السودان: "كراهية نائمة" أيقظتها حرب أبريل

يبدو أن استمرار الحرب التي تدخل عامها الرابع، ليس قرار حَمَلة البنادق وحدهم، بل أن المجتمع نفسه فاعل رئيسي في ذلك، حينما تتصدر قياداته الأهلية المنصات، وتمارس خطاب كراهية وعنصرية وسط تأييد مناطقي واسع. وعلى الرغم من أن الحرب أحدثت دماراً غير مسبوق على كافة المناحي، إلا أن الكراهية صارت أكثر انتشاراً من ذي قبل... وكل ذلك يحدث بحجة "الحفاظ على الحقوق!
2026-04-23

شمائل النور

كاتبة صحافية من السودان


شارك
الصادق عجينة - السودان

أعاد مقطع فيديو متداوَل على منصات التواصل الاجتماعي في السودان، النقاش حول الدور الفاعل لخطاب الكراهية في هذه الحرب التي أكملت عامها الثالث فتكاً بالبلاد.

المتحدث في الفيديو أظهر رفضاً مشدَّداً لوجود نازحين في منطقته مستخدِماً لغة حادة، عدّها كثيرون أنها كراهية وعنصرية، بينما قابل البعض هذا الفيديو بترحيب كبير، انطلاقاً من حجة الحقوق المناطقية في دولة تآكلت ملامحها واحتمت مجتمعاتها بالحواضن المناطقية والقبلية.

بغض النظر عن كل ذلك، إلا أن الفيديو فتح الباب مجدداً للنقاش الواسع حول العنصرية والكراهية وما فعلته خلال هذه الحرب. إذ لم تكن المسيّرات وحدها هي السلاح الفتَّاك في حرب السودان، بل كان خطاب الكراهية والعنصرية بشتى صنوفه وقوداً لهذه الحرب التي دخلت عامها الرابع، من دون بريقٍ يلوح في الأفق.

تهيئة وتعبئة مستمرة

قبيل حرب نيسان/ أبريل، خرج أحد قيادات دارفور وهو يشغل منصب نائب حاكم الإقليم، وأمام جموع من الجماهير، وبتشفٍّ واضح، كان يحاول تهيئة سكان دارفور لاستقبال نازحي الخرطوم، في إشارة إلى أن الحرب هذه المرة لن تشتعل في الأطراف التي اكتفت من الجحيم، بل ستشتعل في مركز البلاد. وطبعاً، تاريخياً نالت جغرافيا الخرطوم نصيباً وافراً من الكراهية السياسية/الإثنية. والخرطوم في خطاب هذا الرجل ليست مجرد عاصمة، بل هي "رمز استعلائي" يُقصَد به كل المكونات الاجتماعية، السياسية، والاقتصادية المنتمية إلى أواسط وشمال البلاد.

جاء حديث الرجل في سياق ردود الفعل الطبيعية للمظالم التاريخية التي تعرضت لها أطراف السودان بفعل سياسة الخرطوم. لكن تمّ توظيف هذه المظالم لإنتاج خطاب كراهية مضاد. كذلك، مارس بعض قادة الجيش خطاب كراهية وعنصرية ضد العرقيات المنتمية إلى قوات الدعم السريع. وتضم هذه القوات، المُشكَّلة على أساس قبلي، تشكيلة واسعة من القبائل العربية من إقليم دارفور وكردفان، على الرغم من أن بعض هذه العرقيات منقسم ومنحاز إلى الجيش.

مع غياب المشاريع الوطنية الجامعة، ووقوع الجميع في براثن العجز الوطني، وارتداد الناس إلى حواضنهم القبلية والمناطقية، لم تعد الكراهية السياسية وحدها كافية لتعبئة وإقناع الأنصار، فاحتاج الخطاب إلى بعض التوابل الجهوية، المناطقية والعرقية.

نجح خطاب الكراهية في تحويل الجار إلى "عدو"، والمواطِن إلى "غريب" داخل وطنه، مما جعل التعايش بين مختلف المكونات على المحك. وبلغت الحال مع هذا الخطاب المتفشي طيلة فترة الحرب إلى أن يخصص البعض تعاطفه الإنساني مع ضحايا الحرب على حسب انتمائهم القبلي أو الجغرافي. 

وتعج وسائل التواصل الاجتماعي بحسابات واسعة الانتشار لعناصر قوات الدعم السريع وأنصارهم بخطابات كراهية ممنهجة ضد مجموعات سياسية. لكنها لا تتوقف عند حدها السياسي بل تشمل مجتمعات هذه المجموعات السياسية، مما خلق حلقة مفرغة من "الكراهية المتبادلة"، وسط ترحيب وتصفيق لا يتوقف من أنصار كل الأطراف.

وكانت وسائل التواصل الاجتماعي ولا تزال، تشكِّل توجيهاً معنوياً شديد الفعالية، وجرى من خلالها تنميط واسع لبعض المكونات القبلية. وأجادت عناصر قوات الدعم السريع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتيكتوك) بفاعلية في نشر روايتها الرسمية في هذه الحرب، وهي رواية قائمة ضد مجموعات سكانية محددة لكنها مغلَّفة بثوب سياسي، مما حفّز بعض المؤسسات الرسمية على تشديد الإجراءات في استخراج الأوراق الثبوتية أو حتى في الحقوق الأخرى، التي وصلت في بعض المرات إلى الحرمان من الحق، مما عرَّض النسيج الاجتماعي كله للتفتت.

تاريخ طويل من الكراهية الممنهجة

خطاب الكراهية في السودان ليس مجرد انفعالات عابرة تنفست في فترات غضب، بل هو استراتيجية تبنتها النخب والقوى السياسية لتعبئة الأنصار، من خلال "شيطنة" الآخر، أو وضعه في مكانة اجتماعية أدنى، بناء على اختلاف لغته، ثقافته، دينه أو لونه.

والدولة السودانية نفسها تأسست على ثقافة أحادية، اعترفت فقط بالثقافة العربية الإسلامية، غاضة الطرف عن التنوع الواسع، الذي يزخر به السودان المتعدد عربياً، زنجياً ونوبياً.

وقد أسهمت الثقافة الشعبية في تنميط المكونات الاجتماعية تلك، عبر الأمثال الشعبية والدراما والكوميديا الساخرة. وتُتهم بعض المؤسسات بأنها حولت الكراهية إلى قوانين ولوائح داخل دواوين الدولة، وهو الأمر الذي قاد إلى أن تَكون ميزانية الدولة نفسها أداة عنصرية، أدت إلى توزيع غير عادل للموارد، ذلك قبل أن تعيد الحروب المتتالية في دارفور، وجنوب كردفان والنيل الأزرق، تعريف المواطَنة. فالدولة السودانية لم تكن محايدة تجاه التنوع.

ينساق الأفراد خلف ما يروِّجه زعماء القبائل أو قادة المجتمع، ليس بالضرورة لأنهم على قناعة به، بل تحاشياً لارتداد الخطاب نفسه عليهم، وخوفاً من النبذ من جماعتهم الخاصة. هذا الضغط الجماعي دفع الأشخاص دفعاً إلى تبني مواقف عنصرية حادة.

وخلال السنوات الأخيرة صار خطاب الكراهية السياسية، جزءاً لا يتجزأ من النشاط السياسي، وجرى تطبيع واسع مع هذه الخطابات السياسية التي تجد قبولاً لافتاً. ومع غياب المشاريع الوطنية الجامعة، ووقوع الجميع في براثن العجز الوطني، وارتداد الناس إلى حواضنهم القبلية والمناطقية، لم تعد الكراهية السياسية وحدها كافية لتعبئة وإقناع الأنصار، فاحتاج الخطاب إلى بعض التوابل الجهوية، المناطقية والعرقية، وتجلى هذا الخطاب المتشعب واسع الانتشار خلال حرب 15 نيسان/ أبريل، حيث وجدت بعض النخب العسكرية والسياسية أن استثارة العواطف العرقية أسهل وأسرع وسيلة للحصول على الولاء، من تقديم برامج سياسية عقلانية.

نجح هذا الخطاب في تحويل الجار إلى "عدو"، والمواطن إلى "غريب" داخل وطنه، مما جعل التعايش بين مختلف المكونات على المحك.

وبلغت الحال بخطاب الكراهية المتفشي طيلة فترة الحرب إلى أن يخصص البعض تعاطفه الإنساني مع ضحايا الحرب على حسب انتمائهم القبلي أو الجغرافي، ويرى أنصار الطرفين أن مناطق كل طرف هدفٌ مشروعٌ بكل من فيها، باعتبارهم حواضن! ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يتعداه إلى التحريض على أن تتحول المنطقة الفلانية إلى هدف، أو أن يعتبر أحدهم أنه إن لم تصل الحرب إلى مكونات اجتماعية بعينها فإنها لن تحقق أهدافها.

قاد هذا الوضع إلى تراجع مريع في الشعور بـ "المواطَنة" لصالح "القبيلة" أو "المنطقة"، إذ ينساق الأفراد خلف ما يروِّجه زعماء القبائل أو قادة المجتمع، ليس بالضرورة لأنهم على قناعة به، بل تحاشياً لارتداد الخطاب نفسه عليهم، وخوفاً من النبذ من جماعتهم الخاصة. هذا الضغط الجماعي دفع الأشخاص دفعاً إلى تبنّي مواقف عنصرية حادة.

ويبدو أن استمرار الحرب ليس قرار حمَلة البنادق وحدهم، بل أن المجتمع نفسه فاعل رئيسي في ذلك، حينما تتصدر قياداته الأهلية المنصات وتمارس خطاب كراهية وعنصرية وسط تأييد مناطقي واسع. وعلى الرغم من أن الحرب قد أكملت عامها الثالث وأحدثت دماراً غير مسبوق على كافة المناحي، إلا أن الكراهية صارت أكثر انتشاراً من ذي قبل... وكل ذلك يحدث بحجة "الحفاظ على الحقوق!

للكاتب/ة

الحرب في السودان أمام مفترق طرق

على الرغم من الزخم الكبير الذي صاحب استجابة الرئيس ترامب لطلب بن سلمان التدخل في السودان، إلا أن الأصوات سرعان ما خفتت، وانزوت هذه المبادرة، التي لم تتعدَ منصات الحديث...