متطوعو المهمّة الأصعب: توثيق ودفن قتلى الحرب المجهولين في السودان

يعمل المهندس الميكانيكي علي جباي (38 عاماً) متطوعاً منذ الأعوام ثلاثة أعوام ماضية، وما يزال، في تكفين ودفن قتلى الحرب في السودان، الذين ليس لديهم من يُكفِّنهم. يقدِّر علي أنه وفريقه قاموا بتكفين ودفن نحو 7000 شخص في السنوات الثلاث الماضية، حتى صار لديه جدول بيانات ضخم، يضمّ صوراً ومعلومات وأماكن دفن، تساعد أهل ومعارف القتلى على إيجادهم.
2026-04-30

شارك
المتطوع علي جباي في مستشفى النو في الخرطوم يقوم بتحضير جثمان للتكفين في غرفة مكيَّفة صغيرة (الصورة: أ ف ب)
إعداد وتحرير: صباح جلّول

في الفيلم الياباني "رحيل" (2008)، يخسر عازف تشيللو شاب وظيفته بسبب حلّ الأوركسترا التي يعزف فيها، فيقرر العودة إلى قريته للبحث عن عمل. يتقدم إلى وظيفة وجدها في إعلان جريدة، تحت عنوان "رحيل"، ظناً منه أنه إعلان لشركة سفريات، ليفاجأ بها وظيفة في تهيئة الموتى للدفن، عبر إلباسهم ثيابهم، وتكفينهم، وإقامة الطقوس لتحضيرهم لعالَم ما بعد الحياة بأفضل طريقة ممكنة. مع الوقت، يصير العازف مكفِّن موتى محترفاً، مقدِّراً لوظيفته وأهميتها، ومصرّاً على إنجازها بكفاءة واحترام شديد للأرواح المغادِرة..

ذاكَ فيلمٌ درامي، لكن في عالم الواقِع، قد يصعب تصديق أن هناك مَن يقوم بمهمة كهذه، مبتعداً بدوره عن مسار عمله الأساسي، وفي ظروف رهيبة لا تشبه بأي شكلٍ ظروف الأمان والهدوء التي تتوفر لبطل الفيلم المتخيَّل. وفوق ذلك، يقوم بعمله دونما أجر، ولكن بإصرار عجيب. يحدث هذا بالفعل، في السودان، وتحديداً في العاصمة الخرطوم، حيث عمل المهندس الميكانيكي علي جباي (38 عاماً) على مدى الأعوام الثلاثة الماضية، وما زال، في تكفين ودفن قتلى الحرب في السودان الذين ليس لديهم من يُكفِّنهم.

علي وفريق من رفاقه المتطوعين انتشلوا أو استقبلوا الجثث، وقاموا بمجهودات فردية لضمان توثيق الموتى من أجل عائلاتهم التي قد تتعرف عليهم لاحقاً، ومن أجل كرامة الموتى، وإن لم يأتِ أحد للتعرف عليهم. كل إنسان وكلّ روح تستحق منهم الاهتمام نفسه والتكريم.

علي جباي يُوصِل الأدوية للمرضى على دراجته النارية (الصورة: أ ف ب)

يعمل علي وفريقه بشكل منهجي بسيط لحفظ فعالية مهمّتهم الشاقة: تصل الجثث، فيصوّرونها، ويبحثون في جيوب الملابس عن أية وثائق أو أغراض تدل على هوية الشخص، وينتظرون 72 ساعة علّ أحد المعارف أو الأهل يأتون للتعرف على الجثة ومرافقتها للدفن. بعد انقضاء الأيام الثلاثة، يقوم علي بنشر الصور على صفحات خاصة على وسائل التواصل ليتمّ التعرف عليها من الباحثين عن مفقود، ثمّ يبدأ بتكفين الجثمان وتهيئته للدفن، ثم دفنه ووضع علامات مميَزة على القبر.

يقدّر علي أنه وفريقه قاموا بتكفين ودفن نحو 7000 شخص في السنوات الثلاث الماضية، حتى صار لديه جدول بيانات ضخم، يضمّ صوراً ومعلومات وأماكن دفن، تساعد أهل ومعارف القتلى على إيجادهم.

بدأ عمل علي جباي وفريقه استجابة لحاجة مُلِحّة شهِدوا عليها بأنفسهم، إثر اشتداد المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وكثرة المجازر التي خلّفت قتلى بدأت جثثهم تتعفّن في الطرقات، دون أن تتولّى أية جهة مهمّة انتشالهم ودفنهم، فكان أن بادر الشباب للعمل على دفن "مجهولي الهوية" بكرامة.

حالياً، يعمل على جباي في غرفة صغيرة في مستشفى النو في الخرطوم. يحدث أن تقتظّ أرضياتها بالجثث المغطاة بالأقمشة والأكياس، لكنّ علي ورفاقه مستمرون.

في مقابلة مصوَّرة مع موقع "بي بي سي عربي"، يحكي علي جباي عن تجربته في هذه المهنة المضنية. يقول إنه موجود في المستشفى منذ أول أيام الحرب وإنه من الشباب الذين أعادوا فتح المستشفى في المقام الأول، ومذّاك رأى كل ما يمكن أن يُرى: "يجيك جثمان مبتور من النصف… جثمان من غير رأس، أو مجرد أشلاء. يجيك جثمان محروق مثل حرق الطائرة، أو من التدوين (القصف)، كما حدث في الأسواق، وغيره، وغيره… أحياناً لا تستطيع أن تعرف، هل هو جثمان رجل أم امرأة، طفل أم رجل كبير؟ بصراحة، تكون المناظر بشعة جداً جداً جداً".

في المشرحة…

يقول علي إن مناظر كثيرة هزّته، "لكن أصعبها هو عندما تستشهد أسرة كاملة". يصف مَشاهد تبقى "عالقة في الرأس"، لا يستطيع نسيانها منذ أول أيام الحرب، لكنه مع الوقت بات يعرف كيف يهدّئ نفسه: "أشعر بضغط نفسي داخلي شديد جداً، وأول ما أشعر بهذه الحالة، ألجأ فوراً إلى الصلاة والقرآن الكريم".

عمل ميداني تطوعي في غياب البدائل

حسب تقرير للموقع السويسري "سويس إنفو"، تعاني مشارح الخرطوم من ضعف في القدرة الاستيعابية منذ ما قبل الحرب، وبالتالي فالوضع في الحرب صار كارثياً في ظلّ مشاكل البنى التحتية، ومع خروج عدد من المشارح من الخدمة، حسب ما صرّحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر. إضافة الى ذلك، عانت المشارح خلال الحرب من انقطاع الكهرباء وتحلل الجثث، وتحوّل الوضع فيها إلى كارثي، كما تُركت المشارح تماماً في ظل المخاطر الأمنية في أماكن عدة، ما فاقم مِن مشكلات إحصاء ودفن الموتى. لائحة "المجهولين" و"المفقودين" كانت تطول..

مئتا ألف قتيل هي الحصيلة التقديرية لهذه الحرب الرهيبة التي يستحيل إحصاء قتلاها بدقة. نحو 11 ألف سموهم "مفقودين" لعدم توفّر معلومات عنهم، ويرجح أنهم من قتلى الحرب. هي حربٌ لا تحتل مساحة إعلامية كافية، ولا يهتم العالم بإيقافها بشكل سريع، فيُترك فيها السودانيون، سنة بعد سنة، لمصائرهم.

حسب تقرير "سويس إنفو" نفسه، استخرجت السلطات منذ سيطرة الجيش على الخرطوم نحو 28 ألف جثة من مقابر مؤقتة، عُرف بعضها وبقي كثيرها "مجهول الهوية". في غياب مخابر تحليل الحمض النووي، لا يبقى للأهل سوى التعرف المباشر عبر الصور والأغراض، إنْ وُجدت.

عمل علي جباي ورفاقه تحت كلّ الظروف. تحت القصف والقذائف، في أيام المجازر التي كانت ترسِل إليهم عشرات الجثث مرة واحدة، في الأماكن الضيقة، ومع شحّ الموارد التي تدعم عملهم.

هم نموذج يتكرر في السودان، لعمل مدني ميداني مقاوِم، يبدأ صغيراً بجهد مجموعة محدودة من الأشخاص، لكنه في غياب المؤسسات وقلة اكتراث المسؤولين أو تلاشي الأطر الرسمية، يحمل على أكتافه حماية النسيج الاجتماعي من التفكك والمجتمع من الانهيار الكامل.

نجد هذا النموذج في السيدات اللواتي يدرن تكايا الطعام، والشباب والشابات الذين يوزعون علب الأدوية على البيوت، وصولاً إلى مَن يتولّون إكرام الميت بدفنه وحفظ مكانه، كما يفعل علي جباي ورفاقه. هو يفتخر بأنه من "شباب الثورة"، فبكلماته، وكما صرّح لـ"فرانس برِس": "نحن الثوّار ضدّ كل هذا الهراء. بإمكاننا الرحيل غداً، لكن وطننا بحاجة إلينا، وهناك الكثير الذي ينبغي عمله".

مقالات من السودان