح ملفات كبيرة، و"تطبيق مكافحة الفساد على الجميع، يعني انهيار العملية السياسية".
تنظيم الفساد في العراق
09-07-2026
أمام هذه الحقيقة، التي وإن هربنا منها باستحضار التاريخ وعظمة هذه الأرض، وما يليها من تعويض فشل الحاضر بمجد المستقبل، سنضطر إلى التريث يوماً، وتنفُّس هوائنا المشبع بالفساد. والطريقة الوحيدة لرفضه، عندما تصل آثاره إلى منازلنا ومصادر دخلنا وأبسط حقوقنا، هي التظاهر أمام مكاتب هؤلاء أنفسهم، ليفعلوا ما لم يفعلوه، إذ ننتظر منهم المستحيل.
جمهورية المناشدات
بدت "ثورة تشرين" التي أقامها الشباب العراقيون، في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ورددوا فيها شعاراً موحداً، "نريد وطن"، تعبيراً عن رفض كل الواقع، من هدر حقوق العراق النفطية، التي تُنقل أموال بيعها إلى أمريكا منذ عقود، إلى التأثير الإيراني، والدول الأخرى الكثيرة، إلى رفض معاملة العراقيين كطريق للوصول إلى كل ما حُرِم منه أصحاب السلطة، من نفوذ وقدرة على التأثير.
المبالغ المستردَّة في قضية وكيل وزارة النفط لشؤون الاستخراج، عدنان الجميلي، بلغت ملايين الدولارات، ومليارات الدنانير، وكيلوات من الذهب، وعشرات العقارات، وهي التي أطلق، علي الزيدي، رئيس الوزراء الحالي، اسم صولة الفجر عليها، وقدّمها كإجراءات بدأ في اتخاذها لمكافحة الفساد.
اعتقدوا أن قتل العشرات واختطاف العشرات واعتقال العشرات سيدفع العالم إلى نصرتهم، ولكنهم تناسوا أنَّهم عراقيون، وأن العالم الذي لم يقف إلى جانبهم بعد حرب الخليج الأولى وقصف ملاجئهم، واحتلال العراق في 2003، سيقرر الآن أن دمهم يهم. ومن غير المفاجئ، أن لا أحدَ تدخل، واستمر قمعهم، مما دفع كثيراً من الناشطين فيه إلى الهرب من البلد خوفاً من الملاحقة.
العراق: عجز "دولة الموظف"
02-07-2020
في العراق مناشدة تتلو أخرى، بدءاً بالمهندسين والأطباء، وصولاً إلى الفلاحين والطلاب والتجار والعاطلين عن العمل وكل فئات المجتمع. ولا أحد يسمع. كأن الدولة نفسها ستبدأ في المناشدة، كي لا تتدهور حالها أكثر.





