السودان: حوار سياسي أم بحث عن شرعية في بلد ممزق؟

تندرج المساعي المحلية المتواصلة التي تَطرَح ما يسميه أصحابها "حواراً سياسياً"، ضمن وصفة دولية موضوعة أمام طاولة البرهان، بحيث تصبح طبيعة الحكم رأسية، بدلاً من الهيكل الأفقي، الممثَّل في مجلس سيادة مكوَّن من عدة أعضاء، مما خلق مراكز نفوذ متعددة ومتضاربة. لذا، فحينما تتبارى المبادرات المصنوعة لتنصيب البرهان رئيساً، فهذا يعني منحه تفويضاً بإجراء جراحة عميقة، في هيكل الحكم الذي فرضته الفترة الانتقالية منذ 2019، تفويضاً يمنحه الحق في إلغاء مجلس السيادة.
2026-09-21

شمائل النور

كاتبة صحافية من السودان


شارك
مدينة نيالا في جنوب دارفور - السودان

جدل، رفض واسع، وسخرية في أعقاب طرح مبادرة لتهيئة الأجواء؛ لعقد حوار سياسي أُطلق عليه أنه سوداني - سوداني، بينما يبدو أنه مقابل أو بديل للمنابر الخارجية التي توسعت مؤخراً، في مساعٍ إلى إنهاء الحرب في السودان بعد دخولها عامها الرابع.

لجنة مكونة من عدد من الشخصيات المستقلة تنظيمياً، من بينها أكاديميون وقانونيون وصحافيون وسياسيون مستقلون، كانوا أعضاء في بعض التنظيمات السياسية. اللجنة قدمت نفسها على أنها مستقلة، وأنها تسعى إلى تهيئة المناخ لإجراء حوار سياسي، لكنها اصطدمت منذ الإعلان عنها بعدة مطبات، ربما كان في مقدمتها الرفض الواسع، لهذه المبادرة المشكوك في استقلاليتها عند كثير من القوى السياسية، على الرغم من أن اللجنة قالت إن المبادرة تأسست بشكل ذاتي، واستجابت لها الحكومة السودانية التي تمثلها قيادة الجيش. ومباشرة، أعلنت السلطات عن تجميد البلاغات المدونة ضد السياسيين، الذين يتهمهم الجيش بمساندة قوات الدعم السريع.

يأتي الإعلان عن مبادرة الحوار بتزامن متصل مع تصريحات وأنشطة تبدو عفوية، إلا أنها منظَّمة ومرتَّب لها، تسعى إلى تنصيب رئيس مجلس السيادة، قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، رئيساً للبلاد، وهو ما يُنبئ بأن لجنة الحوار ربما تكون حلقة من ترتيبات الدفع بالبرهان رئيساً لفترة طويلة.

لكن بعيداً عن جدل الاستقلالية وطرح الأسئلة الفرعية، فإن السؤال المفتاحي والأكثر تعقيدا هو: "الحوار بين من ومع من"؟ فالحوار الذي يتطلع إليه الناس، والذي من المفترض أن يقود إلى إنهاء الحرب، هو حوار بين الطرفين المتحاربين الرئيسيين، الجيش وقوات الدعم السريع. غير أن المطروح حالياً هو حوار بين المتحالفين داخل معسكر الداعمين للجيش، وهو الأمر الذي طرح السؤال الجوهري: هل انتهت العمليات العسكرية، وبالتالي انطوت صفحة الحرب واستقرت الخارطة على مناطق السيطرة الحالية لكل طرف؟

محاور قتال مشتعلة ودعوات إلى تنصيب البرهان

الترتيب المنطقي يبدأ من الوضع العسكري والعملياتي. ففي الواقع لا تزال العمليات العسكرية دائرة في جبهتين رئيسيتين، النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، حيث شهد هذا الإقليم المتاخم لإثيوبيا توغلاً لقوات الدعم السريع، بشكل أوسع خلال الأشهر الأخيرة، فيما تتقلب العمليات العسكرية، في إقليم كردفان الفاصل أواسط البلاد عن إقليم دارفور.

في المقابل لا يزال الجيش وقوات الدعم السريع يشهران خيار الحسم العسكري، واستمرار العمليات على الرغم من تأرجحها في بعض المحاور.

هل يقوم البرهان في السياق نفسه بإلغاء اتفاقية سلام جوبا، الموقعة بين الحكومة والحركات المسلحة التي تساند الجيش الآن في حربه. وهذا إن تمَّ، سيؤدي الى حدوث خلخلة في التحالف بين الجيش وحركات دارفور، تترتب عليه تبعات أكثر تعقيداً في المشهد العسكري والسياسي، بل والاجتماعي. وقد حذَّرت الحركات المسلحة من المساس بالاتفاقية 

اتخذت القوة المشتركة موقفاً صريحاً، حينما بدأت بوادر هدنة تلوح في الأفق، فأعلنت عن رفضها القاطع لأية هدنة تعترف بالواقع الحالي، حيث تسيطر قوات الدعم السريع على دارفور وأجزاء من كردفان، فيما يسيطر الجيش على ما تبقى من أجزاء البلاد، وتنظر القوة المشتركة بعين الحذر إلى المساعي الدولية، مخافة الاعتراف بالخارطة الحالية، خاصة وأن قوات الدعم السريع وحلفاءها مضوا في تشكيل حكومة في مدينة نيالا بجنوب دارفور

لكن اللافت في الأمر أن الإعلان عن مبادرة الحوار يأتي بتزامن متصل، مع تصريحات وأنشطة تبدو عفوية، إلا أنها منظَّمة ومرتَّب لها. تسعى هذه الأنشطة إلى تنصيب رئيس مجلس السيادة، قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، رئيساً للبلاد، وهو ما ينبئ بأن اللجنة ربما تكون حلقة من ترتيبات الدفع بالبرهان رئيساً لفترة طويلة.

في خضم هذا، نقلت الصحافة المصرية تصريحات لرئيس هيئة الأركان في الجيش السوداني، ياسر العطا، التي قال فيها بوضوح غير مسبوق، إن القوات المسلحة ستدفع في اتجاه بقاء رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، على رأس السلطة لعدد من الدورات، منعاً لانهيار الدولة، فيما أعلنت مجموعة شبابية، عن مبادرة لترشيح البرهان رئيساً للبلاد. وقد يقول قائل: كيف يكون البرهان رئيساً للبلاد وهو الآن على رأس السلطة؟

لكن هذه المساعي المحلية المتواصلة تأتي أيضاً ضمن وصفة دولية موضوعة أمام طاولة البرهان، بحيث تصبح طبيعة الحكم رأسية، بدلاً من الهيكل الأفقي، الممثَّل في مجلس سيادة مكوَّن من عدة أعضاء، مما خلق مراكز نفوذ متعددة ومتضاربة. لذا، فحينما تتبارى المبادرات المصنوعة لتنصيب البرهان رئيساً، فهذا يعني منحه تفويضاً بإجراء جراحة عميقة، في هيكل الحكم الذي فرضته الفترة الانتقالية منذ 2019، تفويضاً يمنحه الحق في إلغاء مجلس السيادة، وهو ما يقوده بالضرورة إلى إجراء الجراحة نفسها، على اتفاقية سلام جوبا، الموقعة بين الحكومة والحركات المسلحة التي تساند الجيش الآن في حربه. وهذا إن تمّ، يعني بكل وضوح حدوث خلخلة في التحالف بين الجيش وحركات دارفور، ما يترتب عليه تبعات أكثر تعقيداً في المشهد العسكري والسياسي، بل والاجتماعي. في المقابل، ظلت الحركات المسلحة تحذِّر من المساس باتفاقية جوبا، ما يعني أن أية خطوة، في هذا الاتجاه، ربما تلقي بظلال سلبية داخل هذا الحلف، وليس بعيداً أن تنتهي بموجة جديدة من المواجهات.

رفض واسع ومخاوف من التقسيم

في أول رد فعل عنيف من أبرز حلفاء الجيش، رفض حاكم إقليم دارفور المشرف العام للقوة المشتركة، مني أركو مناوي، مبادرة تهيئة الأجواء لحوار سوداني – سوداني. ومناوي، إلى جانب قيادته قوة عسكرية رئيسية مسانِدة للجيش، فهو يقود كتلة سياسية رئيسية متحالفة مع الجيش في حربه ضد قوات الدعم السريع. يرفض مناوي إجراء حوار في ظل سيطرة قوات الدعم السريع على إقليم دارفور، ومناطق شاسعة في كردفان، إلى جانب التوغل الجديد في إقليم النيل الأزرق، معتبراً مثل كثيرين أن هذا الحوار هو تمهيد لتسوية تنتهي بـ"سيناريو ليبي"، يمنح حكم دارفور لقوات الدعم السريع وحلفائها، بينما يحكم الجيش شمال وسط، وشرق البلاد.

تصريحات المشرف العام للقوة المشتركة أحدثتْ ردود فعل واسعة، داخل معسكر المساندين للجيش، وأظهرت اختلافاً واضحاً في تصورات ورؤى إنهاء الحرب، أو حتى حكم البلاد في ظل استمرار الحرب.

وفي وقت سابق ليس ببعيد، اتخذت القوة المشتركة موقفاً معلناً وصريحاً، حينما بدأت بوادر هدنة تلوح في الأفق، فأعلنت عن رفضها القاطع لأية هدنة تعترف بالواقع الحالي، حيث تسيطر قوات الدعم السريع على دارفور وأجزاء من كردفان، فيما يسيطر الجيش على ما تبقى من أجزاء البلاد، وتنظر القوة المشتركة بعين الحذر إلى المساعي الدولية، إذ تتصاعد المخاوف من الاعتراف بالخارطة الحالية، خاصة وأن قوات الدعم السريع وحلفاءها مضوا في تشكيل حكومة في مدينة نيالا بجنوب دارفور، وقد بدأت فعلياً ملامح اعتراف شعبي واسع بهذا المشهد، وإن كان بحكم الأمر الواقع الذي لم يخترْهُ الناس.

وعلى تأكيد أن أية مساعٍ إلى تهيئة الأجواء لأي حوار، سياسيّاً كان أم اجتماعيّاً، في بلد أكثر ما يحتاج إليه الآن هو رتق نسيجه الاجتماعي الذي مزقته الحرب، يبقى خيار الحوار السياسي في ظل استمرار العمليات العسكرية عاملاً حاسماً، في تكريس تقسيم جغرافي، مُعترِف بخارطة عسكرية فرضها الأمر الواقع. وهو أمر يعزز بالضرورة من فرضية الاعتراف بحكومتين في مناطق نفوذ مستقلة، منطلِقة من خطوط السيطرة الحالية.

مقالات من السودان

للكاتب/ة