انحسار النيل في السودان… سد النهضة في قلب المعركة

الانحسار المفاجئ للنيل، إلى درجة ظهور ألسنة رملية في بعض المناطق، أدى بشكل مباشر إلى نقص حاد في المياه، إذ ضرب العطش مناطق واسعة من الخرطوم، بعد خروج بعض محطات المياه في الولاية من الخدمة تماماً أو تراجع طاقتها إلى النصف، ما أدى إلى انقطاع واسع للمياه. ولم تُصدِر هيئة مياه الخرطوم أي بيان إضافي بعد بيان وزارة الري، التي سارعت إلى زيادة التصريفات من بعض الخزانات، لحل أزمة العطش على الرغم من أن هذا الآن هو موسم تخزين المياه.
2026-08-06

شمائل النور

كاتبة صحافية من السودان


شارك
انحسار المياه في مجرى نهر النيل في السودان يتسبب بتوقف اشتغال محطات الضخ

من جديد، يتصدر سد النهضة الإثيوبي المشهد في السودان، السد الذي لم يكمل عاماً منذ افتتاحه رسمياً في أيلول/ سبتمر 2025 ، تَحوَّل إلى متهم رئيسي في انحسار النيل الأزرق، الذي شهدته عدة مناطق في السودان، على الرغم من أن الموقف الرسمي الثابت للسودان منذ مفاوضات السد، ظلّ على الحياد تماماً، على عكس موقف مصر، التي تخشى تضرر حصتها المائية.

وعلى ذلك، وفي تطور غير مسبوق، أعلنت وزارة الري السودانية عن أنها رصدت انخفاضاً مؤقتاً في الوارد اليومي، لبحيرة خزان الروصيرص جنوب شرقي السودان، الذي يبعد عن سد النهضة حوالي 100 كلم، وذلك خلال الفترة من 7 إلى 9 تموز/ يوليو 2026، حيث انخفض الوارد من 207 مليون متر مكعَّب يومياً إلى 129 مليون متر مكعب، أي بنقص بلغ 76 مليون متر مكعب يومياً.

انعكس هذا الانخفاض على التصريف خلف الخزان، بمقدار 100 مليون متر مكعب يومياً، وخلف خزان سنار الواقع شمال خزان الروصيرص بحوالي 82 مليون متر مكعب يومياً، خلال الفترة من 7 إلى 10 تموز/ يوليو 2026. والنتيجة وفقاً لبيان وزارة الري، هبوط مؤقت في مناسيب النيل في عدد من المحطات الرئيسية، على الرغم من أن المناسيب في المناطق شمال الخرطوم لا تزال أعلى من مستوياتها المسجّلة خلال العام السابق.

وقد أنشئ خزان الروصيرص عام 1966 على بعد 550 كيلو متراً جنوب الخرطوم لأغراض الري وتوليد الكهرباء. وإلى ذلك، فإن هذا الخزان الذي يبعد حوالي 100 كلم من سد النهضة، يُعدُّ خط الدفاع المائي الأول للسودان، علاوة على رفده خزان سنار الواقع شماله في تخزين المياه لري مشروع الجزيرة الزراعي، وسط البلاد، الذي تبلغ مساحته 2.2 مليون فدان.

انتقل التوتر السياسي بين البلدين إلى ملف المياه، واتخذت قوات الدعم السريع مؤخراً الأراضي الإثيوبية منصة انطلاق لمسيرات، بعد اجتياحها مدينة الكرمة الحدودية، قبل أن يستردها الجيش. وتدعم إثيوبيا، التي يربطها تحالف مع الإمارات العربية المتحدة، قوات الدعم السريع، فيما تقاتل مجموعات من جبهة التغراي إلى جانب الجيش السوداني، وهو ما دفع بالتوترات بين البلدين إلى تصعيد متسارع.

وتكمن الأزمة الحالية في تأخر وارد نهري الدندر والرهد، وهما رافدان رئيسيان للنيل الأزرق، قبل أن يلتقي مع النيل الأبيض في الخرطوم، ويشكلان نهر النيل الواصل شمالاً حتى مصر. ويسهم النيل الأزرق ب 60 في المئة من مياه النيل.

العطش يضرب مناطق واسعة في الخرطوم

الانحسار المفاجئ للنيل، الذي شوهد على الأرض إلى درجة ظهور ألسنة رملية في بعض المناطق، أدى بشكل مباشر إلى نقص حاد في المياه، إذ ضرب العطش مناطق واسعة من الخرطوم، بعد خروج بعض محطات المياه في الولاية من الخدمة تماماً أو تراجع طاقتها إلى النصف، ما أدى إلى انقطاع واسع للمياه. ولم تُصدِر هيئة مياه الخرطوم أي بيان إضافي بعد بيان وزارة الري، التي سارعت إلى زيادة التصريفات من بعض الخزانات، لحل أزمة العطش على الرغم من أن هذا الآن هو موسم تخزين المياه.

أشارت أصابع الاتهام مباشرة إلى سد النهضة، إذ ذكرت الوزارة في بيانها أن هذا الانخفاض المفاجئ في مناسيب النيل يعود بصورة مباشرة إلى تراجع وارد النيل الأزرق، كنتيجة طبيعية لانخفاض تصريف سد النهضة الإثيوبي خلال تلك الفترة. ليس هذا فحسب، بل أكدت الوزارة أن انحسار أو فيضان مياه النيل وفروعه يُعد ظاهرة طبيعية، إلاَّ أن إنشاء سد النهضة أدى إلى تغيير في هيدرولوجيا النهر. وتبدأ عمليات الملء لسد النهضة في تموز/ يوليو حتى تشرين الأول/أكتوبر من كل عام.

اعلنت وزارة الري السودانية أنها رصدت انخفاضاً مؤقتاً في الوارد اليومي لبحيرة خزان الروصيرص جنوب شرقي السودان، الذي يبعد عن سد النهضة حوالي 100 كلم، وذلك خلال الفترة من 7 إلى 9 تموز/ يوليو 2026، حيث انخفض الوارد من 207 مليون متر مكعَّب يومياً إلى 129 مليون متر مكعب، أي بنقص بلغ 76 مليون متر مكعب يومياً.

أُنشِئ خزان الروصيرص عام 1966 على بعد 550 كيلو متراً جنوب الخرطوم لأغراض الري وتوليد الكهرباء. وإلى ذلك، فإن هذا الخزان الذي يبعد حوالي 100 كلم من سد النهضة، يُعدُّ خط الدفاع المائي الأول للسودان، علاوة على رفده خزان سنار الواقع شماله في تخزين المياه لري مشروع الجزيرة الزراعي، وسط البلاد، الذي تبلغ مساحته 2.2 مليون فدان. 

بلغت كلفة إنشاء السد الإثيوبي، الذي يُعد أكبر مشروع مائي في أفريقيا، 4 مليار دولار. ويبلغ عرضه 1.8 كيلو متراً وارتفاعه 145 متراً، فيما تصل سعته التخزينية إلى 74 مليار متر مكعب من المياه. ويُتوقَع أن يُنتج السد أكثر من 5 آلاف ميغاوات من الكهرباء، ما يعادل ضعف الإنتاج الحالي لإثيوبيا، هذا علاوة على الإيرادات السنوية المتوقع وصولها إلى مليار دولار.

أفتُتح السد رسمياً العام الماضي 2025، من دون التوصل إلى اتفاق مُلزِم بين إثيوبيا ودولتي المصب (السودان ومصر). ولم يلبِ السودان الدعوة إلى حضور الافتتاح، وهو الأمر الذي فُهم منه أنه رسالة، في ظل  توتر سياسي متصاعد بين البلدين بسبب الحرب في السودان.

اكتفت وزارة الري السودانية برد الأسباب إلى سد النهضة من دون الإشارة إلى وضع الخزانات، التي تعرضت لإهمال واسع خلال سنوات الحرب، ما أدى إلى فقدانها طاقتها القصوى في العمل. لكن يبدو أن التوترات السياسية بين الخرطوم وأديس أبابا، بسبب الاتهامات المتبادلة بينهما، والمتعلقة بتهم دعم طرف في القتال الدائر بين الجيش وقوات الدعم السريع، انتقلت بثقلها إلى معركة المياه بين السودان وإثيوبيا.

على الرغم من أن ذروة موسم الأمطار تقع في آب/ أغسطس، وأنه من المبكر تقييم الموسم، لكن التوقعات أشارت إلى انخفاض في معدل الأمطار لهذا العام. وعلى ذلك، فمن الثابت أيضاً أن وارد المياه شمال الخرطوم أعلى من المستوى، ما يعني أن لا مبرر منطقي للعطش الذي ضرب مناطق واسعة، إذ امتنعت الوزارة عن إيراد الأسباب الداخلية المتعلقة بأداء الخزانات ومدى جاهزيتها. 

هذا التطور المرعب الذي لحق بالسودان، أثار مخاوفَ وجدلاً واسعاً بين الخبراء، الذين ذهب بعضهم إلى أسباب أخرى داخلية إلى جانب مشكلة سد النهضة. لكن الوزارة اكتفت برد الأسباب إلى سد النهضة من دون الإشارة إلى وضع الخزانات، التي تعرضت لإهمال واسع خلال سنوات الحرب، والتي عطلت كثيراً من المؤسسات، ما أدى إلى فقدانها طاقتها القصوى في العمل. لكن يبدو أن التوترات السياسية بين الخرطوم وأديس أبابا بسبب الاتهامات المتبادلة بينهما، والمتعلقة بتهم دعم طرف في القتال الدائر بين الجيش وقوات الدعم السريع، انتقلت بثقلها إلى معركة المياه بين السودان وإثيوبيا، وهي معركة تمتلك فيها إثيوبيا سلاح المعلومات والبيانات.

إثيوبيا تُشهر سلاح المعلومات

على الرغم من أن ذروة موسم الأمطار تقع في آب/ أغسطس، وأنه من المبكر تقييم الموسم، لكن التوقعات أشارت إلى انخفاض في معدل الأمطار لهذا العام. وعلى ذلك، فمن الثابت أيضاً أن وارد المياه شمال الخرطوم أعلى من المستوى، وهذا ما أكدته المعلومات الرسمية، التي جاءت في بيان الوزارة، ما يعني أن لا مبرر منطقي للعطش الذي ضرب مناطق واسعة، إذ أمسكت الوزارة عن إيراد الأسباب الداخلية المتعلقة بأداء الخزانات ومدى جاهزيتها، ليبرز سؤال جوهري: هل الأزمة في المناسيب أو في التصريف؟.

وتشير المعلومات إلى أن إثيوبيا أمسكت عن توفير البيانات منذ شباط/ فبراير الماضي، فحدث الجفاف وكان غير متوقع لغياب البيانات، على الرغم من إمكانية التقييم والتقدير عبر الأقمار الصناعية. إثيوبيا فعلت الأمر نفسه في العام الماضي، حيث لم توفر المعلومات والبيانات لحكومة السودان، فكانت الفيضانات التي اجتاحت عدة مناطق في البلاد وقتذاك.

بين السودان وإثيوبيا اتفاق غير مُلزِم بتوفير البيانات والمعلومات المتعلقة بعمليات الملء والتصريف في سد النهضة، والتي على ضوئها تتمكن حكومة السودان من إدارة المياه والخزانات، لتفادي الجفاف كما الفيضانات. لكن من الواضح أن التوتر السياسي بين البلدين انتقل إلى ملف المياه، واتخذت قوات الدعم السريع مؤخراً الأراضي الإثيوبية منصة انطلاق لمسيرات، بعد اجتياحها مدينة الكرمة الحدودية، قبل أن يستردها الجيش، وتدعم إثيوبيا، التي يربطها تحالف مع الإمارات العربية المتحدة، قوات الدعم السريع، فيما تقاتل مجموعات من جبهة التغراي إلى جانب الجيش السوداني، وهو ما دفع بالتوترات بين البلدين إلى تصعيد متسارع.

أمسكت إثيوبيا عن توفير البيانات منذ شباط/ فبراير الماضي، فحدث الجفاف وكان غير متوقع لغياب البيانات، على الرغم من إمكانية التقييم والتقدير عبر الأقمار الصناعية. إثيوبيا فعلت الأمر نفسه في العام الماضي، حيث لم توفر المعلومات والبيانات لحكومة السودان، فكانت الفيضانات التي اجتاحت عدة مناطق في البلاد وقتذاك.

ومن الجانب الآخر تمثل مصر حليفاً رئيسياً للجيش السوداني، وهو الأمر الذي تعده إثيوبيا مُهدِّداً لها. ويبدو أن تأثير التحالف بين مصر والسودان من جهة، وبين إثيوبيا وقوات الدعم السريع من جهة أخرى في سياق الحرب الحالية، دفع الخرطوم إلى التقارب أكثر مع مصر في ملف المياه، إذ قاطع السودان حفل الافتتاح الرسمي في ما يبدو مجاملة لمصر. هذا التداخل المعقَّد للسودان، الذي فاقمته الحرب، قد يدفعه إلى الوقوع ضحية ابتزاز من قبل إثيوبيا ومصر بالمقدار نفسه.

... يبقى أن الحل المثالي للسودان هو تطوير الوثيقة بينه وإثيوبيا، وتحويلها إلى اتفاق قانوني مُلزِم لإثيوبيا بتوفير البيانات، وفوق ذلك يجب على حكومة السودان فصل ملف المياه عن الملفات السياسية والعسكرية.

مقالات من السودان