واقع جديد يتشكل في السودان بعيداً عن أنظار الإقليم والعالم المنغمس في مساعيه الى وقف الحرب الإيرانية - الإسرائيلية الأمريكية.
مع دخول حرب السودان عامها الرابع، شهدت الشهور الأخيرة انشقاقات قيادات بارزة في قوات الدعم السريع، وانضمامها إلى الجيش، وسط احتفاء واسع في الأوساط الرسمية والمساندة للجيش. كانت مثل هذه الانشقاقات متوقعة لطبيعة التركيبة العشائرية في هذه الميليشيا، إلا أنها بدت تسير على نمط محدد ينبئ بتأسيس مشهد مغاير داخل الكتلة العسكرية والسياسية المسانِدة والمتحالفة مع الجيش في حربه ضد قوات الدعم السريع، وهو ما يقود إلى تشكيل معادلة جديدة تحكم هذا المعسكر وتعيد ترتيب مجموعاته السياسية.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تمثِّل هذه الانشقاقات مرايا لتصدع قبلي داخل قوات الدعم السريع، لكن من دون أن يُحدث ذلك تأثيرات عسكرية ميدانية ظاهرة.
الحرب في السودان أمام مفترق طرق
08-01-2026
وينطلق الجيش في هذا الصدد من دوافع تبدو بعيدة عن الأهداف العسكرية والسياسية الظاهرة. فهو مهموم بضبط المعادلة الإثنية الجهوية في المشهد السياسي أكثر من دوافعه العسكرية، وحينما نقول "الجيش" نشير بوضوح إلى العقلية المركزية للدولة، ذات التحالف التاريخي مع القبائل العربية في دارفور وكردفان غربي البلاد.
الدعم السريع..تركيبة قابلة للانشقاقات
تشكلت قوات الدعم السريع في الأصل على أساس قبلي وعشائري. ومنذ نسختها الأولى قبل أن تتحور إلى "دعم سريع"، فإن قوات حرس الحدود بقيادة قائدها المؤسِّس، موسى هلال، تتشكل من مجموعات عرقية عربية. تحالفت الحكومة المركزية آنذاك مع هلال المنتمي إلى عشيرة المحاميد، وهي إحدى فروع قبيلة الرزيقات التي ينتمي إليها أيضاً قائد قوات الدعم السريع الحالي. وحينما انفجر الصراع المسلح في دارفور عام 2003، برز هذا التحالف العسكري في ظاهره، الإثني في باطنه، ولعب دوراً محورياً في حرب دارفور.
واتخذ هذا الحلف التاريخي بين الخرطوم والقبائل العربية في دارفور بعداً استراتيجياً، وقبل "حرس الحدود"، كان هناك ما يعرف بـ "قوات المراحيل" إبان تمرد الحركة الشعبية في جنوب السودان في الثمانينات من القرن الفائت.
أورثت هذه السياسات المركزية رد فعل عنيف وسط المكونات ذات الأصول الزنجية، وهو ما قاد لاحقاً الى تأسيس حركات متمردة في دارفور وكردفان ذات طابع عرقي، كرد فعل لهذه السياسات. وإزاء هذا التمرد الذي بلغ ذروته خلال فترة حكم عمر البشير، عضدت الحكومة المركزية حلفها مع القبائل العربية والتي عرفت وقتذاك بـ "الجنجويد"، وهي قوات سيئة السمعة قادها موسى هلال لمساندة الجيش في ضرب الحركات المتمرِدة، واتخذت الحرب في دارفور طابعاً عرقياً قاد إلى تهم بالإبادة الجماعية ضد العرقيات الزنجية. وهذه التهم لا تزال تلاحق عمر البشير وأعوانه.
تُمثِّل الانشقاقات في قوات الدعم السريع مرايا لتصدع قبلي، لكن من دون أن يُحدث ذلك تأثيرات عسكرية ميدانية ظاهرة. بينما ينطلق الجيش من دوافع تبدو بعيدة عن الأهداف العسكرية والسياسية الظاهرة. فهو مهموم بضبط المعادلة الإثنية الجهوية في المشهد السياسي أكثر من دوافعه العسكرية، وحينما نقول "الجيش" نشير بوضوح إلى العقلية المركزية للدولة، ذات التحالف التاريخي مع القبائل العربية في دارفور وكردفان غربي البلاد.
وبعدما تمدد موسى هلال وصار طموحه مقلقاً للحكومة المركزية، اتجهت هذه الأخيرة لكبح جماحه بأحد تلامذته وأبناء عمومته، حيث أسست قوة يقودها محمد حمدان دقلو تحت إشراف جهاز الأمن الوطني. وكان يُنظر إلى دقلو وقتذاك كترياق لطموح هلال، وقد كبح فعلياً طموح زعيم المحاميد، موسى هلال، الذي انتهت أسطورته ببروز عشيرة حميدتي على رأس جيش قبلي موازٍ مدعوم بلاحدود من الحكومة المركزية.
على هذا الأساس العشائري نشأت التشكيلات العسكرية المتحالفة مع الجيش المركزي. وبعد سقوط البشير وصعود دقلو على سدة الحكم ضمن شراكة عسكرية -مدنية، فإن أول ما فعله هو ضمان ولاء زعماء القبائل، وقد أغدق عليهم بالعطايا، ومنحوه كامل ولائهم.
وحينما انفجرت حرب 15 نيسان/ أبريل، لم تتردد هذه القبائل في دعمه وتحشيد أبنائها للقتال بجانب دقلو في حربه ضد الجيش.
ولاء مؤسَسي هشّ أمام عصبية القبيلة
على الرغم من هذا الولاء القبلي لقوات الدعم السريع، لكن ما أن تقع مظلُمة على أحد عناصر الدعم السريع إلا وتداعت له قبيلته أو عشيرته لنصرته، ضد المكون القبلي الآخر، أو حتى ضد قيادة الدعم السريع، فتنهار هنا روابط المؤسسة لصالح الروابط القبلية. وقد جرت عدة اشتباكات بين مكونين قبليين يتقاتلان بسلاح قوات الدعم السريع دون أي تدخل من قيادة هذا الأخير.
وهذه الدوافع هي نفسها التي قادت الى انشقاق القائد البارز النور القبة نيسان/أبريل الماضي وانضمامه إلى الجيش.
القبة المنتمي إلى عشيرة المحاميد واجه تهميشاً داخل قوات الدعم السريع، وحُرم من مكاسب عديدة، واستمر هذا الوضع لأكثر من خمسة أشهر، بعدها تمكن الجيش من تحييده. ويعتبر القبة أحد القيادات الفاعلة ميدانياً ويمثل مفعلاً ("دينامو") في التوازنات القبلية والعسكرية في هذا الإقليم المضطرب. ولعب القبة دوراً رئيسياً في العمليات في الفاشر التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 ، كآخر معاقل الجيش والقوة المشتركة في دارفور.
ويتضح من خلال الصور التي أظهرت قائد الجيش عبد الفتاح البرهان برفقة القبة، أن العلاقة أعمق مما يتوقع عامة الناس، وربما كان القبة عنصراً فاعلاً داخل قوات الدعم السريع لصالح الجيش عبر تزويده بالمعلومات منذ فترة طويلة.
أورثت السياسات المركزية رد فعل عنيف وسط المكونات ذات الأصول الزنجية، وهو ما قاد لاحقاً الى تأسيس حركات متمردة في دارفور وكردفان ذات طابع عرقي، كرد فعل لهذه السياسات. وإزاء هذا التمرد الذي بلغ ذروته خلال فترة حكم عمر البشير، عضدت الحكومة المركزية حلفها مع القبائل العربية والتي عرفت وقتذاك بـ "الجنجويد".
نشأت التشكيلات العسكرية المتحالفة مع الجيش المركزي على أساس عشائري. وبعد سقوط البشير وصعود دقلو على سدة الحكم ضمن شراكة عسكري -مدنية، فإن أول ما فعله هو ضمان ولاء زعماء القبائل، وقد أغدق عليهم بالعطايا، ومنحوه كامل ولائهم. وحينما انفجرت حرب 15 نيسان/ أبريل، لم تتردد هذه القبائل في دعم وتحشيد أبنائها للقتال بجانب دقلو في حربه ضد الجيش.
وانشق أيضاً القائد على رزق الله المعروف بـ "السافنا"، وهو أيضا ينتمي إلى عشيرة المحاميد. وتحتفظ وسائل التواصل الاجتماعي بعدد من التسجيلات الصوتية للسافنا ينتقد فيها قيادة الدعم السريع، وإهمالها للجرحى، واتباع سياسة المحاباة القبلية، وهو ما دفعه إلى مغادرة صفوفها والانضمام الى الجيش.
ويبدو أن الجيش استغل غضب قيادات عشيرة المحاميد، حلفاء الجيش التاريخيين، وبالمقابل فإن دقلو لا يضع ثقته الكاملة في عناصر المحاميد المنتمي إليها غريمه موسى هلال.
وقبلهما انشق قائد قطاع الجزيرة، أبو عاقلة كيكل، في تشرين الأول/ أكتوبر 2024. وكان كيكل قد انضم الى قوات الدعم السريع بعد أيام معدودة من انطلاق الحرب. كيكل في الأساس كان يتبع الجيش بشكل أو بآخر، حيث شكّل مع آخرين قوة درع السودان كأول قوة مسلحة في وسط البلاد، ودوافع تأسيس هذا الدرع كانت لإحداث موازنة جهوية مع صعود حركات دارفور إلى سدة المشهد بعد سقوط البشير.
صعود حركات دارفور…استشعار مخاوف
منذ سقوط حكومة عمر البشير في 2019، صعدت مجموعات المعارضة إلى واجهة المشهد، كأحزاب سياسية أو حركات مسلحة. وقد تشكلت غالبية الحركات المسلحة في السودان على أساس عرقي جهوي مناهض لحكومة المركز، التي يُعتقَد على نطاق واسع أنها تمثّل نخبة عرقية محددة. وبعد سقوط البشير جاءت جميع هذه التشكيلات مدفوعة بمظالمها التاريخية ذات الطبيعة الإثنية الجهوية. وهناك نحو خمس حركات مسلحة من دارفور تمثّل الكتلة الرئيسية في المعارضة المسلحة التي وصلت الى الحكم بعد سقوط البشير.
مع انهيار حلف الخرطوم - حميدتي، بعدما قرر دقلو هدّ المعبد بمن عليه في حرب أبريل، فقدت الخرطوم حليفها التاريخي العربي، وقبلها طبعاً كانت قد ضحّت بهلال لأجل دقلو. وتجدر الإشارة إلى أن الأجهزة العميقة المتمسكة بالعقلية المركزية حريصة كل الحرص على الحفاظ على حلف دارفوري -عربي، مقابل الصعود المتنامي لحركات دارفور المسلحة ذات الطبيعة القبلية أيضاً.
خلطت حرب أبريل الأوراق، فانحازت حركات دارفور الرئيسية إلى الجيش بعد شهور طويلة من الحياد، إلا أن هذا الانحياز الذي قاد إلى تحالف سلطوي، ظل هشاً محفوفاً بالغدر والشعور المتصاعد بالتهميش من جانب الحركات، حتى وهي داخل هياكل الدولة، مقابل مخاوف متنامية من انقلاب إثني جهوي في مشهد ظل ثابتاً منذ استقلال البلاد في 1956.
مع انقلاب هذا المشهد، يبدو أن العقلية المركزية المتحكمة في البلاد استشعرت خطراً ما، فعملت على وقف هذا المد، أو ضبطه، فاتجهت إلى محاكاة الواقع الدارفوري، وذلك بتأسيس حركات في الوسط والشمال تنادي بمطالب مناطقية على النسق نفسه.
ومع انهيار حلف الخرطوم - حميدتي، بعدما قرر دقلو هدّ المعبد بمن عليه في حرب أبريل، فقدت الخرطوم حليفها التاريخي العربي، وقبلها طبعاً كانت قد ضحّت بهلال لأجل دقلو. وتجدر الإشارة إلى أن الأجهزة العميقة المتمسكة بالعقلية المركزية حريصة كل الحرص على الحفاظ على حلف دارفوري -عربي، مقابل الصعود المتنامي لحركات دارفور المسلحة ذات الطبيعة القبلية أيضاً.
وعلى الرغم من أن حرب أبريل خلطت الأوراق، فانحازت حركات دارفور الرئيسية إلى الجيش بعد شهور طويلة من الحياد، إلا أن هذا الانحياز الذي قاد إلى تحالف سلطوي، ظل هشاً محفوفاً بالغدر والشعور المتصاعد بالتهميش من جانب الحركات، حتى وهي داخل هياكل الدولة، مقابل مخاوف متنامية من انقلاب إثني جهوي في مشهد ظل ثابتاً منذ استقلال البلاد في 1956.




