عدوى الثورة وصمود النظام القديم:
من أوروبا في عام 1848 إلى العالم العربي في العام 2011

تُوحِّد الثورات قوىً مشتّتة حول سؤال واحد: من الذي يجب أن نزيحه؟ غير أنّ النجاح يطرح سؤالاً أصعب: ما الذي نبنيه مكانه؟ في العام 2011، استطاع الإسلاميون والليبراليون واليساريون والنقابيون والحركات الشبابية أن يتّفقوا على معارضة النظام. ولكن ثبت أنّ الاتفاق على نظام سياسي جديد أصعب بكثير. يكشف هذا سمةً متكررة في الثورات: فالوحدة غالباً ما تكون أقوى عندما يكون العدو محدَّداً بوضوح، في حين تتكشّف التناقضات حين يصبح السؤال: من يحكم؟ وكيف؟
2026-10-15

عبد الله الماعزي

كاتب من ليبيا


شارك
القاهرة، ميدان التحرير في 2011

يُنسب إلى كليمنس فون مترنيخ - مهندس النظام الأوروبي المحافِظ الذي أعقب هزيمة نابليون - القول: "حين تعطس فرنسا، تُصاب أوروبا بالزكام". وعلى الرغم من صعوبة الجزم، بما إذا كان مترنيخ قد قال ذلك أم لا، فإنّ العبارة تلتقط فكرةً كانت تقضّ مضاجع النخب الحاكمة في أوروبا أوائل القرن التاسع عشر: قد لا تبقى الثورة شأناً داخلياً، إذ يمكنها أن تتجاوز الحدود.

يطلق علماء السياسة على هذه الظاهرة اسم "العدوى الثورية": نجاح انتفاضة في بلد ما يُغيّر التصورات بشأن ما هو ممكن في غير مكان. فهي تكسر حاجز الخوف، وتقدم نموذجاً يُحتذى، وتكشف أنّ نظاماً سياسياً بدا راسخاً قد يكون أشدّ هشاشة مما كان يُعتَقد.

ثمة مفارقة يطرحها التاريخ مفادها أنّه إذا ما كانت الثورة قادرة على الانتشار بهذه السرعة، فلماذا يغلب أن يكون اقتلاع النظام القائم أشدّ صعوبة؟ لماذا يمكن لموجة ثورية أن تزعزع منطقة بأكملها في غضون أشهر، لا لشيء إلّا لتستعيد قوى النظام القديم زمام المبادرة في نهاية المطاف؟

يمكن لمقارنةٍ بين أوروبا في عام 1848 والانتفاضات العربية في عام 2011 أن تُوفِّر سبيلاً لاستكشاف هذه المسألة. يفصل بين التجربتين أكثر من قرن ونصف من الزمن، وقد جرتا في ظلّ نظامين دوليين مختلفين تماماً. وتكشفان كلتاهما عن فارق بين إسقاط الحاكم وتفكيك النظام الذي يدعمه.

من باريس إلى سيدي بوزيد

منذ مؤتمر فيينا في عام 1815، سعى النظام الأوروبي الذي أرساه مترنيخ إلى احتواء إرث فرنسا الثوري وحماية الأنظمة الملكية من الليبرالية والقومية والثورة. كان ذلك النظام يبدو منيعاً. لكنّه اهتزّ في عام 1848 في غضون أسابيع قليلة.

اندلعت الثورة في باريس في شباط/ فبراير، وأطاحت بنظام الملك لوي فيليب. وامتدت صدمة الحدث لتصل إلى فيينا وبرلين وبودابست وميلانو وبراغ. وبحلول آذار/مارس، كان مترنيخ قد أُجبر على الاستقالة والفرار من فيينا.

مقالات ذات صلة

لم تنتشر الثورة لأنَّ المجتمعات الأوروبية كانت متماثلة، أو لأنّ الثوار تشاركوا برنامجاً موحّداً. لقد طالب بعضهم بدستور وحريات سياسية، في حين نادى آخرون بإصلاحات اجتماعية، وسعى فريق ثالث إلى الاستقلال الوطني أو الوحدة. ما عبِر الحدود هو الإدراك بأنَّ ما كان يبدو مستحيلاً بات الآن ممكناً.

انهيار حاجز الخوف هو الأكثر أهمية. اكتشَف من كانوا يشعرون بالعزلة أنً آلافاً أو ملايين يشاركونهم الغضب ذاته. وبدت أنظمة، كانت أبديةً في الظاهر، هشةً وعرضةً للسقوط. في أثناء ذلك، لا تختفي مؤسسات النظام القديم حين يسقط الحاكم. يبقى الجيش والشرطة والقضاء والبيروقراطية والمصالح الاقتصادية وشبكات المحسوبية. وفي حين يمكن لثورة أن تحشد أعداداً هائلة، فإنَّ للدولة قدرات تنظيمية تراكمت على مدى عقود.

في عام 2011، ظهرت آلية مماثلة. اندلعت الاحتجاجات في تونس عقب إقدام محمد البوعزيزي على إضرام النار في نفسه في كانون الأول/ ديسمبر 2010. فرَّ الرئيس زين العابدين بن علي في 14 كانون الثاني/ يناير 2011. وبعد أقل من شهر، تنحّى الرئيس المصري حسني مبارك عن السلطة. وامتدت الاحتجاجات -بأشكال متفاوتة - لتشمل ليبيا واليمن والبحرين وسوريا، في حين شهدت دول عربية أخرى مطالبات بالإصلاح.

إن كانت فرنسا قد "عطست" في عام 1848، فإنّ تونس فعلت الشيء ذاته في عام 2011.

عجّلت وسائل الاتصال الحديثة بانتقال العدوى. في القرن التاسع عشر، كانت الأخبار من باريس تنتقل عبر الصحف والمنشورات والمسافرين، أمّا في عام 2011، فكانت صور المظاهرات والشعارات ومشاهد سقوط الحكّام تنتقل مباشرة عبر القنوات الفضائية وشبكة الإنترنت والهواتف المحمولة..

لكنَّ التكنولوجيا لا تفسر سوى جزء من هذا المشهد. كان انهيار حاجز الخوف أكثر أهمية. اكتشف من كانوا يشعرون بالعزلة أنً آلافاً أو ملايين يشاركونهم الغضب ذاته. وبدت أنظمة كانت أبديةً في الظاهر هشةً وعرضةً للسقوط.
وهنا تبدأ المفارقة: في حين يمكن تصدير صورة الثورة وشعاراتها وآمالها، فإنّ موازين القوى لا يمكن تصديرها.

إزاحة الحاكم، تفكيك النظام

تُوحِّد الثورات قوىً مشتّتة حول سؤال واحد: من الذي يجب أن نزيحه؟ غير أنّ النجاح يطرح سؤالاً أصعب: ما الذي نبنيه مكانه؟

لقد أوهن هذا الأمر ثورات 1848. تمكّن الليبراليون والديمقراطيون والعمال والقوميون من أن يتّحدوا ضد النظام القديم، لكن أهدافهم تباينت. وداخل إمبراطورية هابسبورغ، تصادمت الحركات القومية أيضاً، فالتحرّر بالنسبة إلى قومي مجري لم يكن بالضرورة تحرراً بالنسبة إلى كرواتي أو روماني أو سلوفاكي.

بعد الصدمة الأولية لعام 1848، احتفظت الملَكيات الأوروبية بجيوشها وأجهزتها الإدارية، واستغلت الانقسامات بين مناهضيها، واستعادت زمام المبادرة. وحين عجزت قوات هابسبورغ عن هزيمة الثورة المجرية، تدخلت روسيا عسكرياً في عام 1849، إذ أدرك القيصر نيقولا الأول أنّ ثورةً ناجحة في دولة مجاورة قد تقضّ مضجع نظامه. يبرز هنا مبدأ آخر: إذا كان من الممكن للثورة أن تكون مُعْدية، فالثورة المضادة أيضاً يمكنها أن تكون كذلك.

ظهرت معضلة مماثلة بعد عام 2011.​​ استطاع الإسلاميون والليبراليون واليساريون والنقابيون والحركات الشبابية أن يتّفقوا على معارضة النظام. وثبت أنّ الاتفاق على نظام سياسي جديد أصعب بكثير.

يكشف هذا سمةً متكررة في الثورات: فالوحدة غالباً ما تكون أقوى عندما يكون العدو محدداً بوضوح، في حين تتكشّف التناقضات حين يصبح السؤال: من يحكم؟ وكيف؟

في أثناء ذلك، لا تختفي مؤسسات النظام القديم حين يسقط الحاكم. يبقى الجيش والشرطة والقضاء والبيروقراطية والمصالح الاقتصادية وشبكات المحسوبية. وفي حين يمكن لثورة أن تحشد أعداداً هائلة، فإنَّ للدولة قدرات تنظيمية تراكمت على مدى عقود.

بعد الصدمة الأولية لعام 1848، احتفظت الملكيات الأوروبية بجيوشها وأجهزتها الإدارية، واستغلت الانقسامات بين مناهضيها، واستعادت زمام المبادرة. وحين عجزت قوات هابسبورغ عن هزيمة الثورة المجرية، تدخلت روسيا عسكرياً في عام 1849. إذ أدرك القيصر نيقولا الأول أنّ ثورةً ناجحة في دولة مجاورة قد تقضّ مضجع نظامه.

هنا يبرز مبدأ آخر: إذا كان من الممكن للثورة أن تكون مُعْدية، فالثورة المضادة أيضاً يمكنها أن تكون كذلك.

  • ترجمة: ثائر ديب

مقالات من العالم العربي

إحدى وجوه قتل النساء في العراق!

فؤاد الحسن 2026-10-08

إن رفضت البنت الزواج، فهي قد تُصبح معرَّضة للقتل، و"محظوظة لأن هناك مكاناً يحفظ عظامها" كما قال واحد من أقارب إحدى الضحايا لأمها، بعد أن قُتِلت نتيجة رفضها الزواج المدبَّر...

صحفيو «متصدقش» أمام «أمن الدولة»: تعرضنا للتعذيب وأُجبرنا على تسجيل اعترافات ملفقة في «الأمن الوطني»

مدى مصر 2026-10-08

تعرض غالبية صحفيّي «متصدقش» المقبوض عليهم للتعذيب وسوء المعاملة خلال احتجازهم بمقار الأمن الوطني، في الأيام التي تلت القبض عليهم، مع إجبارهم على تسجيل اعترافات ملفقة، وذلك قبل ظهورهم أمام...

للكاتب/ة

وهم الاستقرار في ليبيا

ليس لتحالف دبيبة-حفتر أن يُمثّل أيّ مصالحة وطنية أو استعادة للسيادة. بل يُخاطر بتشكيل نظام سياسي لا تصوغه المصالح الليبية، بل النفوذ الخارجي، لا سيما نفوذ الإمارات العربية المتحدة التي...

اختطاف ليبيا

ويلٌ لأمة تستقبل حاكمها بالتطبيل وتودِّعه بالصَّفير، لتستقبل آخر بالتطبيل والتزمير... ويلٌ لأمة مقسمة إلى أجزاء، وكل جزء يحسب نفسه فيها أمّة.جبران خليل جبرانوصلتني مؤخّراً رسالة من عبد المجيد العقيلي...