ما بعد المؤتمر: الاتحاد العام التونسي للشغل وتآكل الطبقة الوسطى

وحدة شكلية وصراع مستمر! المؤتمر الأخير، الذي أُريد له أن يُغْلِق صفحة صراع داخلي طويل داخل الاتحاد العام التونسي للشغل، لا يبدو أنّه نجح إلا في إعادة صياغة هذا الصراع بدلاً من إنهائه. فقد خرج الاتحاد من مؤتمره بوحدة تنظيمية معلَنة، لكن على قاعدة توازنات هشّة، وبمشهد نقابي يعكس انقساماً مستمراً بين منطق الحفاظ على الجهاز ومنطق استعادة الدور. وهنا تكتسب البيروقراطية النقابية معناها الحقيقي، بوصفها آلية دفاع عن استمرارية الجهاز، أكثر من كونها أداة لإعادة بناء التمثيل الاجتماعي.
2026-05-14

فؤاد غربالي

أستاذ علم الاجتماع، تونس


شارك
تظاهرة للاتحاد العام التونسي للشغل

المؤتمر الأخير، الذي انعقد في آذار/ مارس 2026، أُريد له أن يُغْلق صفحة صراع داخلي طويل داخل الاتحاد العام التونسي للشغل، ولكنه لا يبدو أنّه نجح إلا في إعادة صياغة هذا الصراع بدلاً من إنهائه. فقد خرج الاتحاد من مؤتمره بوحدة تنظيمية معلَنة، لكن على قاعدة توازنات هشّة، وبمشهد نقابي يعكس انقساماً مستمراً بين منطق الحفاظ على الجهاز ومنطق استعادة الدور. هذه المفارقة، أي وحدة شكلية وصراع مستمر، ليست تفصيلاً ظرفياً، بل تكثيفٌ لوضع أعمق: اتحاد قوي تنظيمياً، لكنه متآكل وظيفياً في سياق اجتماعي واقتصادي يعيد تشكيل قواعد اللعبة التي نشأ عليها. تاريخياً، لم يكن الاتحاد العام التونسي للشغل مجرد منظَّمة مهنية تدافع عن مطالب قطاعية، بل فاعلاً مركزياً في إنتاج التوازنات السياسية والاجتماعية في تونس. منذ مرحلة الاستقلال، ثم خلال عقود الدولة الوطنية، اضطلع الاتحاد بوظيفة مزدوجة: وسيط تفاوضي مع السلطة من جهة، وممثل رمزي ومادي لطبقة وسطى صاعدة من جهة أخرى. لقد تشكّلت شرعيته من هذا الموقع الوسيط، حيث كان قادراً على تحويل المطالب الاجتماعية إلى أوراق ضغط سياسية، وفي المقابل، احتواء التوترات الاجتماعية ضمن أفق تفاوضي. هذا الدور تعزّز بعد 2011، حين ظهر الاتحاد كأحد أعمدة الانتقال، لا فقط عبر حضوره في الشارع، بل أيضاً كضامن للاستقرار السياسي في لحظات الانسداد.

غير أنّ هذه الوظيفة التاريخية تبدو اليوم موضع اهتزاز. فالمؤتمر الأخير لم يكن فقط ساحة صراع بين قيادات أو تيارات نقابية، بل مرآة لتحوّل أعمق يمسّ معنى النقابة نفسها. إذ يتزامن هذا الصراع مع تراجع تدريجي لقدرة الاتحاد على لعب دور "المفاوِض المركزي" مع السلطة، في سياق اقتصادي يتّسم بتفاقم العجز المالي، وتقلّص هوامش التوزيع، وتزايد الضغوط الخارجية.

لم يعد التفاوض يدور حول تحسين شروط الإدماج الاجتماعي كما كانت الحال سابقاً، بل صار أقرب إلى إدارة الندرة وتوزيع الخسائر. وهنا تبرز مفارقة ثانية: اتحاد يملك أدوات ضغط تقليدية: (الإضراب، التعبئة، الشرعية التاريخية)، لكنه يعمل في سياق لم تعد فيه هذه الأدوات كافية لإنتاج مكاسب ذات معنى. في قلب هذه التحولات، تبرز مسألة تآكل الطبقة الوسطى بوصفها عنصراً حاسماً لفهم الأزمة الحالية. فالقاعدة الاجتماعية التي غذّت تاريخياً قوة الاتحاد، موظفو القطاع العام، الأجراء المستقرون، الفئات الحضَرية الصاعدة، تشهد منذ سنوات مسار انحدار تدريجي، سواء من حيث القدرة الشرائية أو الاستقرار المهني أو الموقع الرمزي. توسُّع العمل الهش، وتراجُع التشغيل العمومي، وتآكل منظومات الحماية الاجتماعية، كلها عوامل أعادت تشكيل بنية الشغيلة، ودَفعت شرائح واسعة إلى أوضاع أقرب إلى الهشاشة منها إلى "الوسطية" التي كانت تمثّلها. في هذا السياق، لم يعد السؤال فقط: كيف يدير الاتحاد صراعاته الداخلية؟ بل: من يمثّل الاتحاد اليوم، وفي أي مجتمع؟

هنا تتكثف المفارقة الأساسية التي يطرحها "ما بعد المؤتمر": اتحاد يحافظ على استمراريته التنظيمية، لكنه يواجه تفكك الحامل الاجتماعي الذي منح هذه الاستمرارية معناها. فالصراع داخل هياكله لا ينفصل عن صعوبة تمثيل واقع اجتماعي متحوِّل، حيث تتزايد أشكال العمل غير المؤطَر نقابياً، وتتنامى احتجاجات خارج الأطر التقليدية، وتتراجع ثقة فئات واسعة في جدوى الوساطة النقابية. كما أنّ علاقته مع الدولة لم تعد تقوم على معادلة التوازن القديمة، بل على توتر دائم بين سلطة تبحث عن تمرير إصلاحات موجِعة، ونقابة تجد نفسها بين ضغط قواعد متضرِّرة وحدود تفاوض ضيقة. بهذا المعنى، لا يمكن قراءة المؤتمر الأخير كحدث تنظيمي معزول، بل كحلقة ضمن مسار أوسع يعيد طرح سؤال الدور: هل لا يزال الاتحاد قادراً على أداء وظيفة الوسيط الاجتماعي، في سياق يتآكل فيه أساس هذا الدور؟ أو أنّه يتحوّل تدريجياً إلى جهاز تفاوضي يدير أزمة أكثر مما يمثّل مصالح واضحة؟ وهل تعكس الانقسامات الداخلية اختلافاً في الرؤى حول الاستراتيجيات، أو تعبِّر عن أزمة أعمق تتعلّق بإعادة تعريف "من هي الطبقة التي يتحدث باسمها الاتحاد؟".

منذ مرحلة الاستقلال، ثم خلال عقود الدولة الوطنية، اضطلع الاتحاد بوظيفة مزدوجة: وسيط تفاوضي مع السلطة من جهة، وممثل رمزي ومادي لطبقة وسطى صاعدة من جهة أخرى. لقد تشكّلت شرعيته من هذا الموقع الوسيط، حيث كان قادراً على تحويل المطالب الاجتماعية إلى أوراق ضغط سياسية، وفي المقابل، احتواء التوترات الاجتماعية ضمن أفق تفاوضي.

انطلاقاً من ذلك، تطرح هذه اللحظة جملة من الأسئلة التي تتجاوز حدود المؤتمر نفسه: هل يمكن لنقابة وُلِدت في سياق صعود الطبقة الوسطى أن تعيد تعريف دورها في سياق انحدارها؟ كيف يمكن للاتحاد أن يعيد بناء تمثيليته في ظل تحوّل بنية الشغل وتنامي الهشاشة؟ وهل نحن أمام أزمة ظرفية قابلة للتجاوز عبر إعادة ترتيب التوازنات الداخلية، أو أمام تحوّل بنيوي يفرض مراجعة عميقة لنموذج النقابة ووظيفتها في المجتمع التونسي؟

أزمة التمثيل: من نقابة للطبقة الوسطى إلى فاعل في مجتمع متحوّل

تتجه فاعلية الاتحاد العام التونسي للشغل اليوم نحو منطقة "اللايقين" السوسيولوجي، حيث لم تعد الأزمة مجرد تصدع عابر في التوازنات البيروقراطية، أو صراع أجنحة حول القيادة والتمثيل، بل هي انعكاس بنيوي لخلخلة عميقة في القاعدة الاجتماعية التي نهضت عليها المنظمة لعقود. إن ما يشهده الواقع التونسي الراهن هو تفكك تدريجي ودراماتيكي لـ "مجتمع الأجراء المستقرين" الذي شكَّل، تاريخياً، العمود الفقري للطبقة الوسطى والوقود الحيوي لمنظمة الشغيلة. هذا التفكك أنتج بالضرورة بروز مجتمع جديد يتسم بالسيولة العالية والهشاشة المطلقة، وهو ما يضع "الشرعية التاريخية" للاتحاد في مواجهة صدامية مباشِرة مع واقع سوسيولوجي جديد، صار يرفض الوسائط التقليدية ويمجّ أدواتها الكلاسيكية. لقد كان الاتحاد، في لحظات التأسيس وما بعد الاستقلال، هو "المكان الرمزي" الوحيد، الذي تتحول فيه المطالب الفردية المشتتة إلى إرادة جماعية صلبة، مستمداً قوته من قدرة "الدولة-الرعاية" على توفير الحد الأدنى من ضمانات الاستقرار الاجتماعي. أما اليوم، ومع تراجع الدولة عن أدوارها الحمائية وتحوِّلها إلى جهاز يدير "الندرة"، تحت ضغط الإملاءات الهيكلية الدولية، فإن الاتحاد يجد نفسه في موقع حارس "حصن لطبقة متآكلة"، بينما تتشكل خارج أسواره، وفي صمت، "بروليتاريا هشة" من شباب الاقتصاد الموازي، وعمال المنصات، وفئات واسعة من المهمشين، الذين لا يجدون في الخطاب النقابي التقليدي أي صدى لمظالمهم أو أفقاً لانتظاراتهم.

هذا التحول الجذري يفرض بالضرورة إعادة قراءة دور الاتحاد، ليس بصفته مجرد مفاوِض مالي يبحث عن زيادات في أجور فقدت قيمتها الرمزية والشرائية، بل كفاعل يواجه "مجتمع الهبوط الطبقي"، الذي لم يعد يؤمِن بجدوى الترقي الاجتماعي عبر المسارات التقليدية كالتعليم والوظيفة العمومية. إن الأزمة الحقيقية تكمن في أن الأدوات النضالية الكلاسيكية، من إضراب وتعبئة ميدانية، صارت تصطدم بنموذج اقتصادي "متوحش" نجح في تفكيك وحدات الإنتاج الكبرى، وتحويلها إلى شتات من المهن الهشة والمؤقتة، التي يستعصي تأطيرها نقابياً أو صهرها في بوتقة تنظيمية موحدة. ومن منظور الأنثروبولوجيا السياسية، فإن فقدان الاتحاد لـ "سلطة التسمية"، وقدرته على توجيه الحقل العام، يعود في الأساس إلى بروز نزعات فردانية حادة، واحتجاجات عفوية وقطاعية تتجاوز المركزية النقابية وتتمرد عليها، مما جعل المنظمة تبدو في نظر السلطة، وفي نظر القواعد الاجتماعية الصاعدة، كجزء من "النخبة القديمة" التي تدافع عن مكتسبات قطاعية ضيقة، ومصالح "أرستقراطية عمالية"، في مواجهة انهيار وطني شامل يطال الجميع.

إن الاستمرار في إدارة الصراع داخل أروقة الاتحاد بمنطق "الحفاظ على الجهاز" التنظيمي، من دون الانتباه الحقيقي والعميق إلى التغير الراديكالي في بنية الشغيلة، يمثل تكريساً صريحاً للعزلة السوسيولوجية وتعميقاً للفجوة مع الواقع. فالمجتمع التونسي المعاصِر لم يعد ذلك الكيان المتجانس، الذي يسهل تمثيله بـ"عقد اجتماعي" واحد وبسيط، بل هو مجتمع متشظٍّ يبحث عن نماذج تمثيلية أكثر مرونة وقرباً من واقع "الهشاشة" اليومي. وبالتالي، فإن السؤال الجوهري عن من الفئة التي يمثِّلها الاتحاد اليوم، لا ينفصل إطلاقاً عن سؤال الهوية الوطنية والسياسية في ظل تصاعد مقاربات، تسعى إلى تجاوز كل الأجسام الوسيطة وتهميشها، نقابية كانت أم سياسية. إن الاتحاد يقف اليوم أمام حتمية تاريخية لا تقبل التأجيل: فإما إعادة اختراع نفسه كمنظمة اجتماعية شاملة تتبنى قضايا "المحرومين من الأمان الوظيفي"، ليعيد بناء كتلة تاريخية صلبة قادرة على موازنة القوى، وإما البقاء كمجرد "ذاكرة مؤسساتية" تدافع عما تبقى من أطلال طبقة وسطى آخذة في الاضمحلال السريع، وهو ما يعني في المحصلة النهائية التحول من فاعل يصنع التاريخ، إلى موضوع للدراسة السوسيولوجية حول أفول الوسائط الكبرى في زمن الأزمات الوجودية.

تبرز مفارقة ثانية: اتحاد يملك أدوات ضغط تقليدية: (الإضراب، التعبئة، الشرعية التاريخية)، لكنه يعمل في سياق لم تعد فيه هذه الأدوات كافية لإنتاج مكاسب ذات معنى. في قلب هذه التحولات، تبرز مسألة تآكل الطبقة الوسطى، بوصفها عنصراً حاسماً لفهم الأزمة الحالية.

هل يمكن لنقابة وُلِدت في سياق صعود الطبقة الوسطى أن تعيد تعريف دورها في سياق انحدارها؟ كيف يمكن للاتحاد أن يعيد بناء تمثيليته في ظل تحوّل بنية الشغل وتنامي الهشاشة؟ وهل نحن أمام أزمة ظرفية قابلة للتجاوز عبر إعادة ترتيب التوازنات الداخلية، أم أمام تحوّل بنيوي يفرض مراجعة عميقة لنموذج النقابة ووظيفتها في المجتمع التونسي؟ 

إن قوة الحجة هنا تفترض بوضوح أن الدفاع عن الطبقة الوسطى لم يعد ممكناً بالأدوات نفسها، واستعادة الدور القيادي والريادي تتطلب شجاعة معرفية وسياسية للاشتباك مع واقع "الهشاشة"، بوصفه المختبر الحقيقي والوحيد لمستقبل العمل السياسي والنقابي في تونس. 

لقد انتهى زمن النقابة التي تكتفي بالدفاع عن "الحق في الأجر"، لتبدأ مرحلة النقابة التي يجب أن تدافع عن "الحق في المجتمع"، أي الحق في وجود فضاء عام يحمي الأفراد من السقوط في قاع التهميش. إن تآكل الطبقة الوسطى ليس مجرد مؤشر إحصائي، بل هو خلل في التوازن الحيوي للدولة والمجتمع، وفشل الاتحاد في استيعاب هذا التحول يعني تحوله إلى تنظيم "وظيفي"، يخدم استقرار السلطة بدلاً من أن يكون صمام أمان للمجتمع.

الصراع الداخلي كعرض لأزمة بنيوية لا كخلاف تنظيمي

إنّ ما يجعل الصراع الداخلي داخل الاتحاد العام التونسي للشغل يتجاوز مستوى "الخلاف التنظيمي" هو أنّه لم يعد يدور حول الأشخاص أو المواقع بقدر ما يكشف عن تصادم بين زمنين اجتماعيين مختلفين: زمن تشكّلت فيه النقابة كوسيط مركزي داخل دولة الرعاية الوطنية، وزمن جديد يتآكل فيه هذا النموذج تحت ضغط التحولات النيوليبرالية وتفكك البنية التقليدية للأُجراء. فالاتحاد يجد نفسه اليوم أمام واقع اجتماعي لم يعد ينتج الفئات نفسها التي صنعت قوته الرمزية والتنظيمية خلال عقود. لذلك فإنّ الانقسامات التي ظهرت بعد المؤتمر الأخير ليست مجرد انعكاس لتنافس تيارات أو قيادات، بل تعبير عن أزمة أعمق تخصّ معنى التمثيل نفسه، داخل مجتمع يتغير بوتيرة أسرع من قدرة الجهاز النقابي على استيعابه.

هذا التوازن بدأ يتفكك تدريجياً منذ التسعينيات مع صعود سياسات إعادة الهيكلة، ثم دخل مرحلة أكثر حدة بعد 2011 مع تفاقم المديونية، وتراجع التشغيل العمومي، واتساع الاقتصاد غير المنظَّم. هنا بالتحديد ظهرت المفارقة التي تحكم الأزمة الحالية: فالاتحاد لا يزال يمتلك قوة رمزية وتنظيمية كبيرة، لكنه يفاوض داخل اقتصاد لم يعد قادراً أصلاً على إنتاج التسويات الاجتماعية القديمة. فالنقابة التقليدية تقوم على فكرة العامل المستقر القابل للتأطير طويل المدى، بينما المجتمع التونسي الراهن ينتج فئات واسعة من العمال المؤقتين، والعاملين في الاقتصاد الموازي، وشباب المنصات والخدمات الهشة، وهي فئات لا تملك علاقة عضوية بالنقابة، ولا ترى في هياكلها أداة فعالة لتحسين شروط وجودها.

الأزمة الحقيقية تكمن في أن الأدوات النضالية الكلاسيكية، من إضراب وتعبئة ميدانية، صارت تصطدم بنموذج اقتصادي "متوحش"، نجح في تفكيك وحدات الإنتاج الكبرى، وتحويلها إلى شتات من المهن الهشة والمؤقتة، التي يستعصي تأطيرها نقابياً أو صهرها في بوتقة تنظيمية موحدة.

تآكل الطبقة الوسطى ليس مجرد مؤشر إحصائي، بل هو خلل في التوازن الحيوي للدولة والمجتمع، وفشل الاتحاد في استيعاب هذا التحول يعني تحوله إلى تنظيم "وظيفي"، يخدم استقرار السلطة بدلاً من أن يكون صمام أمان للمجتمع. 

وتتجلى هذه الفجوة أيضاً في طبيعة الخطاب النقابي نفسه. فبينما يتحدث الاتحاد بلغة الحقوق المكتسَبة والأجور والترقيات، يعيش جزء واسع من المجتمع خارج منطق "الحق المستقِر" أصلًا. لذلك تبدو النقابة، بالنسبة إلى قطاعات صاعدة من الشباب والعمال غير المستقرين، مؤسسة تدافع أساساً عن الفئات التي لا تزال داخل المنظومة الرسمية، أكثر مما تعبِّر عن الأغلبية الجديدة التي أفرزتها الأزمة الاقتصادية. وهذا ما يفسر تصاعد الاحتجاجات العفوية والقطاعية خارج الأطر النقابية التقليدية، حيث صار الشارع ينتج أشكالاً جديدة من الغضب لا تمر عبر الوساطة النقابية الكلاسيكية.

ومن هنا تكتسب البيروقراطية النقابية معناها الحقيقي، بوصفها آلية دفاع عن استمرارية الجهاز أكثر من كونها أداة لإعادة بناء التمثيل الاجتماعي. فكلما تقلصت قدرة النقابة على تحقيق مكاسب مادية حقيقية، ازداد ميل الهياكل الداخلية إلى الانغلاق والمحافظة على توازناتها الخاصة. لقد صار الحفاظ على الوحدة التنظيمية هدفاً في حد ذاته، حتى وإن كان ذلك على حساب تجديد الوظيفة الاجتماعية للنقابة.

في النهاية، تكشف الأزمة الحالية أنّ الاتحاد يواجه مأزقاً تاريخياً يشبه مأزق معظم الوسائط الكبرى في المجتمعات التي دخلت طور الهشاشة المعمَّمة. فالمشكل لم يعد في القدرة على إدارة التنظيم فقط، بل في القدرة على إنتاج معنى جماعي داخل مجتمع يتفكك طبقياً ورمزياً. لذلك فإن مستقبل الاتحاد لن يُحسَم عبر إعادة توزيع المواقع داخل القيادة، بل عبر قدرته على تجاوز صورته كجهاز بيروقراطي مرتبط بالدولة القديمة، والتحول إلى فضاء قادر على تمثيل الفئات الجديدة التي ولَّدها الانحدار الاجتماعي. بدون هذا التحول، سيظل الصراع الداخلي يتكرر باعتباره عرَضاً دائماً لأزمة بنيوية أعمق من أي خلاف تنظيمي عابر.

مقالات من تونس