وائل نوار: هل تدفع السلطات التونسية بمناضليها إلى حافة الموت؟

لماذا وكيف؟ بقي الأمر غير مفهوم. هل رضخت السلطات لضغوطات ما، أم أنّ هناك أسباباً كيدية أدت إلى الوضع الحالي؟ لكن ما هو واضح اليوم هو أن السلطات في تونس اتُّخذت قرار ملاحقة النشطاء المنخرِطين في تنظيم قافلة وأسطول الصمود. وفي 6 آذار/مارس 2026، بدأت السلطات بتوقيف عدد من منظمي القافلة التي كانت جزءاً من التحركات التي مهّدت لإطلاق أسطول الصمود العالمي من ميناء سيدي بوسعيد.
2026-09-03

شارك
وائل نوار رافعاً علامة النصر على متن إحدى سفن أسطول الصمود.
إعداد وتحرير: صباح جلّول

يتواصل، منذ أكثر من ستة أشهر، احتجاز الناشط التونسي وائل نوار، أحد منظمي قافلة الصمود وأسطول الصمود العالمي، فيما تجاوز إضرابه المفتوح عن الطعام يومه الثامن عشر، وسط تدهور خطير في وضعه الصحي وتحذيرات من آثار ذلك الجسدية، التي باتت مهدِّدة لحياته بفعل استمرار احتجازه في ظروف مزرية، وهو ما دفع رفاقه إلى رفع الصوت عالياً في الأيام الأخيرة، محذّرين من أنّ الموضوع "لا يحتمل التأجيل".

وائل نوار هو واحد من أربعة من منظمي أسطول الصمود الذين ما زالوا قيد الاحتجاز في تونس، بعد توقيف عدد من أعضاء الهيئة التسييرية للأسطول في آذار/مارس 2026، على خلفية نشاطهم في تنظيم القافلة الساعية إلى كسر الحصار عن قطاع غزة، في خطوة صادِمة دفعت ببعض الناشطين المتضامنين إلى حدّ وصفها بـ"الخيانة العظمى".

منظمو قافلة الصمود في الاعتقال

لماذا وكيف؟ بقي الأمر غير مفهوم. هل رضخت السلطات لضغوطات ما، أم أنّ هناك أسباباً كيدية أدت إلى الوضع الحالي؟ لكن ما هو واضح اليوم هو أن السلطات في تونس اتُّخذت قرار ملاحقة النشطاء المنخرِطين في تنظيم قافلة وأسطول الصمود. وفي 6 آذار/مارس 2026، بدأت السلطات بتوقيف عدد من منظمي القافلة التي كانت جزءاً من التحركات التي مهّدت لإطلاق أسطول الصمود العالمي من ميناء سيدي بوسعيد.

من أصل سبعة أشخاص ممن قُبض عليهم، أُطلِق سراح ثلاثة بشروط قاسية، تشمل قيوداً صارمة على التنقل وحظراً على حضور التجمعات العامة، فيما لا يزال المنظِّمين الأربعة: وائل نوار، ونبيل الشنوفي، وغسان الهنشيري، وغسان البوغديري، رهن الحبس الاحتياطي بعد مرور أكثر من 170 يوماً.

كان الأربعة من بين المنظمين الأساسيين، كما لعبوا دوراً في تأسيس أسطول الصمود العالمي. وقد اتهمت السلطات التونسية المنظّمين بقضايا تشمل "التآمر لغسل الأموال والاحتيال المرتبط بجمع التبرعات للأسطول"، وهي تهم وصفتها منظمات حقوقية عِدّة بأنها "ذات دوافع سياسية"، وقد عبّر أسطول الصمود العالمي عن إنكارها ورفضها بشكلٍ قاطع.

أسطول الصمود العالمي يطالب بحرية منظِّمي تونس المعتقلين (الصورة عن صفحة الأسطول الرسمية على فيسبوك)

حالياً، يعيش النشطاء الأربعة احتجازاً في ظروف قاسية، ويعاني اثنان منهم على الأقل من مشاكل صحية خطيرة مرتبطة بظروف احتجازهم. وتسأل عريضة إلكترونية بعنوان "تونس: أطلقوا سراح "أربعة الصمود" أو سقِطوا كلّ التهم وأنهوا الاحتجاز"[1] ، السؤال التالي: "في حين وقَفت تونس إلى جانب فلسطين لعقود، وعبر أجيال من التضامن والدعم الشعبي الثابت للحقوق الفلسطينية وحق تقرير المصير، جاء قرار اعتقال منظِّمي قافلة الصمود بمثابة صدمة، إذ أنّ القرار يتناقض مع ذلك الإرث العريق، ويدفع الكثيرين للتساؤل، كيف يمكن أن تحدث مثل هذه الواقعة في بلد ارتبط ارتباطاً وثيقاً بدعم القضية الفلسطينية؟".

يتقيأ دماً ويصعب عليه التنفس!

في 16 آب/أغسطس، بدأ وائل نوار إضراب الجوع في سجن المرناڨية، للمطالبة بحريته وإسقاط التهم الموجهة إليه ولرفاقه. وأطلَق نوار على إضرابه المفتوح اسم "إضراب الصمود".

خلال مؤتمر صحافي عقدته اللجنة الوطنية للدفاع عن نشطاء أسطول الصمود في تونس، قال عضو اللجنة رشيد عثماني إن صحة نوار بدأت تتدهور بشكل واضح بعد نحو أسبوعين من الإضراب، مشيراً إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يزيد من صعوبة وضعه الصحي. وفي الوقت نفسه، أكد أن معنوياته بقيت مرتفعة، وأنه متمسك بمطلبه في الحرية. إلا أن الوضع الصحي لنوار تدهور سريعاً خلال الأيام التالية، حتى بات في مرحلة الخطر.

في آخر تحديث بشأن وضع وائل نوار، قالت هيئة الصمود التونسية التابعة لأسطول الصمود العالمي إن الحالة الصحية لنوار أصبحت "في غاية السوء"، مشيرة إلى أن نوار صَعّد إضرابه وتوقف عن تناول السكر، مكتفياً بالماء.

"رسالة واضحة: الحرية والكرامة ليستا قابلتين للمساومة".. مما قاله وائل نوار.

وأفادت الهيئة بأنه يعاني صعوبة شديدة في التنفس نتيجة سوء التهوئة داخل الزنزانة، ما يضطره إلى محاولة التنفس من شقوق الباب. كما أصبح عاجزاً عن الوقوف والمشي، فيما تقيأ الدم عدة مرات ويعاني آلاماً متواصلة في المعدة.

هذا الوضع دفع الجهات المتضامِنة على التحذير الشديد من أن الوضع لم يعد يتعلق فقط بالمضاعفات المحتملة للإضراب عن الطعام، وإنما بخطر مباشر على حياة وائل نوار، خاصة لناحية رفضه قطع إضرابه عن الطعام طالما أنّ مطالبه لم تُنفّذ، وذلك بالتوازي مع التدهور السريع لحالته الصحية.

والده مضرِبٌ معه: "توقيفهم كان بقرار سياسي"

خلال المؤتمر الصحافي للجنة الوطنية للدفاع عن نشطاء أسطول الصمود، تحدث هشام نوار، والد وائل، عن وضع ابنه وعن تأثير الاعتقال على الأسرة، قائلاً إن وائل يخوض إضراب الجوع للمطالبة بحقه في العدالة والحرية، وإسقاط ما وصفها بالتهم الواهية، معتبراً أن الموقوفين الأربعة كانوا في الصفوف الأولى للدفاع عن القضية الفلسطينية، وأن توقيفهم جاء بسبب نشاطهم السياسي. مساء 28 آب/أغسطس الماضي، أعلن والد المناضل وائل نوار دخوله بدوره في إضراب عن الطعام تضامناً مع ابنه الذي فقد حوالي 10 كيلوغرامات من وزنه منذ بداية إضرابه. على الرغم من سنّه ووضعه الصحي، يضع هشام نوار بدوره جسده ورقة ضغط وتفاوض على حياة ابنه، مقاسِماً إيّاه الجوع والخطر.

تجدر الإشارة إلى أنّ زوجة وائل، جواهر شنّة، التي قُبض عليها ثمّ أُطلق سراحها لاحقاً في القضية نفسها، تتعرض لتضييق شديد، إذ قيّدت تحركاتها ضمن المنطقة التي تقطن فيها، فيما جرى تجميد راتبها، الأمر الذي يخلّف تبعات مادية واجتماعية ونفسية على الأسرة والأطفال. هكذا تدفع عوائل النشطاء أثماناً باهظة بدورها، تمتد إلى أبعد من حدود الزنزانة، وتطال حتى حياة أطفالهم.

تحرك تضامني وإضراب مساند

بالتزامن مع إضراب نوار، أعلنت اللجنة الوطنية للدفاع عن نشطاء أسطول الصمود تنظيم يوم تضامني مفتوح للمطالبة بالإفراج عن الموقوفين الأربعة. كما دخل أعضاء اللجنة ومجموعة من الناشطين الداعمين للقضية الفلسطينية، دخلوا بدورهم في إضراب عن الطعام تضامناً مع المعتقلين، مع التلويح باللجوء إلى أشكال احتجاجية أخرى، بينها المسيرات والتظاهرات الشعبية.

عائلة وأصدقاء نبيل الشنوفي المعتقل في وقفة تضامنية معه أمام السجن.
من تظاهرة مطالبة بالعدالة والحرية للمعتقلين الأربعة.

وتتركز مطالب اللجنة والمعتقلين على رفع المظلّمة بحقهم والإفراج عن الموقوفين الأربعة، والتعامل مع نشاطهم باعتباره جزءاً من العمل التضامني والسياسي الداعم لفلسطين. وقد دعت هيئة الصمود التونسية إلى المشاركة الكثيفة في "مسيرة الحرية والإسناد" يوم الأحد في السادس من أيلول/سبتمبر، "انتصاراً لفلسطين ولبنان وكلّ جبهات المقاومة" ودعماً للمعتقلين الأربعة، وللمطالبة بحريتهم، بمناسبة مرور 6 أشهر على اعتقالهم، وذلك "قبل فوات الأوان".

"الجسد آخر قلاع المقاومة"

جاء في بيان صادر في 31 آب/أغسطس عن الاتحاد العام لطلبة تونس، معهد الصحافة وعلوم الإخبار، إنّ نوار، الذي سبق أن شغل منصب الأمين العام للاتحاد، يخوض إضرابه رفضاً لاستمرار احتجازه وتمسكاً بإسقاط التهم الموجهة إليه ورفاقه، محمِّلاً الجهات المعنية كامل المسؤولية عن كل ما قد يترتب على مواصلة احتجازهم. كما شدّد البيان على رفض تجريم العمل الإنساني والتضامني مع فلسطين، وعلى حقّ الشعوب في التعبير عن تضامنها مع القضية الفلسطينية بمختلف الوسائل المتاحة.

استُهلّ البيان بالقول "حين تصادَر الحرية يبقى الجسد آخر قِلاع المقاومة"، وأكد أنّ مواصلة احتجاز وائل نوار في ظل التدهور الخطير لوضعيته الصحية "يكشف إصراراً على التنكيل بكلّ صوتٍ اختار الانحياز لقضية عادلة"، وهو شاهد "على الإستهتار بأرواح المعتقلين و حُرمة أجسادهم"، خاتماً بالقول، "كلما اشتد القمع اشتد الصمود، وكلّما ضاق الخناق اتسعت عزيمة المواجهة".

ورسالة تضامن من غزة

"اليوم، يقبع هذا المناضل خلف جدران السجن، في وقت كان المفترض فيه أن يُكرَّم على موقفه الإنساني والأخلاقي. ولم ينتهِ نضاله خلف الأغلال، بل يخوض وائل نوار حالياً معركة أمعاء خاوية من خلال إضراب عن الطعام (...). تتجاوز قضية وائل نوار شخصه لتصبح رمزا لمعاناة كل من يحاول كسر القيد وتحريك الشارع من أجل القضايا العادلة ..". هذا بعض ما جاء في رسالة من ناشطين في غزة تدعو لدعم نوار وحماية المناضلين.

حسب حملة "أربعة الصمود"، فقد جمعتْ عريضة داخلية 735 توقيعاً من 57 دولة، تدعو إلى حرية المعتقلين الأربعة، وذلك قبل طرحها للرأي العام. وثمة عريضة الكترونية مفتوحة وصلت حتى لحظة كتابة هذه السطور إلى جمع 2660 توقيعاً.

مقالات ذات صلة

بالنسبة إلى الناشطين من أجل فلسطين داخل تونس، ترتبط قضية وائل نوار ورفاقة بحماية حدود العمل السياسي والتضامني مع فلسطين في البلاد، وبحق النشطاء في تنظيم مبادرات شعبية لكسر الحصار عن غزة. لقد تحولت قضية نوار، مع دخوله أسبوعه الثالث تقريباً من إضرابه عن الطعام، إلى مواجهة حاسمة تتجاوز مسألة استمرار توقيف ناشط بعينه. فمن أجل حرية التحرك، ومن أجل حرية التضامن مع المظلومين، ومن أجل حرية العمل النضالي والسياسي، وبالتأكيد، من أجل حرية المعتقَلين وحفظ حياتهم، يجب إنهاء احتجاز النشطاء وإسقاط جميع التهم.

______________________

  1. للتوقيع على العريضة: https://shorturl.at/8ZpFg/

مقالات من تونس