ظلام نواكشوط يعري هشاشة البنية التحتية.. فهل تفتح ملفات المحاسبة؟

يظل التزام الحكومة بنشر مخرجات لجنة التحقيق المستقلة، وتطبيق توصياتها، المحك الفعلي لإثبات جدية الإرادة السياسية في إصلاح المرفق العمومي، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. ويستدعي ذلك إخضاع جميع عقود التوريد والصيانة، لآليات تفتيش صارمة، تشمل اختبارات القبول الميداني للمعدات قبل استلامها النهائي.
2026-09-14

أحمد ولد جدو

كاتب ومدون من موريتانيا


شارك
سكان نواكشوط أكثر من مليون نسمة

عاشت العاصمة الموريتانية نواكشوط أواخر آب/أغسطس المنصرم، على وقع أزمة كهرباء خانقة، إذ شهدت المدينة انقطاعاً شبه شامل للكهرباء، دام لأيام في بعض أحيائها، ما شكل حدثاً استثنائياً، كشف عن الهشاشة المتجذرة في البنية التحتية للمرافق العامة في الدولة، وانعكس بصورة مباشرة، على الأنشطة الاقتصادية والخدمية وشبكات المرافق العامة.

بداية الحكاية

بدأت الأزمة في 21 آب/ أغسطس، إثر اندلاع حريق في محطة التحويل الفرعية الشرقية ذات الجهد المتوسط (33/15 كيلو فولت)، التابعة للشركة الموريتانية للكهرباء "صوملك". تسبب هذا الحريق الأول في قطع جزئي ومباشر للتيار الكهربائي، عن مناطق واسعة في ولاية (محافظة) نواكشوط الشمالية، ومقاطعات دار النعيم، وتوجنين، وعرفات، بالإضافة إلى تعطيل خطوط التغذية الممتدة إلى بلديات واد الناقة، وإديني، وأوليغات، وهي بلديات تقع خارج نواكشوط. وقبل أن تتمكن الفرق الفنية من احتواء أضرار الحريق الأول، واستعادة استقرار الشبكة، تلقت المنظومة الكهربائية ضربة ثانية أشد قسوة يوم 22 آب/ أغسطس، حيث اندلع حريق ثانٍ في محطة تحويل نواكشوط الغربية ذات الجهد المتوسط (33/15 كيلوفولت)، ما أدى إلى عيش  معظم أحياء مقاطعتي لكصر وتفرغ زينة في ظلام دامس، استمر حوالي 12 إلى 48 ساعة متواصلة في بعض الأجزاء. وفي بعض المناطق الأخرى من العاصمة، وصل الانقطاع المتواصل إلى خمسة أيام، إلى جانب تهديد التغذية الكهربائية لعدد من المنشآت الاستراتيجية المحيطة، وفي مقدمتها مطار نواكشوط الدولي (أم التونسي)، و"ميناء تانيت" للصيد التقليدي.

مقالات ذات صلة

استمرت عمليات إصلاح الأضرار الفنية عدة أيام، إذ أعلنت شركة "صوملك" عن وصول قطع غيار جديدة، وقواطع وخلايا توزيع لتركيبها في المحطتين. واستمرت إعادة الخدمة بشكل تدريجي ومرحلي حتى أعلنت الشركة رسمياً في وقت متأخر من ليل 27 آب/ أغسطس 2026، عن تشغيل محطتي التحويل الشرقية والشمالية بكامل طاقتهما الاستيعابية، وعودة الخدمة إلى وضعها الطبيعي والمستقر في عموم العاصمة. لكن تلت ذلك الإعلان انقطاعات، وإن كانت أخف من ذروة الأزمة.

فتش عن الهشاشة والفساد

فتحت أزمة الكهرباء النقاش حول هشاشة البنية التحتية في موريتانيا، وحول الفساد والإهمال، إذ رجح البعض أن أهم أسبابها هو طبيعة منح الصفقات المتعلقة بالإنشاءات، وغياب الرقابة الجادة، والاعتماد على مقاولين غير مؤهلين، يغلِّبون الربح بالغش بدلاً من اتقان العمل. فقد طرحت الحادثتان علامات استفهام جادة، بشأن نجاعة الصيانة الوقائية ومعايير الجودة المتبعة في صفقات المعدات.

أثارت تصريحات المدير العام لشركة "صوملك" الجدل، حيث أعلن عن أن الشركة غير ملزمة بتعويض الزبائن، عن الأضرار والخسائر المادية، التي لحقت بممتلكاتهم وتجارتهم جراء الانقطاع، مبرراً ذلك بعدم توافر الموارد المالية والسيولة الكافية، لدى الشركة لتمويل مثل هذه التعويضات، متمسكاً بظرف "القوة القاهرة"، لإعفائها التام من المسؤولية المالية.

وفي فاتح أيلول/ سبتمبر، أصدرت منظمة الشفافية الشاملة المعنية بمكافحة الفساد، تقريراً بخصوص الحادثة، أكدت فيه أن أزمة كهرباء نواكشوط جاءت نتيجة اشتعال محطتين تحويليتين، إثر تركيب كابلات جهد متوسط، نفذتها شركة CTM Bâtiment المملوكة لنائب برلماني، في شبهة واضحة لتعارض المصالح وغياب الخبرة الفنية. وأوضحت المنظمة أن المعطيات والفيديوهات أكدت أن اندلاع الحريق كان من الصناديق المرتبطة حديثاً بتلك الكابلات، مع استبعاد فرضيات التخريب والحمولة الإضافية. وأشارت إلى أنه على الرغم من تجاوز الشركة للآجال المحددة بخمسة أضعاف، فقد حظيت بصفقات إضافية وتغاضٍ عن معايير المنافسة المالية والفنية، وهو ما دفع المنظمة إلى إصدار تقريرها وإحالته إلى الوزير الأول ولجنة التحقيق الحكومية، موصيةً بفحص الكابلات هندسياً، ومراجعة كاميرات المراقبة لتحديد المسؤوليات بدقة.

وكان الوزير الأول المختار ولد أجاي، قد أكد أن رأس الدولة، محمد ولد الشيخ الغزواني، أصدر تعليماته بتشكيل لجنة وزارية لمتابعة آثار الحريقين، في محطتي التحويل الكهربائيتين بنواكشوط الشمالية ونواكشوط الغربية، إلى جانب تشكيل لجنة تحقيق مستقلة للوقوف على ملابسات الحادث، وتحديد أسبابه والمسؤوليات المرتبطة به.

وقد حُددت للجنة مهلة زمنية قدرها 30 يوماً؛ لتقديم تقريرها الشامل والتوصيات العملية للوزير الأول، مع إمكانية تمديد الفترة 15 يوماً فقط للحاجة الفنية.

نواكشوط غارقة في الظلام اثر انقطاع الكهرباء

خسائر الناس

ألقت الأزمة كذلك بظلالها على واقع المواطنين المعيشي، فقد تسببت الانقطاعات الطويلة في خسائر مادية مباشرة للأنشطة التجارية والخدمية في نواكشوط، فتعرضت المحال التجارية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، كالمجازر ومحلات بيع المواد الغذائية والمخابز، لتلف كميات كبيرة من الأغذية والمجمدات واللحوم نتيجة توقف أجهزة التبريد. وعلى مستوى المنشآت الاستراتيجية، واجهت المستشفيات الحكومية والمراكز الصحية ضغوطاً حادة؛ لتشغيل المولدات الاحتياطية لفترات طويلة، ما هدد سلامة سلاسل تبريد الأدوية والحقن الطبية الحساسة، في حين تأثرت تشغيلية بعض الأجهزة الطبية المعقدة مثل أجهزة التصوير الطبقي. وفي القطاع اللوجستي، تأثرت عمليات تفريغ الصيد ونشاط التبريد في "ميناء تانيت"، إلى جانب الاعتماد على خطوط طوارئ بديلة؛ لتأمين العمليات الملاحية في مطار نواكشوط الدولي. 

وقد أثارت تصريحات أدلى بها المدير العام لشركة "صوملك" الجدل، حيث أعلن بشكل مباشر عن أن الشركة غير ملزمة بتعويض الزبائن، عن الأضرار والخسائر المادية، التي لحقت بممتلكاتهم وتجارتهم جراء الانقطاع، مبرراً ذلك بعدم توفر الموارد المالية والسيولة الكافية، لدى الشركة لتمويل مثل هذه التعويضات، متمسكاً بظرف "القوة القاهرة" لإعفائها التام من المسؤولية المالية. وقد قوبلت هذه التصريحات بموجة استنكار واسعة، بين القانونيين والمتخصصين والجمهور، نظراً لأن التذرع بالقوة القاهرة، يقتضي قانوناً وقوع حادث خارجي مفاجئ لا يمكن التنبؤ به ولا التغلب عليه، بينما تشير الحرائق إلى أنها ناتجة عن اختلالات فنية داخلية أو قصور في الصيانة، وهي مسؤولية تشغيلية تقع على عاتق المرفق المحتكِر للخدمة، ولا تندرج تلقائياً تحت مفهوم الظروف القاهرة، التي تعفي من تعويض الضرر.

خلاصات الأزمة 

أظهرت أزمة انقطاع الكهرباء في نواكشوط، ضرورة الانتقال من معالجة الأعراض السطحية للأزمات الطارئة، إلى اعتماد خطة إصلاح هيكلية شاملة لمنظومة الطاقة والتوزيع في موريتانيا. ويتطلب ذلك في المقام الأول إعادة تصميم شبكة التوزيع في العاصمة، وفق معايير السلامة الثنائية والمعافاة التلقائية، لضمان قدرة المنظومة على التكيف والتحويل السريع للأحمال الكهربائية، بعيداً عن العقد المتضررة فور وقوع أي خلل طارئ.

ويظل التزام الحكومة بنشر مخرجات لجنة التحقيق المستقلة، وتطبيق توصياتها المحك الفعلي لإثبات جدية الإرادة السياسية في إصلاح المرفق العمومي، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. ويستدعي ذلك إخضاع جميع عقود التوريد والصيانة، لآليات تفتيش صارمة، تشمل اختبارات القبول الميداني للمعدات قبل استلامها النهائي.

للكاتب/ة