في صيف 2026، لم يعد البحث عن الماء في تونس يبدأ من الحنفية، بل من رفوف المتاجر. في عدد متزايد من المدن والأحياء، صار انقطاع ماء الشبكة العمومية يتزامن مع مشهد آخر لا يقل دلالة: مواطنون يبحثون عن قارورات الماء المعلَّب فلا يجدونها، ومحلات تحدد الكميات المسموح بشرائها، وسلطة عمومية تضطر إلى التدخل لضخ ملايين القوارير في السوق. ففي تموز/ يوليو وحده، سُجِّلت 608 بلاغات مرتبطة بأزمة الماء، منها 549 حالة انقطاع أو اضطراب غير معلَن في التوزيع، وتركزت بصورة خاصة في: نابل والمنستير والمهدية وسوسة وصفاقس. وفي نهاية آب/ أغسطس، أعلنت وزارة التجارة عن ضخ تسعة ملايين قارورة في أسواق تونس الكبرى لمواجهة النقص، بعدما صار الماء المعلَّب نفسه موضوع تدخل تنظيمي للدولة.
لكن المفارقة الحقيقية ليست أن تونس تعاني ندرة مائية، ولا أن موجات الحر رفعت الطلب، ولا حتى أن شبكة التوزيع القديمة صارت أكثر هشاشة أمام الأعطاب والضغط الموسمي. المفارقة أن الدولة لا تزال، رسمياً، تحتكر وظيفة إيصال الماء الصالح للشرب عبر مؤسسة عمومية تأسست سنة 1968، بينما أخذت وظيفة الشرب الفعلي تنفصل تدريجياً عن هذه الشبكة وتنتقل إلى السوق. هنا تبدأ قصة أخرى للأزمة: لم تُخصخص "الصوناد" (الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه)، ولم تُبع الشبكات لمستثمر خاص، لكن جزءاً أساسياً من الحق في الماء جرى تسليعه بصمت. فالأسرة تدفع فاتورة الماء العمومي للاستحمام والغسيل والطبخ، ثم تعود إلى السوق لتشتري الماء الذي تشربه. هكذا لا تقع الخصخصة دائماً بقرار حكومي أو عقد امتياز. قد تحدث حين يفقد المرفق العمومي إحدى وظائفه الاجتماعية الأساسية ويملأ السوق الفراغ.
لقد تشكل هذا التحول ببطء. فالزيادة في استهلاك المياه المعلَّبة لم تكن مجرد انعكاس لتحسن القدرة الشرائية أو تغيّر الأذواق، بل ارتبطت أيضاً بإعادة تعريف اجتماعية لما يُعد ماءً آمناً ونظيفاً وجديراً بالثقة. ومع تكرار الانقطاعات، وتفاوت جودة الماء وطعمه بين الجهات والمواسم، وتدهور أجزاء من الشبكات، صارت القارورة، بالنسبة إلى شرائح واسعة، نوعاً من التأمين الخاص ضد هشاشة الخدمة العامة. وفي صيف 2026، انكشفت حدود هذا النموذج نفسه: ارتفع الطلب على المياه المعلَّبة بحوالي 30 في المئة فوق المستويات الصيفية المعتادة، في بلد يتجاوز فيه الاستهلاك السنوي 1.2 مليار قارورة، بينما أثَّرت انقطاعات الكهرباء، ودرجات الحرارة القياسية، في قدرة وحدات الإنتاج على تلبية الطلب. وعندما تعطلت الحنفية والقارورة في الوقت نفسه، ظهر بوضوح أن السوق لم يحل أزمة الماء، بل أعاد تدويرها.
صارت واجهة الأزمة الحزام الساحلي، والمدن السياحية، والمراكز الحضرية الأكثر كثافة واستهلاكاً. غير أن هذه الخريطة لا تعني بالضرورة أن المدينة أكثر عطشاً من الريف، إنها تعني بالأحرى أن العطش في المدينة أكثر قابلية للتسييس. فالمدينة الحديثة بنت علاقة المواطن بالماء على وعد ضمني بالاستمرارية: شبكة تصل إلى البيت، عدّاد يحتسب الاستهلاك، فاتورة تُدفع بانتظام، ومؤسسة عمومية يفترض أن تكون مسؤولة عن الخدمة.
هذه ليست خصوصية تونسية خالصة. فقد عرفت مدن كثيرة في الجنوب العالمي المسار نفسه: تبدأ الأزمة بتراجع موثوقية الشبكة، ثم تظهر حلول فردية موازية ــ خزانات، صهاريج، آبار، فلاتر وقوارير ــ قبل أن تتحول القدرة على الوصول إلى الماء الجيد إلى مسألة دخل وموقع اجتماعي ومكان سكن. عندئذ لا يعود العطش يعني غياب المورد فقط، بل غياب القدرة على شراء البديل. الفرق بين من يستطيع تخزين عشرات اللترات في منزله ومن ينتظر عودة الماء إلى الحنفية، يصبح شكلاً جديداً من أشكال اللامساواة، وكذلك الفرق بين حي تصل إليه الشبكة باستمرار، وحي يتعلم سكانه تنظيم حياتهم وفق توقيت الانقطاع.
لذلك لا نسأل هنا ببساطة: لماذا تعاني تونس أزمة ماء؟ بل تُطرح مفارقة أكثر إزعاجاً: كيف حافظ الماء على صفته القانونية كخدمة عمومية، بينما انتقلت كلفة ضمان الماء القابل للشرب تدريجياً إلى الأسرة والسوق؟ وكيف تحوَّل المواطن، من صاحب حق تجاه مرفق عام، إلى مستهلِك مطالَب بأن يشتري لنفسه الأمان المائي الذي يُفترض أن توفره الشبكة؟ إن "خصخصة العطش" في تونس لا تشير، بهذا المعنى، إلى خصخصة المؤسسة، بقدر ما تصف تحوّل مسؤولية مواجهة الندرة والهشاشة من الجماعة السياسية إلى الأفراد. وما تكشف عنه أزمة صيف 2026 هو أن هذه الصيغة بلغت حدودها: فعندما لا يأتي الماء من الحنفية، ثم تختفي القارورة من المتجر، يتضح أن القضية لم تعد قضية ندرة طبيعية، وإنما سؤالاً في الدولة والسوق والعدالة الاجتماعية: من يضمن الماء حين يصبح الحق العام سلعة، وحين تعجز السلعة نفسها عن الوصول إلى الجميع؟
سوق العطش: كيف تحوّلت قارورة الماء إلى بنية موازية للمرفق العمومي؟
في تونس، لا يمكن فهم سوق المياه المعدنية بوصفه مجرد قطاع غذائي نما مع ارتفاع الاستهلاك، فمساره يكشف عن إعادة توزيع عميقة لوظيفة الماء بين الدولة والسوق. في سنة 1990 لم يكن استهلاك المياه المعلبة يتجاوز حوالي 7 لترات للفرد سنوياً، ثم قفز إلى 247 لتراً سنة 2021، بالتوازي مع ارتفاع عدد وحدات التعبئة من 7 إلى 32 وحدة. هذا التحول لا يفسَّر فقط بارتفاع الدخل أو تغير أنماط العيش، بل بتراجع الثقة في ماء الحنفية، وتزايد الإحساس بأن الماء العمومي يصلح للاستعمال المنزلي أكثر مما يصلح للشرب. وفي مسح أُنجز في تونس سنة 2022، كان شراء المياه المعلبة ممارسة منتظِمة لدى أغلبية واسعة من الأسر المستجوَبة، فيما مثّل الحكم السلبي على جودة ماء الحنفية عاملاً أساسياً في هذا الاختيار. مع توسع الطلب، تشكلت خريطة سوقية لم تعد موزعة بالتساوي بين المنتِجين. فقد اندمجت المياه المعلبة تدريجياً داخل صناعة المشروبات الكبرى، بما تتيحه هذه الصناعة من قدرة على الاستثمار في التعبئة والنقل والتخزين والتوزيع والاعلان والوصول إلى آلاف نقاط البيع. وتبرز هنا الشركة التونسية لصناعة المشروبات بوصفها أحد أهم الفاعلين في القطاع، إذ وسَّعت نشاطها التاريخي في صناعة المشروبات ليشمل المياه المعلبة، وأنشأت شركة مروى، كما عززت حضورها، من خلال السيطرة على الشركة التونسية للمياه المعدنية، صاحبة علامات تاريخية، من مثل: صافية وقارصي ومليتي وأكتور. وإلى جانب هذا القطب، توجد شركات وعلامات أخرى، من بينها تيجان وحياة وجكتيس وغيرها، إذ أصبحت المنافسة على الماء لا تجري عند المنبع وحده، وإنما داخل شبكة كاملة من الإنتاج والنقل والتوزيع، والقدرة على احتلال رفوف المساحات التجارية والبقالات ومحطات الوقود والمطاعم والفنادق.
المفارقة الحقيقية ليست في أن تونس تعاني ندرة مائية، ولا أن موجات الحر رفعت الطلب، ولا حتى أن شبكة التوزيع القديمة صارت أكثر هشاشة أمام الأعطاب والضغط الموسمي. المفارقة أن الدولة لا تزال، رسمياً، تحتكر وظيفة إيصال الماء الصالح للشرب عبر مؤسسة عمومية تأسست سنة 1968، بينما أخذت وظيفة الشرب الفعلي تنفصل تدريجياً عن هذه الشبكة وتنتقل إلى السوق.
لم تُخصخص "صوناد" (الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه)، ولم تُبَعْ الشبكات لمستثمِر خاص، لكن جزءاً أساسياً من الحق في الماء جرى تسليعه بصمت. فالأسرة تدفع فاتورة الماء العمومي للاستحمام والغسيل والطبخ، ثم تعود إلى السوق لتشتري الماء الذي تشربه. هكذا لا تقع الخصخصة دائماً بقرار حكومي أو عقد امتياز. قد تحدث حين يفقد المرفق العمومي إحدى وظائفه الاجتماعية الأساسية ويملأ السوق الفراغ.
وهذا يعني أن خارطة سوق المياه المعدنية لا تُطابِق بالضرورة خارطة الموارد المائية. فالمنبع موجود في مكان، لكن القيمة الاقتصادية للماء تُصنع في مكان آخر: في المصنع، وفي العلامة التجارية، وفي الشاحنة، وفي شبكة التوزيع، وفي الرف الذي تصل إليه القارورة، وفي القدرة على جعل اسم تجاري بعينه مرادفاً للنقاء والأمان. لقد انتقل الماء، بهذا المعنى، من مورد طبيعي إلى منتج، يجري تمييزه وتسويقه وترتيبه ضمن هرم من العلامات والأسعار والصور. ولم تعد المنافسة تدور فقط حول من يمتلك حق استغلال المنبع، بل حول من يمتلك القدرة على تحويل ذلك المورد، إلى حضور يومي داخل المنزل التونسي. المفارقة أن نجاح هذا السوق يقوم جزئياً على إخفاق المرفق الذي يُفترض أنه ينافسه. فالماء المعلَّب لا يبيع الماء فقط، وإنما يبيع الثقة: الثقة في الطعم والنقاء والاستمرارية وإمكانية التحكم الفردي في مخزون المنزل. وكلما ضعف الاطمئنان إلى الحنفية اتسعت القيمة الاقتصادية للقارورة. لذلك لا ينبغي قراءة نمو السوق باعتباره مجرد استجابة محايدة لطلب موجود مسبقاً، إنه أيضاً آلية تعيد إنتاج ذلك الطلب. وتصبح الخصخصة أكثر خفاءً من الخصخصة القانونية التقليدية: لم تُبع الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، ولم تُنقَل أنابيبها إلى مستثمِر خاص، لكن إحدى أكثر وظائف المرفق العمومي رمزية، أي توفير ماء يثق المواطن في شربه، انتقلت جزئياً إلى السوق.
المياه في تونس: خط الفقر ومخططات الإفقار
28-06-2021
المشكلة أن هذا الانتقال يحمل أثراً سياسياً لا يظهر في أرقام المبيعات. فكلما استطاعت الفئات القادرة على الدفع أن تحل مشكلة جودة الماء بشراء القوارير، تراجعت حاجتها المباشِرة إلى خوض معركة جماعية من أجل تحسين ماء الحنفية. تتحول عندئذ أزمة كان يُفترض أن تُنتِج مطلباً عاماً إلى سلسلة من الحلول الفردية: من يستطيع يشتري، ومن يستطيع يخزن، ومن يستطيع يتحمل ارتفاع الإنفاق الشهري على الماء، ينسحب عملياً من مشكلة الشرب العمومي، بينما يبقى من لا يستطيع القيام بكل ذلك مرتبطاً بشبكة تتراجع الثقة فيها. وهكذا لا يلغي السوق اللامساواة المائية، بل يعيد تنظيمها وفق القدرة على شراء الأمان. لهذا لا يشير الصعود المتواصل لسوق المياه المعدنية في تونس إلى مجرد نجاح قطاع اقتصادي. إنه يكشف عن تحوّلٍ أعمق في معنى المرفق العمومي نفسه. فالقارورة التي كانت سلعة اختيارية صارت بالنسبة إلى شرائح واسعة جزءاً من البنية الأساسية للحياة اليومية، إلى درجة أن اختفاءها من المتاجر يتحول بدوره إلى "أزمة ماء".
خارطة العطش الحضري
إذا كانت خارطة الندرة المائية في تونس تُرسَم عادةً من خلال السدود والموائد الجوفية ونسب الامتلاء، فإن خارطة العطش الحضري تكشف عن جغرافيا سياسية مختلفة تماماً. ففي تموز/ يوليو 2026 سجّل المرصد التونسي للمياه 608 بلاغات مرتبطة بأزمة التزود، منها 549 انقطاعاً أو اضطراباً غير معلن. لكن التوزيع لم يكن متساوياً: تصدرت نابل بـ65 حالة، ثم المنستير بـ62، فالمهدية بـ51، وسوسة بـ49، وصفاقس بـ42، ومدنين بـ41. أي أن الحزام الساحلي، والمدن السياحية، والمراكز الحضرية الأكثر كثافة واستهلاكاً، صارت واجهة الأزمة، بالتزامن مع ارتفاع الاحتجاجات المائية من 23 تحركاً في حزيران /يونيو إلى 34 في تموز/ يوليو. غير أن هذه الخريطة لا تعني بالضرورة أن المدينة أكثر عطشاً من الريف، إنها تعني بالأحرى أن العطش في المدينة أكثر قابلية للتسييس. فالمدينة الحديثة بنت علاقة المواطن بالماء على وعد ضمني بالاستمرارية: شبكة تصل إلى البيت، عدّاد يحتسب الاستهلاك، فاتورة تُدفع بانتظام، ومؤسسة عمومية يفترض أن تكون مسؤولة عن الخدمة. لذلك لا يُعاش انقطاع الماء في حي حضري، بالطريقة نفسها، التي تُعاش بها الندرة في فضاء اعتاد تاريخياً على تعدد موارد الماء أو التخزين أو الآبار والصهاريج. في المدينة، يصبح الانقطاع قابلاً فوراً لأن يُنسَب إلى فاعل مؤسسي: لم يعد السؤال: "لماذا شحّ المطر؟"، بل "لماذا لم تعد الدولة قادرة على إيصال الماء؟". وهكذا تنتقل الأزمة من الطبيعة إلى السياسة، ومن الندرة إلى المحاسبة.
تتحول القدرة على الوصول إلى الماء الجيد إلى مسألة دخل وموقع اجتماعي ومكان سكن. عندئذ لا يعود العطش يعني غياب المورد فقط، بل غياب القدرة على شراء البديل. الفرق بين من يستطيع تخزين عشرات اللترات في منزله ومن ينتظر عودة الماء إلى الحنفية، يصبح شكلاً جديداً من أشكال اللامساواة، وكذلك الفرق بين حي تصل إليه الشبكة باستمرار، وحي يتعلم سكانه تنظيم حياتهم وفق توقيت الانقطاع.
في سنة 1990 لم يكن استهلاك المياه المعلبة يتجاوز حوالي 7 لترات للفرد سنوياً، ثم قفز إلى 247 لتراً سنة 2021، بالتوازي مع ارتفاع عدد وحدات التعبئة من 7 إلى 32 وحدة. هذا التحول لا يفسَّر فقط بارتفاع الدخل أو تغير أنماط العيش، بل بتراجع الثقة في ماء الحنفية، وتزايد الإحساس بأن الماء العمومي يصلح للاستعمال المنزلي أكثر مما يصلح للشرب.
والأهم أن صيف 2026 وسّع الدائرة الاجتماعية لهذه التجربة. فالأزمة لم تعد محصورة في الأحياء الهشة التي اعتادت على اضطراب الخدمات، بل اقتحمت المساحات التي كانت الطبقات الوسطى والميسورة تستخدمها للتحرر فردياً من ضعف المرفق العمومي. كانت القارورة لسنوات بمثابة حل خاص: من لا يثق في الحنفية يشتري الماء، ومن يملك سيارة يستطيع جلب كميات أكبر، ومن يملك مساحة للتخزين يستطيع بناء احتياطي منزلي. لكن عندما اختفت المياه المعلبة نفسها من المتاجر، تعطلت آلية الانسحاب الطبقي هذه. امتلأت عربات بعض المساحات التجارية بحزم الماء وظهرت الطوابير، فيما تجمع مواطنون وسيارات أمام نقاط التوزيع فور وصول الشاحنات، واضطرت الشرطة في إحدى الحالات إلى تنظيم الحشود.
هنا حدث تحول سياسي بالغ الدلالة: لم يعد العطش مشكلة تخص "الآخرين" في الأطراف، بل تجربة يمكن أن تصيب من كان يعتقد أن قدرته الشرائية تحميه منها. فالطبقة الوسطى التي عالجت تراجع الثقة في الحنفية بشراء الماء اكتشفت أن السوق نفسه ليس ضمانة مطلقة، وحتى الأسر الأكثر يُسراً وجدت نفسها أمام الرف الفارغ نفسه، تبحث عن المعلومة والشاحنة ونقطة البيع. بهذا المعنى، لا تصبح الأزمة سياسية فقط حين يخرج السكان إلى الشارع، بل حين تنهار الحدود التي كانت تفصل بين من يعتمد على المرفق العمومي ومن يستطيع شراء بديله. ولذلك فإن التسييس الجديد للعطش في تونس لا يصدر فقط عن شدة النقص، بل عن انهيار الامتياز المتمثِل في القدرة على الهروب منه. وحين تضطر الدولة في العاصمة إلى تنظيم توزيع القارورة، التي كان يُفترض أن تكون سلعة سوقية عادية، يصبح العطش الحضري اختباراً مباشراً لقدرتها على الوفاء بأبسط وعود المواطنة: أن يصل الماء، وأن يكون متاحاً، وألا تتحول إمكانية الشرب إلى سباق بين من يصل أولاً إلى الرف.
خاتمة
ربما لم يعد السؤال الأكثر أهمية في تونس هو: هل ستجد الدولة ما يكفي من الماء؟ بل: أي مجتمع تصنعه الندرة حين تُصبح دائمة؟ فالعطش ليس نتيجة هيدرولوجية بريئة يمكن اختزالها في تراجع الأمطار وانخفاض امتلاء السدود. حين يدخل النقص إلى الحياة اليومية، يبدأ في إعادة ترتيب العلاقات بين الأفراد والدولة والسوق والمجال. تظهر تراتبية جديدة لا تقاس فقط بالدخل، بل بالقدرة على تفادي الانقطاع: من يملك خزاناً، ومن يستطيع شراء الماء، ومن تصله المعلومة قبل غيره، ومن يملك ما يكفي من العلاقات والصوت لكي يتحول عطشه إلى مشكلة تستحق التدخل. من هنا يمكن الحديث عن "سياسات العطش"، ليس بوصفها سياسة معلنة لإنتاج الندرة، بل باعتبارها الكيفية التي يُدار بها توزيع آثارها. فالسلطة لا تظهر فقط في القرار الكبير المتعلق بالسد أو التسعيرة أو الاستثمار، وإنما في التفاصيل الصغيرة التي تُحدِّد من ينقطع عنه الماء أولاً، ومن يعود إليه أخيراً، وأي حي يستطيع الاحتجاج، وأي منطقة تتعلم أن تنتظر: لا تكشف الحنفية الجافة عن غياب الدولة، إنها تكشف عن طريقة حضورها، وعن تفاوت هذا الحضور بين الأمكنة والفئات.
لكن المفارقة الأشد إثارة أن الندرة قد تُنتِج، إلى جانب اللامساواة، إمكانية سياسية غير متوقعة. فحين يصل العطش إلى المدينة، وحين تفشل القدرة الشرائية أحياناً في بناء حصانة كاملة ضده، تتصدع الحدود التي كانت تجعل تدهور الخدمات مشكلة تخص الفقراء والأطراف وحدهم. يصبح الماء واحداً من الأشياء القليلة، القادرة على إعادة تذكير مجتمع شديد التفاوت، بأنه يعيش داخل مصير مادي مشترك. لذلك قد تكون المعركة القادمة حول الماء أوسع من المطالبة بتحسين التزويد. إنها معركة حول تعريف ما لا يجوز للمجتمع أن يتركه لمنطق القدرة الفردية على النجاة. فالخطر الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن اعتبار العطش مسألة سياسية، ونتعلم التعامل معه باعتباره مهارة شخصية في التكيّف. عندها لا تكون الندرة قد انتصرت فقط على الحنفية، بل تكون قد أعادت تعريف المواطن نفسه: من صاحب حق في الماء، إلى فرد مطالَب بأن يتدبر عطشه بنفسه.
المراجع:
- Mkaddem, Chamseddine, Lamia Mokaddem, and Slim Zekri. (2025). “Determinants of Bottled Water Consumption at Home in Tunis : A Double-Hurdle Approach.” Applied Economic Perspectives and Policy, 47(4), 1538–1560. https://doi.org/10.1002/aepp.13520
- Observatoire Tunisien de l’Eau. (2026). Carte de la soif – Juillet 2026. Tunis : Observatoire Tunisien de l’Eau.
- TAP – Tunis Afrique Presse. (2026, 9 août). « Crise de l’eau : 608 alertes enregistrées en juillet 2026 ». Tunis Afrique Presse.
- La Presse de Tunisie. (2026, 29 juillet). « Eau minérale en bouteille : les pannes d’électricité et les fortes chaleurs à l’origine de la pénurie ». La Presse de Tunisie.



