حين ينطفئ الضوء:
انقطاع الكهرباء وسؤال الطاقة في تونس

تكتسب مسألة انقطاع الكهرباء في تونس معنى خاصاً، لأنها لم تكن مجرد تجهيز تقني أُضيف إلى المجال الوطني، بل أحد أهم الرموز المادية التي قامت عليها سردية الدولة الحديثة، ولا سيما منذ تسعينيات القرن الماضي. فقد قدّمت السلطة نفسها بوصفها دولة "تنوير" بالمعنيين المادي والسياسي للكلمة. كان الضوء علامة على حضور الدولة حتى في أكثر المناطق بُعداً، وكان يترِجم بصورة ملموسة وعداً سياسياً مؤداه أن المجال كله أصبح قابلاً للإدارة، وأن السكان صاروا جزءاً من زمن وطني، واحد تنظمه المدرسة والمصنع والإدارة والتلفزيون والإنارة العمومية.
2026-07-28

فؤاد غربالي

أستاذ علم الاجتماع، تونس


شارك
تصليحات على خطوط الامداد بالكهرباء في تونس

ليس انقطاع الكهرباء المتكرر في تونس مجرد حادث تقني يمكن أن يُعالَج بإصلاح عطب في محوّل أو خط توزيع. بل هو لحظة تخرج خلالها البنية التحتية من صمتها لتكشف ما تراكم داخلها من اختيارات وتأجيلات واختلالات. عندما يكون الضوء متاحاً بصورة مُنتظِمة، لا يفكر الناس في محطات الإنتاج، ولا في شبكات النقل، ولا في كلفة الطاقة، ولا في المؤسسات التي تُنظِّم تدفقها. فالكهرباء لا تصبح موضوعاً للانتباه إلا حين تتعطل. لذلك، فإن انطفاء الضوء لا يعني غياب خدمة فحسب، بل ظهور المنظومة التي كانت استمراريتها تحجبها: الدولة، والشركة العمومية، والشبكة، والاستثمار، والموارد، والتفاوتات المجالية، وحدود القدرة على التخطيط.

تكتسب هذه المسألة في تونس معنى خاصاً لأن الكهرباء لم تكن مجرد تجهيز تقني أضيف إلى المجال الوطني، بل كانت أحد أهم الرموز المادية التي قامت عليها سردية الدولة الحديثة، ولا سيما منذ تسعينيات القرن الماضي. فقد قدّمت السلطة نفسها بوصفها دولة "تنوير" بالمعنيين المادي والسياسي للكلمة: دولة توصل الضوء إلى القرى، وتنير الطرقات والأحياء، وتوسّع شبكاتها، وتدمج الأطراف في فضاء وطني موحد، وتعرض انتشار الكهرباء دليلاً على التحديث والنجاعة والتقدم. كان الضوء علامة على حضور الدولة حتى في أكثر المناطق بعداً، وكانت تترِجم بصورة ملموسة وعداً سياسياً مؤداه أن المجال كله أصبح قابلاً للإدارة، وأن السكان صاروا جزءاً من زمن وطني واحد تنظمه المدرسة والمصنع والإدارة والتلفزيون والإنارة العمومية.

غير أن هذه السردية حجبت حقيقة أساسية: التنوير ليس إنجازاً يُستكمل مرة واحدة، بل عملية مادية تحتاج باستمرار إلى الصيانة والاستثمار والتجديد وتأمين الموارد. إنها تدفق يفرض مزامنة دقيقة وفورية بين الإنتاج والاستهلاك، لأن اختلال التوازن بينهما يمكن أن يتحول مباشرة إلى اضطراب في الشبكة وانقطاع لدى المستعمِلين. ولا تفسّر ذروة الاستهلاك الصيفي الانقطاع بقدر ما تكشف هشاشة القدرة على استيعاب الطلب، وضعف الاحتياطي، وتأخر تحديث بعض مكونات الشبكة، والارتهان المتزايد لمصادر طاقة مُكْلفة، وبطء الانتقال من نموذج طاقي مركزي تابع للوقود الأحفوري إلى نموذج أكثر تنوعاً واستدامة.

أعادت الإنارة تاريخياً تشكيل الزمن اليومي، ومددت ساعات العمل والتعليم والاستهلاك، وأعادت تنظيم الحياة المنزلية والفضاءات العامة. وفي تونس المعاصرة، بات انتظام العمل الإداري والإنتاج الصناعي والتجارة والدراسة والعلاج وضخ المياه والتبريد والاتصال الرقمي قائماً على افتراض ضمني هو أن الكهرباء لن تنقطع. لذلك لا يعيد الانقطاع المجتمع إلى الظلام فحسب.

ولا تتعلق المسألة فقط بالوصول إلى الشبكة، لأن الاتصال الكهربائي لا يعني بالضرورة التمتع بخدمة مستقرة وذات جودة. فالأهم هو انتظام التيار وقدرته على تلبية الحاجات من دون انقطاع أو تذبذب، وهو ما يجعل نوعية الكهرباء واستمراريتها جزءاً من مضمون المواطنة، لا مجرد مسألة تقنية تخص المزود العمومي. فكيف تحوّل الضوء، الذي مثّل منذ التسعينيات أحد أبرز رموز قدرة الدولة التونسية على التحديث ودمج المجال الوطني، إلى مرآة تكشف انقطاعاته اليوم هشاشة النموذج الطاقي وحدود الوعد العمومي بالاستمرارية؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي الانتقال من هندسة الشبكة إلى سوسيولوجيا الدولة، ومن أسباب العطب المباشر إلى الاقتصاد السياسي للطاقة، لأن ما ينطفئ في تونس ليس المصباح وحده، بل جزء من سردية كاملة بنت شرعيتها على قدرتها على إبقاء الضوء مشتعلاً.

الشبكة الوطنية للكهرباء والغاز: كيف تراكمت الهشاشة البنيوية؟

وُلدت الشركة التونسية للكهرباء والغاز سنة 1962 من عملية توحيد سياسي وتقني لقطاع كان موزعاً، عشية الاستقلال، بين سبع شركات امتياز لا تُغطي إلا أهم المراكز الحضرية، بقدرة مركبة لا تتجاوز 100 ميغاواط وإنتاج سنوي يقارب 240 جيغاواط/ساعة. وبمقتضى القانون الصادر في 3 نيسان/ أبريل 1962، احتكرت المؤسسة العمومية الجديدة إنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها، إلى جانب تطوير شبكة الغاز. لم تكن وظيفتها تجارية فحسب، بل كانت أداة لبناء المجال الوطني، وربط الجهات بعضها ببعض، وتحويل الكهرباء إلى إحدى العلامات المادية لحضور الدولة. وقد نجح هذا النموذج تاريخياً نجاحاً استثنائياً: ارتفعت نسبة التغطية الكهربائية العامة من 21 في المئة سنة 1962 إلى 99.8 في المئة سنة 2023، ونسبة التنوير الريفي من 6 في المئة إلى 99.5 في المئة، بينما توسعت قاعدة المستفيدين إلى نحو 4.49 ملايين مشترك في الكهرباء وأكثر من مليون مشترك في الغاز. كما بلغت القدرة المركبة 5.982 ميغاواط والإنتاج الوطني 19.313 جيغاواط/ساعة سنة 2023.

لكن المفارقة أن النجاح في تعميم الخدمة حمل داخله شروط الهشاشة اللاحقة. فالشبكة التي أُنشئت تدريجياً لتوسيع الولوج أصبحت مطالبة اليوم بضمان الاستمرارية والجودة والمرونة لنحو خمسة ملايين مستعمِل، وسط نمو عمراني واستهلاكي لم يواكبه دائماً الاستثمار نفسه في التجديد والصيانة والاحتياطي. ففي نهاية 2023 كانت الشركة تدير قرابة 6.856 كيلومتراً من خطوط النقل العالي الجهد وأكثر من 19.881 كيلومتراً من شبكات التوزيع ذات الجهدين المتوسط والمنخفض. ولا يعني اتساع هذه الشبكة قوة تلقائية، إذ يزيد طولها عدد المنشآت الواجب صيانتها، ويضاعف نقاط التعرض للأعطاب، ويرفع كلفة استبدال التجهيزات المتقادمة.

تراكمت الهشاشة أساسا بسبب اختيار طاقي جعل إنتاج الكهرباء شديد الارتهان للغاز الطبيعي. فقد قاربت حصة الغاز 97 في المئة من إنتاج الكهرباء سنة 2016، في وقت أصبحت فيه تونس أكثر اعتماداً على الواردات لتغطية حاجاتها الأولية. وهكذا لم تعد كلفة الكهرباء تحددها كفاءة المحطات والشبكات فقط، بل باتت مرتبطة بأسعار الغاز الدولية، وسعر الصرف، واستقرار الإمدادات الجزائرية، وتراجع الإنتاج المحلي. لقد تحولت الشركة من مؤسسة تنتج خدمة عمومية داخل اقتصاد وطني إلى حلقة تمتص مباشرة صدمات سوق طاقة خارجي لا تتحكم فيه.

أعادت الإنارة تاريخياً تشكيل الزمن اليومي، ومددت ساعات العمل والتعليم والاستهلاك، وأعادت تنظيم الحياة المنزلية والفضاءات العامة. وفي تونس المعاصرة، بات انتظام العمل الإداري والإنتاج الصناعي والتجارة والدراسة والعلاج وضخ المياه والتبريد والاتصال الرقمي.. قائماً على افتراض ضمني هو أن الكهرباء لن تنقطع. لذلك لا يعيد الانقطاع المجتمع إلى الظلام فحسب.

وُلِدت الشركة التونسية للكهرباء والغاز سنة 1962 من عملية توحيد سياسي وتقني لقطاع كان موزعاً، عشية الاستقلال، بين سبع شركات امتياز لا تُغطي إلا أهم المراكز الحضرية. وبمقتضى القانون الصادر في 3 نيسان/ أبريل 1962، احتكرت المؤسسة العمومية الجديدة إنتاج الكهرباء، إلى جانب تطوير شبكة الغاز. فارتفعت نسبة التغطية الكهربائية العامة من 21 في المئة سنة 1962 إلى 99.8 في المئة سنة 2023، ونسبة التنوير الريفي من 6 في المئة إلى 99.5 في المئة.

أما الحلقة الثانية فهي مالية. فالأسعار المؤطرة سياسياً لم تكن تعكس دائماً كلفة الإنتاج، بينما تأخرت الدولة أحياناً في تعويض الفارق، وتراكمت ديون المؤسسات العمومية والخاصة والمستهلكين، فتحولت الشركة إلى آلية ضمنية لتمويل السلم الاجتماعي والاقتصاد بدل تمويل تجديد أصولها. ويكشف برنامج البنك الدولي الجديد أن نسبة استرجاع الكلفة كانت في حدود 60 في المئة، مع استهداف رفعها إلى 80 في المئة وخفض كلفة الإمداد بنسبة 23 في المئة، وتقليص الدعم العمومي بأكثر من ملياري دينار. هذه الأرقام لا تصف عجزا محاسبياً فحسب، بل تكشف أن المؤسسة تبيع خدمة بأقل من كلفتها، ثم تؤجل الصيانة والاستثمار، فتتحول الأزمة المالية بمرور الزمن إلى هشاشة تقنية.

وتظهر هذه الفجوة في استمرار الحاجة إلى مشروعات دولية ضخمة لتقوية الشبكة. ففي 2019 خُصص نحو 290 مليون يورو لتدعيم شبكة النقل وبناء محطات تحويل جديدة وتأهيلها لاستيعاب الطاقات المتجددة. كما ظل مشروع غاز، أُقر سنة 2015، ويستهدف بناء 260 كيلومتراً من شبكات النقل و404 كيلومترات من التوزيع وربط 13.450 أسرة، غير مكتمل بعد عقد تقريباً. ففي أيار/مايو 2025، لم تتجاوز نسبة صرف التمويل 54.47 في المئة، ولم يُنجز سوى 3.000 ربط منزلي. لذلك لا تكمن الهشاشة في عطب منفرد، بل في تراكم زمني يجمع بين توسع الالتزامات، وتقادم الأصول، والارتهان للغاز، وضعف استرجاع الكلفة، وبطء تنفيذ الاستثمارات. إن STEG لم تفشل في تعميم الكهرباء، بل أصبحت مهددة جزئياً بسبب نجاحها القديم، لأن الدولة وسّعت الحق في الطاقة من دون أن تعيد بناء الشروط المالية والتقنية والمؤسسية اللازمة لاستدامته.

تحولات المجتمع التونسي وتضخم الحاجة إلى الطاقة

لم يرتفع استهلاك الطاقة في تونس لأن عدد السكان ازداد فحسب، ولا لأن الأسر اقتنت أجهزة كهربائية أكثر، بل لأن المجتمع نفسه أُعيد تنظيمه تدريجياً حول افتراض وفرة الكهرباء واستمرارها. فمنذ العقود الأخيرة من القرن العشرين، انتقلت الكهرباء من كونها علامة على وصول الدولة الحديثة إلى المجالين الحضري والريفي، إلى كونها البنية الخفية التي تقوم عليها الحياة اليومية. وترافق تعميم الربط بالشبكة مع صعود مجتمع استهلاكي توسعت داخله ملكية الثلاجات والتلفزيونات والغسالات وأجهزة التدفئة والتبريد، ثم الحواسيب والهواتف الذكية والموجّهات الرقمية. ولم تُضِف هذه الأشياء وظائف جديدة إلى المنزل فقط، بل أعادت تشكيل معايير الراحة والنظافة وحفظ الغذاء والتواصل وقضاء وقت الفراغ. وما كان يُنظَر إليه سابقاً بوصفه رفاهاً تحول إلى حاجة، ثم أصبح معياراً ضمنياً للحياة العادية، فالمكيِّف مثلًا لم يعد في سياق اشتداد موجات الحر مجرد علامة على الوجاهة، بل أصبح بالنسبة إلى فئات متزايدة وسيلة لحماية الجسد والمحافظة على إمكان العمل والنوم.

تراكمت الهشاشة أساساً بسبب اختيار طاقي جعل إنتاج الكهرباء شديد الارتهان للغاز الطبيعي. فقد قاربت حصة الغاز 97 في المئة من إنتاج الكهرباء سنة 2016، في وقت أصبحت فيه تونس أكثر اعتماداً على الواردات لتغطية حاجاتها الأولية. وهكذا لم تعد كلفة الكهرباء تحددها كفاءة المحطات والشبكات فقط، بل باتت مرتبطة بأسعار الغاز الدولية، وسعر الصرف، واستقرار الإمدادات الجزائرية، وتراجع الإنتاج المحلي.

لم تُنتِج السياسات العمومية معرفة اجتماعية دقيقة بالتحولات، إذ استمرت في قياس الطلب من خلال الكميات والأحمال القصوى وعدد المشتركين. وهكذا تتقدم التقنيات في وصف الأزمة، بينما يظل المجتمع الذي أنتج الحاجة المتزايدة إلى الكهرباء شبه غائب عن أدوات التشخيص وصناعة القرار. وإذا استمرت السياسات في قراءة هذه التحولات باعتبارها مجرد ارتفاع في الاستهلاك، فإنها ستظل تُطارِد النتائج بدل أن تفهم أسبابها.

وازداد هذا التحول عمقاً مع التمدد العمراني غير المتوازن. فقد توسعت المدن والأحزمة المحيطة بها أفقياً، وانتشرت التجمعات السكنية الجديدة بعيداً عن مراكز العمل والخدمات، وتكاثرت المساكن الفردية والمحلات التجارية والمقاهي والفضاءات الاستهلاكية. ولم يكن هذا التوسع مجرد زيادة في المساحات المبنية، بل أنتج أنماطاً جديدة من الطلب على الإنارة والتبريد وضخ المياه والنقل والاتصالات والتخزين. وفي أحياء كثيرة، شُيِّد العمران قبل أن تُستكمل البنية التحتية الملائمة له، فوجدت الشبكة نفسها مطالبة بإمداد فضاءات لم تُخطط طاقياً، وإنما أُلحقت بها الكهرباء بعد نشوئها. بذلك أصبح التمدد العمراني وسيلة لتوزيع الطلب وتكثيفه في الوقت نفسه، بينما ظلت السياسات تتعامل معه غالباً باعتباره مسألة سكن وتهيئة ترابية، لا تحولاً في النظام الطاقي.

كما نقل انتشار الاقتصاد الخدمي والرقمنة والتعليم المتصل والعمل من المنزل والإدارة الإلكترونية جزءاً متزايداً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى أجهزة لا تعمل إلا بتيار مستقر. وأصبح الانقطاع يعطِّل، في اللحظة نفسها، العمل والدراسة والاتصال والدفع وحفظ البضائع وتشغيل المعدات الصحية. غير أن السياسات العمومية لم تُنتج معرفة اجتماعية دقيقة بهذه التحولات، إذ استمرت في قياس الطلب من خلال الكميات والأحمال القصوى وعدد المشتركين، من دون أن تسأل بما يكفي عمّا تغير داخل الأسرة والمدينة والعمل، أو كيف أصبحت الطاقة متداخلة مع تفاوتات الدخل والسكن والمناخ والصحة.

لن يكون الانتقال إلى الطاقات المتجددة كافياً إذا أعاد إنتاج التفاوتات نفسها، بحيث تستطيع الفئات الميسورة حماية استقلالها الطاقي، بينما تبقى الفئات الأضعف رهينة شبكة متعَبة وتعريفة متقلبة وخدمات غير متكافئة. فالخطر ليس أن تنقطع الكهرباء فقط، بل في أن يتحول استمرارها إلى امتياز يُشترى.

وينعكس هذا القصور في الخطاب الغالب للشركة التونسية للكهرباء والغاز، حيث تظهر أزمة الطاقة أساساً في لغة تقنية: ارتفاع الاستهلاك، ذروة الطلب، عجز الإنتاج، أعطاب الشبكة، ضغط الحرارة، كلفة الغاز وضرورة ترشيد الاستعمال. وهذه عناصر حقيقية، لكنها تحوّل المجتمع إلى رقم في منحنى الحمل الكهربائي، وتختزل الطلب في سلوك استهلاكي ينبغي ضبطه. ففي حين تدعو المؤسسة المواطن إلى تخفيف استعمال المكيفات، لا تتوقف بالقدر نفسه عند التحولات العمرانية والمناخية والاجتماعية التي جعلت التبريد ضرورة، وحين تفسر الضغط على الشبكة بارتفاع الطلب، لا تسأل كيف شجعت الدولة نفسها، عبر سياسات الإسكان والاستهلاك والرقمنة والتجهيز المنزلي، نشوء مجتمع كثيف الاعتماد على الطاقة. وهكذا تتقدم التقنيات في وصف الأزمة، بينما يظل المجتمع الذي أنتج الحاجة المتزايدة إلى الكهرباء شبه غائب عن أدوات التشخيص وصناعة القرار.

خاتمة

لن يتحدد مستقبل الكهرباء في تونس فقط بعدد المحطات التي ستُبنى، أو بحجم الاستثمارات التي ستُضخ في الشبكة، أو بنسبة الطاقات المتجددة التي ستدخل منظومة الإنتاج، بل بقدرة الدولة على فهم المجتمع الذي باتت مطالَبة بتزويده بالطاقة. فالمعضلة المقبلة لن تكون مجرد فجوة بين العرض والطلب، وإنما فجوة أعمق بين بنية اجتماعية تتكثف حاجتها إلى الكهرباء وسياسات ما تزال تتعامل معها بمنطق التوقع التقني للأحمال. لقد أصبح المجتمع التونسي أكثر تمدّناً واتصالاً واستهلاكاً وحساسية للحرارة، كما غدت منازله ومؤسساته وخدماته وأشكال عمله وتعليمه مرتبطة باستمرار التيار. لذلك لم تعد الكهرباء قطاعاً قائماً بذاته، بل صارت الوسط الذي تجري داخله الحياة الاجتماعية بأكملها.

وإذا استمرت السياسات في قراءة هذه التحولات باعتبارها مجرد ارتفاع في الاستهلاك، فإنها ستظل تطارد النتائج بدل أن تفهم أسبابها. فإضافة قدرات إنتاج جديدة قد تؤجل الاختناق، لكنها لن تحل أزمة نموذج عمراني يتمدد من دون كفاءة طاقية، ومساكن تُبنى من دون اعتبار للمناخ، ونقل يكرِّس التوسع الأفقي، وسوق يدفع الأسر باستمرار نحو اقتناء أجهزة جديدة، وإدارة رقمية تفترض وجود الكهرباء والاتصال من دون انقطاع. المستقبل الطاقي لتونس سيُحسم، بهذا المعنى، خارج محطات التوليد أيضاً: في سياسات السكن، وفي تصميم المدن، وفي تنظيم الاستهلاك، وفي العدالة المجالية، وفي نوعية المباني، وفي القدرة على تحويل الطاقة من ملف هندسي إلى سؤال اجتماعي وسياسي.

توسعت المدن والأحزمة المحيطة بها أفقياً، وانتشرت التجمعات السكنية الجديدة بعيداً عن مراكز العمل والخدمات، وتكاثرت المساكن الفردية والمحلات التجارية والمقاهي والفضاءات الاستهلاكية. ولم يكن هذا التوسع مجرد زيادة في المساحات المبنية، بل أنتج أنماطاً جديدة من الطلب على الإنارة والتبريد وضخ المياه والنقل والاتصالات والتخزين. وفي أحياء كثيرة، شُيِّد العمران قبل أن تُستكمل البنية التحتية الملائمة له.

نقل انتشار الاقتصاد الخدمي، والرقمنة، والتعليم المتَّصِل، والعمل من المنزل، والإدارة الإلكترونية.. جزءاً متزايداً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى أجهزة لا تعمل إلا بتيار مستقر. وأصبح الانقطاع يعطِّل، في اللحظة نفسها، العمل والدراسة والاتصال والدفع وحفظ البضائع وتشغيل المعدات الصحية.  

ولن يكون الانتقال إلى الطاقات المتجددة كافياً إذا أعاد إنتاج التفاوتات نفسها، بحيث تستطيع الفئات الميسورة حماية استقلالها الطاقي، بينما تبقى الفئات الأضعف رهينة شبكة متعبة وتعريفة متقلبة وخدمات غير متكافئة. فالخطر ليس أن تنقطع الكهرباء فقط، بل أن يتحول استمرارها إلى امتياز يُشترى، بعد أن كان وعداً عمومياً بالمساواة. عندها لن تعود الشبكة الوطنية فضاءً لدمج المجتمع، بل قد تصبح مرآة لتجزئته.

لهذا تحتاج تونس إلى سياسة لا تستشرف كمية الطاقة التي ستستهلكها البلاد فحسب، بل شكل المجتمع الذي تريد بناءه. فالسؤال الحقيقي ليس كيف ننتج كهرباء أكثر لملاحقة حاجات تتضخم بلا نهاية، وإنما كيف نعيد تنظيم العمران والاقتصاد والحياة اليومية بما يجعل الحق في الطاقة قابلاً للاستمرار وعادلاً في توزيعه. ومن دون هذا التحول في الرؤية، ستظل الدولة توسّع الشبكة في اللحظة نفسها التي يتجاوزها فيها المجتمع.

______________________

المراجع

Agence Nationale pour la Maîtrise de l'Énergie (ANME). 2024. Bilan Énergétique National 2023. Tunis : Observatoire National de l'Énergie et des Mines.

Banque mondiale. 2024. Tunisia Country Economic Monitor. Washington, DC : World Bank.

Banque mondiale. World Development Indicators (WDI). Washington, DC : World Bank.

Institut National de la Statistique (INS). Recensement Général de la Population et de l’Habitat. Tunis : INS.

Institut National de la Statistique (INS). Enquête Nationale sur le Budget, la Consommation et le Niveau de Vie des Ménages. Tunis : INS.

International Telecommunication Union (ITU). Measuring Digital Development: Facts and Figures. Geneva: ITU.

Ministère des Technologies de la Communication. Rapports annuels sur la transformation numérique en Tunisie. Tunis.

Société Tunisienne de l’Électricité et du Gaz (STEG). 2024. Rapport Annuel 2023. Tunis : STEG.

Société Tunisienne de l’Électricité et du Gaz (STEG). STEG en chiffres. Tunis : STEG.

Société Tunisienne de l’Électricité et du Gaz (STEG). Historiques. Tunis : STEG.

Société Tunisienne de l’Électricité et du Gaz (STEG). Produire. Tunis : STEG.

Société Tunisienne de l’Électricité et du Gaz (STEG). Distribuer. Tunis : STEG.

مقالات من تونس

للكاتب/ة