قراءة في كلفة عام من تطبيق قانون الأحوال الشخصية الجديد في العراق، وقصص ضحاياه

تُظهِر التعديلات الممتدة والممارسات القضائية كيف تُوظِّف الدولة والأحكام التقليدية مفهوم "الولاية الجبرية" كتقنية لإخضاع النساء، حيث يُعاد حصر موقع المرأة في خانة الوعاء الرعائي المجرد من الحقوق السياسية والقانونية الكاملة، بينما يُمنح الرجل سلطة مطلقة، تحوِّل الأطفال إلى أصول تفاوضية ووسائل إكراه. إن هذا التفاوض - الممتد من المال إلى الجسد - يكشف عن أن الهدف ليس حماية الاستقرار الأسري أو مصلحة الطفل الفضلى، بل إعادة ترسيم حدود السيطرة الذكورية داخل المجال الخاص، بعد أن حاولت النساء انتزاع هامش من الاستقلالية عبر التعليم، والعمل، والتحرر المعيشي، والانعتاق من زواجات سيئة.
2026-08-27

أماني الحسن

باحثة وصحافية من العراق


شارك
ضياء العزاوي - العراق

لم يكن التصويت على تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، وإقرار "المدونة الشرعية للفقه الجعفري" مجرد إجراء تنظيمي لإدارة أحكام الأسرة، بل كان تحولاً مفصلياً في الفلسفة القضائية، التي تحكم الأحوال الشخصية في العراق.

تضم هذه المدونة أكثر من 300 مادة صاغها ديوان الوقف الشيعي لتنظيم قضايا الزواج، والطلاق، والنفقة، والحضانة، والميراث، وذلك وفق أحكام الفقه الإمامي الاثني عشري. غير أن خطورتها التشريعية تكمن في ثلاثة عناصر رئيسية، أولها تفكيك المعيار الموحَّد لـ"مصلحة المحضون الفضلى"، اذ أزاحت المدونة الاعتبار الرعائي والمكاني المستقِر، الذي كان يمنح الأم أولوية الحضانة حتى سن العاشرة (مع قابلية التمديد)، لصالح تطبيق التدرج الفقهي التقليدي، الذي ينتزع الحضانة بمجرد بلوغ الطفل سن السابعة، أو بلوغه سن الرشد الفقهي، من دون تقييم إجرائي لبيئة الرعاية أو أهليّة المربّي. ثانياً، إعادة تعريف الولاية كـ"حق حصري وجبري"، حيث كرّست المدونة الفهم الفقهي الذي يعتبر الطفل امتداداً للملكية والأصول التابعة للوالد، مما فرّغ مفهوم الولاية من بعدها المقاصدي، القائم على الأمانة والرعاية، وأحالها إلى سلطة تقديرية مطلقة للأب، يملك بموجبها انتزاع الأطفال تنفيذياً، من دون ربط ذلك بالوفاء بالالتزامات المالية أو الرعائية. ثالثاً، شرعنة ازدواجية المرجعية القضائية، اذ فَتحت المدونة الباب أمام نفاذ الأحكام المذهبية المباشِرة داخل المحاكم المدنية، مما أوجد شللاً إجرائياً وتضارباً في قرارات التمييز والهيئات القضائية، حيث تُستبعد القوانين المكتوبة لصالح التفسيرات الفقهية الفردية، وهو ما أدى عملياً، إلى تحويل الحقوق الرعائية إلى مساحات مفتوحة، للضغط القهري والمساومات المعقدة.

وعلى مدار عام من النقاشات المحمومة والمتابعات التحليلية، أثار إقرار المدونة موجة واسعة من الاعتراضات الحقوقية والدستورية، إذ رأت المنظمات النسوية والجهات الحقوقية أن هذا التعديل أحلّ المرجعية المذهبية محل مبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون، موفِراً غطاءً تشريعياً لتقييد النساء وإعادتهن إلى دائرة الإخضاع الأسري، وهو ما تتجلى آثاره الميدانية المباشرة، في قصص النساء والتجارب القاسية، التي رافقت دخول هذا التعديل إلى حيز التنفيذ.

إلى الأحسن؟؟

جاء نظام ما بعد العام 2003 وهو يبشر بانقضاء زمن المجازر بحق الشباب، الذين كانوا يُساقون قسراً إلى الحروب، ولا يعودون إلى أمهاتهم إلا جثثاً أو أرواحاً مبتورة. كانت الأمهات يُكبرن أبناءهن قطرةً قطرة — أو كما يقال في المأثور الشعبي: "كل شبر بنذر" — ليقضين ما تبقى من أعمارهن مرابطاتٍ عند القبور.

وما كادت السكينة تلامس قلوبهن، حتى دهمتهن الحرب الطائفية فخسرن ما خسرن، وما إن التقطن أنفاسهن حتى جاءت حرب تنظيم داعش، لتستنزف الجيل الجديد فداءً للأرض والمقدسات. لم تتغير المعادلة التراجيدية، ظلت الأم تُقدِّم أبناءها قرباناً مستمراً إلى الدولة والحروب المتعاقبة.

واليوم، وما إن بدأت أمهات الجيل الجديد في صوغ حياتهن واستقرارهن، حتى جاءت "المدونة الجعفرية"، لتختزل الأم في وظيفة بيولوجية مؤقتة: مجرد حاضنة تُعِدّ الطفل حتى يخطو خطواته الأولى إلى المدرسة، ثم يُنزَع من أحضانها قهراً بالقانون. ظلت الأم العراقية ترعى وتربّي "كل شبر بنذر"، لتُقدّم جنى عمرها قرباناً لتوافقات السلطة وأشكال التشريعات المتعاقبة.

حين تُصادَر سبع سنوات من الأمومة

"سحبوه من حضني مثل الطير"، بهاتين الكلمتين تختصر رُسل المياحي لحظة انكسار أمومتها في محافظة واسط. بأمر إلقاء قبض رسمي، انتُزِع طفلها الصغير من بين يديها، وهي التي نذرت حياتها لتربيته بمفردها منذ أن كان طفلاً في عمر السنة الواحدة وحتى بلغ السابعة. رفضت رسل كل فرص الزواج، واستثمرت سنوات عمرها في بناء "رأس مال عاطفي وتربوي" مستقل، حاميةً صبيّها في ظل غياب تام للأب، الذي لم يفكر يوماً في رؤيته أو الإنفاق عليه.

لكن الأب، وبدافع انتقامي، سعى إلى إيلامها وإخضاعها، فاستغل نافذة التعديلات التشريعية الجديدة ليحوِّل ملف الدعوى إلى المدونة الجعفرية. وعلى الرغم من أن الأم هي الطرف المتمكِّن الذي يوفر البيئة المستقرة، بينما الأب لا يمتلك منزلاً، ولا سكناً مستقلاً، ولا وظيفة ثابته، إلا أن المحكمة سحبت الحضانة منها وحكمت بها للأب.

لم يكتَفِ الأب بانتزاع الطفل، بل دأب على تهديد رسل صراحةً بقتل ابنهما. وعلى الرغم من تقديم الأم الأدلة الثبوتية التي تؤكد هذه التهديدات المباشِرة، اكتفت المحكمة بالتعامل مع هذا الخطر، عبر "غرامة قدرها مليون دينار عراقي"، مُنفذةً أمر سلب الطفل بقوة القانون.

رأت المنظمات النسوية والجهات الحقوقية أن هذا التعديل أحلّ المرجعية المذهبية محل مبدأ المواطَنة والمساواة أمام القانون، موفِراً غطاءً تشريعياً لتقييد النساء وإعادتهن إلى دائرة الإخضاع الأسري، وهو ما تتجلى آثاره الميدانية المباشرة في قصص النساء والتجارب القاسية، التي رافقت دخول هذا التعديل إلى حيز التنفيذ. وتضم المدونة أكثر من 300 مادة، صاغها ديوان الوقف الشيعي لتنظيم قضايا الزواج، والطلاق، والنفقة، والحضانة، والميراث، وذلك وفق أحكام الفقه الإمامي الاثني عشري.

تُفتَرض في التشريعات الأسرية الحديثة إدارة النزاعات بموجب "منطق درء المخاطر" وإعلاء المصلحة الفضلى للقاصر. لكن ما تتكشف عنه حالة رسل هو العكس تماماً، إذ يصنع النص القانوني ببيئته الحالية "خلقاً قسرياً للمخاطر". إن اختزال التهديد الصريح بـ"قتل الطفل"، في مجرد غرامة مالية طفيفة، يُظهِر كيف يُقدِّم النظام المؤسسي حرمة حق الملكية الذكورية الشكلي، على حق الطفل الأصيل في الحياة والأمان الجسدي والنفسي.

هذا ما أكدته المحكمة الاتحادية العليا، من خلال قرارها (الخاص برد الطعن بدستورية أحكام الحضانة الجعفرية في الدعوى 140/اتحادية/2026)، الذي منح غطاءً قضائياً باتاً ومطلقاً، لمنطق انتزاع الأطفال. إذ اعتبرت المحكمة أن سلب الطفل من أمه عند سن السابعة، ونقله إلى الأب يمثل "تدرجاً موضوعياً يراعي مصلحة المحضون الفضلى"، عبر الانتقال من "الرعاية الفطرية للأم"، إلى "التوجيه التربوي للأب".

نور بهجت - سوريا

يمثِّل قرار المحكمة الاتحادية هندسة مفاهيمية، قائمة على تقسيم يختزل الأم في "الرعاية الفطرية"، واصماً إياها ووظيفتها بالبيولوجيا والغريزة المؤقتة، التي تنتهي بعبور الطفل مرحلة الطفولة المبكرة، مقابل منح الأب احتكار "التوجيه والتربية العقلانية". ومن خلال هذا الفرز، تُسبِغ المحكمة مصطلح "التدرج الموضوعي" كغطاء بلاغي، يُجمّل العنف الإجرائي، فيُصوَّر سلب الطفل من بيئته المستقرة وانتزاعه بالقوة التنفيذية، وكأنها مرحلة نمو طبيعية وسلسة في مسيرته العمرية. هذا التكييف القضائي لا يكتفي بإفراغ الأمومة من قيمتها التربوية والفكرية، بل يحوِّل "المصلحة الفضلى للطفل"، من معيار إنساني مرن يُراعي سلامته النفسية، إلى قالب ميكانيكي حاف، يُقدِّم حتمية السلطة الأبوية على حق القاصر في الأمان.

وفي توضيح لهذا الشلل الميداني، يؤكد المحامي علاء الإبراهيمي (عضو الهيئة العامة لنقابة المحامين) من محافظة الديوانية "أن المحاكم والقضاة حاولوا في البداية التفاوض والتملص من تطبيق المدونة، لحماية الأطفال"، إلا أن "قرار الهيئة الموسعة لمحكمة التمييز الاتحادية" أوقف ذلك بحزم، وجاء كـ"صدمة كبرى"، ألزمت المحاكم بالتطبيق القسري، وألغت مبدأ "تخيير الطفل" لمن تجاوز 7 سنوات، مُجْبِرةً القاضي على التسليم الشكلي، وسالبةً منه أية سلطة تقديرية لحماية الطفل.

تسليع الأمومة والمساومة على الأبناء

"أنطيني  60 مليون، وإذا مو 60 انطيني 30 مليون، وابقي البنات يمج.. هو مو بحال البنات، بس بغضاً بيّا، ويريد فلوس". بهذه العبارات الدقيقة تكشف ميامين (29 عاماً، موظفة في دائرة صحة النجف وطالبة في كلية الصيدلة)، عن وجهٍ آخر للمأساة الميدانية، إذ يتحول النص القانوني من أداة مفترَضة لحماية الأسرة، إلى سلاح لابتزاز النساء ومساومتهن على أطفالهن.

منحت المحكمة الاتحادية العليا، من خلال قرارها الخاص برد الطعن بدستورية أحكام الحضانة الجعفرية (في الدعوى 140/اتحادية/2026)، غطاءً قضائياً باتاً ومطلقاً لمنطق انتزاع الأطفال، إذ اعتبرت أن سلب الطفل من أمه عند سن السابعة، ونقله إلى الأب يمثل "تدرّجاً موضوعياً يراعي مصلحة المحضون الفضلى"، عبر الانتقال من "الرعاية الفطرية للأم"، إلى "التوجيه التربوي للأب".

يمثِّل قرار المحكمة الاتحادية هندسة مفاهيمية، قائمة على تقسيم يختزل الأم في "الرعاية الفطرية"، واصماً إياها ووظيفتها بالبيولوجيا والغريزة المؤقتة، التي تنتهي بعبور الطفل مرحلة الطفولة المبكرة، مقابل منح الأب احتكار "التوجيه والتربية العقلانية". يُنتِج النص التشريعي الصارم سوقاً سوداء لتسليع الأبناء، حيث لم تعد الحضانة مجرد حق ورعاية، بل صارت أصلاً مالياً وتفاوضياً، يُلوّح به الأب لانتزاع المكاسب المادية من الأم. 

تزوجت ميامين في العام 2013 وهي في سن التاسعة عشرة من عمرها، وانفصلت فعلياً عن زوجها منذ العام 2017 بعد سلسلة طويلة من النزاعات القضائية، التي كبّدتها قرابة 26 مليون دينار عراقي، وانتهت بامتناع الزوج عن طلاقها، واستحصاله قرار نشوز ضدها. وعلى مدى ثماني سنوات متواصلة (2017–2025)، تكفلّت ميامين بمفردها برعاية وتربية ابنتيها (المولودتين في 2014 و2015). استأجرت لهما سكناً كبيراً مستقلاً، ووفرت لهما البيئة الهادئة، وألحقتهما بأفضل مدارس المتميِزين، في ظل غياب تام للأب عن الإنفاق أو السؤال.

لكن مع فتح خيار تطبيق التعديلات التشريعية الجديدة، استغل الأب هذه النافذة لتغيير المسار القضائي وكسب قرار حضانة الفتاتين اللتين بلغتا 10 و11 عاماً. ولأن الغاية لم تكن الرعاية الفعلية، بل التشفي لكونها غير متزوجة ومستقلة. ساوم الأب ميامين صراحةً على دفع مبلغ يتراوح بين 30 إلى 60 مليون دينار عراقي، مقابل التنازل عن الدعوى وإبقاء البنتين معها. وعلى الرغم من تصريح الأم بهذه المساومة المباشِرة أمام القاضي، اكتفت المحكمة بالصمت الإجرائي والتطبيق الميكانيكي للنص، مصدرةً تبليغاً تنفيذياً بنزع الفتاتين، مما تسبب في أزمة نفسية حادة للطفلتين، اللتين ترفضان الانتقال إلى بيت أبيهما. وأدى ذلك إلى انهيار المستوى الأكاديمي للأم، وتعثرها في سنتها الدراسية تحت وطأة الصدمة.

تُظهِر حالة ميامين كيف يُنتِج النص التشريعي الصارم سوقاً سوداء لتسليع الأبناء، إذ لم تعد الحضانة مجرد حق ورعاية، بل صارت أصلاً مالياً وتفاوضياً يُلوّح به الأب، لانتزاع المكاسب المادية من الأم.

وفي تفسيرها للجذور الفكرية لهذا الانحراف، تُبيّن الدكتورة بتول فاروق، المختصة في فلسفة الفقه، والأستاذة في جامعة الكوفة ، أن البناء الفقهي والاجتماعي التقليدي يعتبر الولد "ابن الأب"، وعائداً إليه بصفة شبه حصرية، حيث يُنظَر إلى الأم مجرد "وعاء" استودع الأب فيه الطفل، ليربى ويخرج للحياة، ثم ينتهي دورها بمجرد الخروج، متجاهلاً البناء التربوي والنفسي الذي تقدِّمه. وتضيف د. بتول أن نتاج هذا المنظور هو وضع تعريف "مصلحة المحضون" في يد الأب نفسه. وهنا يقع تضارب المصالح المباشر، فالأب لا يفكر حقيقةً في مصلحة الطفل، بدليل امتناعه عن النفقة لسنوات، بل يمارس سلطته الجبرية من باب المِلكية والانتساب. ولأن الطفل يُنسب إلى الأب فقط، فإن القوانين المقتبَسة من هذا الفهم تعتبره تبعاً كاملاً له، فلا تُقاس بيئته المعيشية أو استقراره النفسي، بل يُسلَّم تلقائياً إلى من يملك "حق الولاية والمِلكية"، مما يجعل التشريع ثغرة، ينفذ منها الأب إلى مساومة الأم الملتصقة عاطفياً ورعائياً بأبنائها.

من المساومة المالية إلى الابتزاز الجسدي

إذا كانت مأساة ميامين قد كشفت عن تسليع الحضانة وتحويلها إلى أداة لانتزاع الأموال والمساومات المادية، فإن الحدود التي يمكن أن يصل إليها هذا الاستغلال لا تتوقف عند الشق المالي فحسب، إذ تتعداه إلى مستويات أكثر قسوة وانتهاكاً لكرامة الأمهات وأجسادهن.

تُجسد قصة فاطمة (34 عاماً) من البصرة هذه الذروة الحادة، لآثار التطبيق الإجرائي المجرد، إذ يتحول قرار نزع الحضانة من يد الأم، إلى سلاح قهري يُشرعن الابتزاز المالي والانتهاك الجسدي المباشر.

اختزال التهديد الصريح بـ"قتل الطفل" في مجرد غرامة مالية طفيفة، يُظهِر كيف يُقدِّم النظام المؤسسي حرمة حق الملكية الذكورية الشكلي، على حق الطفل الأصيل في الحياة والأمان الجسدي والنفسي.

تتلخص واقعة فاطمة في طفلين (ولد في المرحلة المتوسطة، وبنت في المرحلة الابتدائية)، صَدر لصالح أبيهما قرار قضائي يقضي بنزع حضانتهما من الأم وتسليمهما إليه، وهو القرار الذي وصل بالفعل إلى مديرية التنفيذ ليدخل إلى مرحلة الإلزام القهري. غير أن الواقع الميداني يكشف عن مفارقة حادة. فالأب -متزوج من امرأة أخرى ترفض استقبال الطفلين، ولا يملك القدرة المالية أو اللوجستية على إعالتهما ورعايتهما، ويبدو أنه لم يستحصل القرار القضائي، بدافع ممارسة الواجبات الأبوية أو توفير بيئة استقرار، بل ليستخدمه كورقة ضغط على الأم.

وبدلاً من احتضان طفليه، استخدم الأب القرار النافذ لمساومة فاطمة على كرامتها واستقلاليتها، ملخصاً شروطه بعبارة صريحة: "تعاي شوكت ما يعجبني اجي انام وياج وتنطيني مصرف شهري.. مقابلها انطيج جهالج يبقون يمج"،  واضعاً إياها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما تسليم الطفلين، وإما الخضوع لاستغلال وانتهاك جسدي مستمر، فضلاً عن فرضه إتاوة مالية شهرية، تدفعها فاطمة إليه مقابل السماح لابنها وبنتها بالبقاء في أحضانها.

تُظهر حالة فاطمة كيف يُفرِّغ النص التشريعي الصارم، والتطبيق الميكانيكي للنصوص، مفهوم "الولاية والرعاية" من مضمونه الأخلاقي والمقاصدي، إذ يُسلّم السلطة التقديرية والمطلقة لطرف لا يملك القدرة ولا الرغبة الفعلية في الرعاية، مما يُنتج سوقاً سوداء، لا تقتصر على تسليع الأبناء مالياً فحسب، بل تمتد لتُكرِه الأمهات على التفاوض، حول أجسادهن وكرامتهن، للبقاء مع أبنائهن.

هندسة الأبوية التشريعية: عن الجسد، الملكية، ومصادرة المواطَنة

إن النزاع حول الحضانة في العراق ليس مجرد خلافٍ إجرائي ، بل هو معركة سوسيولوجية وسياسية حول أدوات الضبط، وإعادة إنتاج السلطة الأبوية على أجساد النساء وحيوات الأطفال.

تختزل الشهادات الميدانية الثلاث سياقاً أعمق من المآسي الفردية، إذ تكشف عن كيفية اشتغال النص التشريعي والتطبيق القضائي الميكانيكي كـ "عنف مؤسسي"، يُعيد صياغة العقد الاجتماعي داخل الأسرة، على حساب استقلالية المرأة. يتبدى كيف يتحول القانون إلى أداة تُفرِّغ الأمومة من قيمتها الرعائية والاجتماعية، لتعيد إنتاجها كـ "التزام بيولوجي مجاني"، يُسلب حقها بمجرد مطالباتها بالانفصال أو الاستقلال.

تُظهر هذه التعديلات الممتدة والممارسات القضائية كيف تُوظِّف الدولة والأحكام التقليدية مفهوم "الولاية الجبرية" كتقنية لإخضاع النساء، إذ يُعاد حصر موقع المرأة في خانة الوعاء الرعائي المجرد من الحقوق السياسية والقانونية الكاملة، بينما يُمنح الرجل سلطة مطلقة، تحوِّل الأطفال إلى أصول تفاوضية ووسائل إكراه. إن هذا التفاوض - الممتد من المال إلى الجسد - يكشف عن أن الهدف ليس حماية الاستقرار الأسري أو مصلحة الطفل الفضلى، بل إعادة ترسيم حدود السيطرة الذكورية داخل المجال الخاص، بعد أن حاولت النساء انتزاع هامش من الاستقلالية، عبر التعليم والعمل والتحرر المعيشي والانعتاق من زواجات سيئة.

استغل الأب تطبيق التعديلات التشريعية الجديدة، لتغيير المسار القضائي، وكسب قرار حضانة الفتاتين اللتين بلغتا 10 و11 عاماً. ولأن الغاية لم تكن الرعاية الفعلية، بل التشفي لكون أمهما غير متزوجة ومستقلة، ساوم الأب ميامين صراحةً، على دفع مبلغ يتراوح بين 30 إلى 60 مليون دينار عراقي، مقابل التنازل عن الدعوى وإبقاء البنات معها.

استخدم الأب القرار النافذ لمساومة فاطمة على كرامتها واستقلاليتها، ملخِّصاً شروطه بعبارة صريحة: "تعاي، شوكت ما يعجبني اجي انام وياج وتنطيني مصرف شهري.. مقابلها انطيج جهالج يبقون يمج"، واضعاً إياها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما تسليم الطفلين، وإما الخضوع لاستغلال وانتهاك جسدي مستمر، فضلاً عن فرضه إتاوة مالية شهرية، تدفعها فاطمة إليه مقابل السماح لابنها وبنتها بالبقاء في أحضانها. 

تتجلى هشاشة المبررات الخطابية التي سوَّقها مدافعو التعديل التشريعي - التي ادعت أن الهدف هو "تقليل نسب الطلاق وتعزيز الاستقرار الأسري" - في الأرقام والإحصائيات الرسمية الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى للعامين 2024 و2025[1]، إذ أظهرت مقارنة البيانات ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الطلاق، عقب تطبيق المدونة خلال النصف الثاني من العام 2025 في المحافظات التي شملها التطبيق. ففي الوقت الذي وُعِدت فيه المجتمعات المحلية بالحد من التفكك، سجَّلت محافظات الجنوب تصاعداً شهرياً متنامياً، إذ ارتفعت حالات الطلاق في البصرة من 3,524 حالة في النصف الثاني من 2024 إلى 3,973 حالة للفترة نفسها من 2025، وقَفزت في ذي قار من 864 إلى 1,556 حالة طلاق، وصولاً إلى إجمالي بلغت حسبته 14,673 حالة طلاق، في ثماني محافظات جنوبية، خلال ستة أشهر فقط، مقابل 13,591 حالة، قبل دخول التعديلات إلى حيز التنفيذ.

تُثبت هذه المفارقة الإحصائية والميدانية أن التعديل التشريعي لم يُحجِّم الطلاق ولم يُرمِّم الأسرة، بل حوَّل أروقة المحاكم إلى ساحات لتصفية الحسابات والمساومات القهرية. إن المنظومة القانونية الآن لا تُمارس مجرد انحياز إجرائي، بل تُعبِّر في عمقها عن كراهية صريحة، لكافة أشكال الحرية الهامشية التي تحاول النساء اقتناصها، خارج مظلة الهيمنة البطريركية، إذ يُستدعى القانون كأداة عقاب جمعي، لردع أية محاولة للخروج عن طاعة المنظومة، مُحوِّلاً الأطفال إلى أدوات لكسر إرادة الأمهات.

وهكذا، ومع انقضاء عام كامل على بدء تطبيقه، يكشف الحساب الختامي لهذه التعديلات عن كلفة اجتماعية وإنسانية باهظة. فالنص لم يُنتِج سوى عقد اجتماعي ممزق، غابت عنه مقاصد العدالة والرعاية، ليحل محلها صنيع إكراهٍ يُصادر مواطنة النساء، ويترك الأمهات وأطفالهن أول الضحايا، فوق أنقاض استقرارٍ أسري زائف.

______________________

1- التي نشرتها "مؤسسة المدى" https://almadapaper.net/425137/

مقالات من العراق

العودة من برزخ الموت في العراق: ناجيات من "غسل العار" يكسرن جدار الصمت

في بعض الحالات، كهذه المنشورة هنا، تتحوّل العائلة من مساحة حمائية مفترضة إلى أداة تنفيذية أولى، والى الشرطي الحارس للمنظومة البطريركية، فتنهار قيمة "القرابة الدموية" أمام سلطة "الامتثال الجماعي"، حيث...

للكاتب/ة

العودة من برزخ الموت في العراق: ناجيات من "غسل العار" يكسرن جدار الصمت

في بعض الحالات، كهذه المنشورة هنا، تتحوّل العائلة من مساحة حمائية مفترضة إلى أداة تنفيذية أولى، والى الشرطي الحارس للمنظومة البطريركية، فتنهار قيمة "القرابة الدموية" أمام سلطة "الامتثال الجماعي"، حيث...