بعد خمسة عشر عاماً من انتفاضة الشعب الليبي ضد الحكم الفردي، تواجه البلاد خطر أن تحلّ محلّ الدكتاتورية المتركّزة على عائلة واحدة لا الديمقراطية، بل سلالات متنافسة، وشبكات محاسيب مسلَّحة، وطبقة سياسية اكتشفت أن "المرحلة الانتقالية" يمكن أن تدوم إلى الأبد. لم يتخلَّ الليبيون بالضرورة عن تطلعهم إلى الديمقراطية. ما يحدث هو شيء أشد خطورة: تعليمهم أن الديمقراطية لا أهمية لها.
فبعد خمسة عشر عاماً من الإطاحة بمعمر القذافي، لا تزال ليبيا عالقة في ما يُسمَّى، على نحو مهذّب، "مرحلةً انتقالية". الحكومات التي وُصِفت بالمؤقتة أصبحت دائمة، ويُوعَد بالانتخابات ثم تُؤجَّل، والمؤسسات التي انتهى تفويضها الديمقراطي منذ زمن طويل تواصل ممارسة السلطة. الجماعات المسلحة أصبحت جهات فاعلة في الدولة، وأفراد العائلات أصبحوا قادة، والمال العام يُسهِّل نظاماً إنجازه الرئيس هو الحفاظ على بقائه.
ويتجلى هذا العبث في "حكومة الوحدة الوطنية"، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي شُكِّلت كسلطة مؤقتة هدفها أن تأخذ البلاد إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية في كانون الأول/ ديسمبر 2021. لم تُجرَ تلك الانتخابات قط، لكنَّ الدبيبة لا يزال في السلطة في طرابلس عام 2026. وفي شرق ليبيا، توطدت أركان كيان سياسي أمني آخر حول خليفة حفتر وعائلته والقوات الخاضعة لسيطرتهم. تُغيّر الحكومات أسماءها، وتُعاد كتابة خرائط الطريق، وتُؤجَّل الانتخابات، لكن من يمارسون السلطة يبقون. لقد حوّلت ليبيا الحكومة المؤقتة إلى نظام دائم: الجميع مؤقتون، لكن أحداً لا يرحل.
وهم الاستقرار في ليبيا
27-08-2026
وبذلك، لا يعود تعطيل الانتخابات حادثاً مؤقتاً تفرضه خلافات دستورية أو أمنية، بل يتحول إلى وسيلة حكم قائمة بذاتها، تمنح كل طرف وقتاً إضافياً لتثبيت نفوذه، وتوسيع شبكاته، وإقناع الخارج بأن التعامل معه أقل كلفة من المجازفة بتغيير سياسي حقيقي في البلاد. وربما لا يكون هذا مصادفةً. فالانتخابات الحقيقية تنطوي على تهديد خطير للطبقة السياسية الليبية: احتمال الخسارة. وهي تعني أنّ من يسيطر اليوم على الوزارات، والميزانيات، والتشكيلات المسلحة، والعقود، وشبكات المحاسيب... قد يستيقظ غداً من دونها. كما تعني فتح السجلات، وتبدّل الولاءات، واحتمال أن تصبح السلطة التي تحمي أصحابها اليوم أداةً لمساءلتهم غداً. فلماذا يُبادِر المستفيدون من النظام القائم إلى بناء آلية قادرة على إزاحتهم؟
تواجه ليبيا خطر أن تحلّ محلّ الدكتاتورية المتركّزة على عائلة واحدة، لا الديمقراطية، بل سلالات متنافسة، وشبكات محاسيب مسلَّحة، وطبقة سياسية اكتشفت أن "المرحلة الانتقالية" يمكن أن تدوم إلى الأبد. لم يتخلَّ الليبيون بالضرورة عن تطلعهم إلى الديمقراطية. ما يحدث هو شيء أشد خطورة: تعليمهم أن الديمقراطية لا أهمية لها.
تصبح السياسة شأناً بعيداً تحتكره النخب، لا وسيلةً لتحسين الحياة أو محاسبة من يسيئون إدارة الدولة. وحين تبلغ السياسة هذه المرحلة، لا تعود السلطوية بحاجة إلى حماس، بل إلى إرهاق. عندئذٍ تأتي إحدى أقدم الصفقات في السياسة: هاتوا الطاعة وخذوا الاستقرار.
الدبيبة وحفتر ليسا حليفين، ولا يزال مركزا القوة الشرقي والغربي يتنافسان، لكن وراء هذا التنافس تقارباً في المصالح. الكيان الغربي يحتاج المال والحماية المسلحة والسيطرة على طرابلس، والكيان الشرقي يحتاج النَّفاذ إلى الإيرادات الوطنية والشرعية الدولية. تحتاج الميليشيات الى الرواتب والنفوذ، وشبكات الأعمال الى العقود، والسياسيون الى المناصب، والعائلات المحيطة بالرجال الأقوياء الى النَّفاذ إلى الثروة. وتريد الحكومات الأجنبية النفط، وضبط الهجرة، والتعاون في مكافحة الإرهاب، وقدراً من الاستقرار يحمي مصالحها. لا حاجة إلى اتفاق ائتلافي. يكفي أن يَخلُص الجميع إلى أنَّ استمرار النظام القائم أفضل من السماح للناخبين بإسقاطه. وهذا كفيل بخلق ائتلاف مصالح أكثر ديمومة من أي تحالف رسمي.
وتكمن المفارقة الأشد مرارة في نظام الأقارب والمحاسيب. لقد انتفض الليبيون عام 2011 ضد نظام لم تعد الدولة تنفصل فيه عن القذافي وأبنائه، والشبكات المحيطة بهم. لكن السلطة في شرق ليبيا تتركّز اليوم بصورة متزايدة لا حول حفتر فحسب، بل حول عائلته. فقد ارتقى ابنه صدام ليصبح نائب قائد القوات الشرقية، وراح يمثّل ذلك الكيان دولياً. وبدلاً من بناء مؤسسات قادرة على البقاء بعد حفتر، يُخاطر الشرق ببناء آلية لتداول السلطة تُديم حكم عائلته. أمّا الغرب، فقد طوّر ظاهرة مختلفة لكنها مقلقة بالمثل، عبر النفوذ السياسي والتجاري المتنامي للشبكات المتصلة بعائلة الدبيبة. وهكذا تُخاطر ليبيا بإكمال حلقة تاريخية عجيبة: أطاحت بدولة سلطوية متمحورة حول عائلة واحدة، لتُنشئ إقطاعيات سياسية وتجارية وعسكرية تتمحور حول عائلات متعددة. وهذه ليست استعادة لجماهيرية القذافي، بل قد تكون أسوأ في جانب واحد على الأقل: فالقذافي كان يقف على رأس دولة فردية واحدة، في حين تخاطر ليبيا الآن بظهور مراكز قوى فردية متعددة، تتنافس على موارد البلد ذاته.
في ليبيا، حكم العائلة لم ينته بسقوط القذافي
20-07-2022
ولا يُمكن فهم ذلك من دون النفط. تمتلك ليبيا ثروة نفطية هائلة يتقاسمها سكّان لا يتجاوزون بضعة ملايين، وكان من المفترض أن يوفّر هذا أساسًا لواحدة من أكثر دول أفريقيا ازدهارًا، لكنه يساعد بدلًا من ذلك في تمويل الخلل السياسي. فالحكومة التي تعتمد على الضرائب، مهما تكن بعيدة عن الكمال، يجب أن تُعنى بالمواطنين الذين تجمع منهم دخلها، أمّا ليبيا فتحصل على دخل هائل من بيع المحروقات في الخارج. فإذا سيطرتَ على المؤسسات التي تتدفق عبرها الموارد، أحكمتَ النفوذ على الميزانيات والرواتب والإعانات والعقود والتعيينات والمحاسيب. ولهذا، يُهدد السؤال السياسي المحوري بالكفّ عن كونه "كيف نبني دولة ليبية مزدهرة؟" ليصبح "من له النَّفاذ إلى الأموال التي تُدرّها الدولة؟". يجعل النفط الإمساك بالسلطة مربحاً للغاية، وحين يُموَّل البقاء السياسي بتوزيع عائداته، تصبح مساءلة المواطنين أقل إلحاحاً. هكذا تصبح أعظم نعمة اقتصادية لدى ليبيا نقمتها السياسية.
الدبيبة وحفتر ليسا حليفين، ولا يزال مركزا القوة الشرقي والغربي يتنافسان، لكن وراء هذا التنافس تقارباً في المصالح... وأما الحكومات الأجنبية فتحتاج الى النفط، وضبط الهجرة، والتعاون في مكافحة الإرهاب، وقدراً من الاستقرار يحمي مصالحها. لا حاجة إذاً إلى اتفاق ائتلافي، يكفي أن يَخلُص الجميع إلى أنَّ استمرار النظام القائم أفضل من السماح للناخبين بإسقاطه. وهذا كفيل بخلق ائتلاف مصالح أكثر ديمومة من أي تحالف رسمي.
تُخاطِر ليبيا بإكمال حلقة تاريخية عجيبة: أطاحت بدولة سلطوية متمحورة حول عائلة واحدة، لتُنشِئ إقطاعيات سياسية وتجارية وعسكرية تتمحور حول عائلات متعددة. ولا يُمكن فهم ذلك من دون النفط. تمتلك ليبيا ثروة نفطية هائلة، يتقاسمها سكّان لا يتجاوزون بضعة ملايين، وكان من المفترض أن يوفّر هذا أساساً لواحدة من أكثر دول أفريقيا ازدهاراً، لكنه يساعد بدلاً من ذلك في تمويل الخلل السياسي.
ويستحق المجتمع الدولي أيضاً تمحيصاً دقيقاً. فالحكومات الغربية تُواصل إعلان التزامها بالانتخابات، وتُواصل الأمم المتحدة وضع خرائط الطريق نحو مؤسسات منتخَبة وموحدة. وتبقى اللغة مُنمقةً، لكن الحكومات تَكشف أولوياتها بالسلوك لا بالبيانات. وكلما عوملت السلطات القائمة بوصفها شريكاً لا غنى عنه، من دون ربط التعاون بمساءلة حقيقية أو جدول انتخابي ملزِم، ازدادت قدرتها على تقديم بقائها باعتباره واقعاً دولياً مقبولاً. تُريد أوروبا من ليبيا أن تكبح الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط، وتسعى واشنطن إلى صوغ النظام الإقليمي لمصلحتها، والطرفان الليبيان حريصان على الامتثال، بما في ذلك التواصل مع إسرائيل. وتُريد إيطاليا التعاون في الطاقة والهجرة، بينما تسعى تركيا ومصر وفرنسا وروسيا ودول الخليج إلى مصالحها الاستراتيجية والتجارية. يجب أن يتواصل تدفق النفط، ويُفضَّل احتواء الهجرة جنوب المتوسط، كما تجب السيطرة على الجماعات الجهادية وكبح المنافسين الجيوسياسيين.
ماذا لو كان القادرون على تلبية هذه المطالب سلطويين، أو عائليين، أو متجذرين في أنظمة المحسوبية؟ تبدو الإجابة العملية، على نحو متزايد: يمكننا أن نتعاون معهم. وقد فهم حفتر هذا جيداً، فكلما زادت قدرته على تقديم نفسه لا كقائد عسكري قوي فحسب، بل كوسيط أمني إقليمي، متعاوناً في مكافحة الإرهاب، ومفيداً في الساحل، ومسيطراً على الأرض، وموفراً للاستقرار، وراعياً لمصالح واشنطن، تغيّر السؤال المطروح في العواصم الغربية. وبدلاً من السؤال: "بأيّ سلطة ديمقراطية يمارس هذا الرجل نفوذه؟"، يبدأ صانعو السياسات بالتساؤل: "هل يستطيع تلبية احتياجاتنا؟". وهذه غالباً هي الكيفية التي تفنى بها المبادئ الديمقراطية في الدبلوماسية الدولية: لا بخيانة دراماتيكية واحدة، بل بألف تسوية براغماتية. تنتقل الديمقراطية بهدوء من كونها هدفاً، إلى طموح، إلى موضوع نقاش.
لكن من الخطأ أن نستنتج أنّ الليبيين قد رفضوا الديمقراطية. فعندما سُمِح بإجراء الانتخابات البلدية، أبدوا استعداداً للمشاركة، وأسفرت المشاورات مراراً عن مطالبات بانتخابات، ومؤسسات موحَّدة، وحكومة خاضعة للمساءلة. لذلك، قد لا تكمن المأساة في أنَّ الليبيين لم يعودوا يرغبون في الديمقراطية، بل في أنهم يعتقدون على نحو متزايد أنّ أحداً لن يسمح لها بتغيير أيّ شيء. وهذا أشدّ خطورة، لأنّ الإحباط يتحول في النهاية إلى إنهاك. فبعد خرائط الطريق الفاشلة، وتأجيل الانتخابات، والحكومات والبرلمانات والميليشيات المتنافسة، والتدخلات الأجنبية والمؤتمرات السياسية، يكفّ المواطنون، بحقّ، عن طرح الأسئلة الدستورية، ويتساءلون عمّا إذا كانت الكهرباء ستستمر، والرواتب ستُدْفع، وأبناؤهم سيجدون عملاً، وبإمكانهم العودة إلى منازلهم بأمان ليلاً. تصبح السياسة عندهم شأناً بعيداً تحتكره النخب، لا وسيلةً لتحسين الحياة أو محاسبة من يسيئون إدارة الدولة. وحين تبلغ السياسة هذه المرحلة، لا تعود السلطوية بحاجة إلى حماس، بل إلى إرهاق.
تُواصِل الحكومات الغربية إعلان التزامها بالانتخابات، وتُواصِل الأمم المتحدة وضع خرائط الطريق نحو مؤسسات منتخَبة وموحدة. وتبقى اللغة مُنمقةً، لكن الحكومات تَكشف أولوياتها بالسلوك لا بالبيانات. وكلما عوملت السلطات القائمة بوصفها شريكاً لا غنى عنه، من دون ربط التعاون بمساءلة حقيقية أو جدول انتخابي ملزِم، ازدادت قدرتها على تقديم بقائها باعتباره واقعاً دولياً مقبولاً.
تَغيَّر بلا مواربة السؤال المطروح في العواصم الغربية. لم يعد: "بأيّ سلطة ديمقراطية يمارس هذا الرجل نفوذه؟"، بل: "هل يستطيع تلبية احتياجاتنا؟". وهذه غالباً هي الكيفية التي تَفنى بها المبادئ الديمقراطية في الدبلوماسية الدولية: لا بخيانة دراماتيكية واحدة، بل بألف تسوية براغماتية. تنتقل الديمقراطية بهدوء من كونها هدفاً، إلى "طموح"..
عندئذٍ تأتي إحدى أقدم الصفقات في السياسة: هاتوا الطاعة وخذوا الاستقرار. فبعد خمسة عشر عاماً من الاضطراب، يصبح العرض أكثر جاذبية. يتذكر بعض الليبيين بلداً كانت لديه حكومة واحدة، ودولة معترف بها، ودرجة من الاستقرار اليومي، بصرف النظر عن وحشية حكم القذافي وعبثه. لا يعني هذا أنهم يريدون عودته، بل يعني أنه عندما تُربط الديمقراطية بالفوضى والفساد والعجز، تكتسب السلطوية مظهر الكفاءة بمجرد المقارنة معها. وقد يُثبت ذلك في النهاية أنّه الفشل الأكبر لليبيا ما بعد عام 2011: ليس الفشل في تحقيق الديمقراطية فحسب، بل نجاح من أمسكوا بالمرحلة الانتقالية في تشويه سمعتها من دون أي محاولة جادة لتطبيقها.
لنتذكر مطالب الليبيين عام 2011: الكرامة، والمساءلة، والمشاركة السياسية، وإنهاء الحكم الفردي التعسفي. ولنقارنها بالنظام الذي يتبلور تدريجياً: شبكات عائلية، ومحسوبية مسلحة، وعائدات نفطية، وفساد، ورعاية أجنبية، ومؤسسات غير منتخبة، وانتخابات مؤجّلة إلى ما لا نهاية. لم يعد الخطر بالضرورة ظهور قذافي آخر يُعيد توحيد ليبيا تحت ديكتاتورية واحدة. قد يكون الخطر أدهى وأصعب استئصالًا: تسوية أوليغارشية تتعايش فيها النخب الشرقية والغربية، وتتقاسم النَّفاذ إلى موارد الدولة، وتتوزّع رعاية شبكات محاسيبها، وتُعيد التفاوض دورياً على موازين القوى. وقد تقبل الحكومات الأجنبية هذا الترتيب، لأن النفط يواصل تدفّقه، وأوروبا لأن الهجرة مقيّدة، وواشنطن لأنّ الإرهاب تحت السيطرة والخصوم الجيوسياسيين ممنوعون من الاقتراب، والنخب الليبية لأنّ كلّ من يتمتّع بما يكفي من القوة له حصّته. لن يكون هناك سوى غائب واحد لافت عن هذه الصفقة الكبرى: المواطن الليبي.
لذلك، من السابق لأوانه القول إنّ الليبيين ودّعوا الديمقراطية إلى الأبد. فهم لم يتخلوا عنها بالضرورة، بل تُسلب منهم بالتدريج. لا يزالون يُوعَدون بصناديق الاقتراع غداً، فيما يجري اليوم تقاسم السلطة السياسية والثروة الوطنية. وستأتي اللحظة الأخطر عندما يتوقف الليبيون نهائياً عن المطالبة بالانتخابات، لا لأنّ الديكتاتورية هزمت الديمقراطية في منافسة مفتوحة، بل لأن سنوات من التلاعب أقنعتهم بأن التصويت لن يغير شيئاً أبداً. عندئذٍ، سيكون مهندسو الانتقال الدائم في ليبيا قد حققوا أعظم انتصار لهم: لن يكونوا قد احتاجوا إلى إلغاء الديمقراطية، بل إلى إقناع الليبيين بالكفّ عن الإيمان بها فحسب.
- ترجم النص عن الانجليزية ثائر ديب
- نشر في الاصل على موقع "Politics Today "
https://politicstoday.org/libyas-revolution-is-being-buried-by-those-who-profited-from-its-failure/




