كان الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، والحرب التي اندلعت في شباط / فبراير 2026، وما تبعها من إغلاق لمضيق هرمز، بمثابة الكاشف العاري عن هشاشة دولة تكتنز مقدرات طبيعية مهمة وثروة حيوانية هائلة، وتواجه في الوقت نفسه صعوبة بالغة في تأمين لقمة عيش مواطنيها بعيداً عن تقلبات الطاقة العالمية، وسط مشهد ميداني محتقن يضع الحريات العامة وسلاسل الإمداد الحيوية على المحك.
صدمة الأسعار وسياسات الجباية المفزعة
مع تصاعد أزمة الحرب في الشرق الأوسط، أطلقت الحكومة الموريتانية سلسلة إجراءات، قالت إنها لمجابهة الوضع الحاصل، وأيضاً تأثراً بالواقع العالمي. وتَمثَّل ذلك في زيادة في أسعار المحروقات. إذ قفز سعر قنينة الغاز المنزلي الكبيرة بنسبة بلغت 66.6 في المئة!
الغاز الموريتاني: هل يحقق آمال النهضة الاقتصادية؟
21-04-2023
هل تحقق موريتانيا الاكتفاء الذاتي؟
19-09-2024
وعلى المنوال نفسه، ارتفع سعر الديزل بنسبة 10 في المئة، وكذلك أسعار البنزين بنسبة 15.3 في المئة، ما ألقى بظلاله على أسعار المواد الغذائية كافة، بما فيها المنتجات المحلية. فعلى الرغم من امتلاك موريتانيا ثروة حيوانية هائلة تُقدر بـ 29.3 مليون رأس وفق إحصاء 2024، إلا أنها شهدت ارتفاعاً حاداً في أسعار اللحوم. ويُرْجعُ "المنمون" (مربو الماشية) ذلك إلى تصاعد كلفة الطاقة، نظراً لتركز الثروة في المناطق الشرقية، وتركز الاستهلاك في العاصمة نواكشوط. فخلف مقود الشاحنات وعبر "طريق الأمل"، الشريان الوحيد الممتد لـ 1200 كلم، تنتقل هذه المواشي في رحلة مُكلفة يغذيها الديزل، هذا بالإضافة إلى بعض الضرائب الحكومية وارتفاع أسعار الأعلاف والأدوية البيطرية المستورَدة، التي تضاعفت أثمانها جراء تذبذب سعر صرف الأوقية مقابل الدولار واليورو، نتيجة الاضطراب العالمي، بحسب تجار المواشي. لكن مقابل هذا الطرح، يرى مراقبون أن قفزة الأسعار تعود أساساً إلى جشع التجار، واستغلالهم للظرفية الراهنة، في ظل ضعف الأدوات الرقابية الحكومية وقصور برامج حماية المستهلك.
ومن الإجراءات التي أثارت كذلك الجدل والقلق بين أوساط المواطنين، قرار حظر تجوال السيارات بعد منتصف الليل، إذ عُّدّ بمثابة مضايقة للناس وانتهاكاً لحريتهم في التنقل وخرقاً صريحاً للدستور، إذ لم يتم اتخاذه وفق القواعد القانونية. ومن القطاعات التي برز صوت الامتعاض فيها، قطاع تطبيقات النقل الذكي، حيث وجد بعض المواطنين في التكنولوجيا ملاذاً من البطالة، وهم يواجهون اليوم ضغوطاً مزدوجة بين سعر وقود يلتهم أرباحهم، وحظر تجوال يقتل ساعات عملهم الليلية، في ظل غياب رؤية تشاركية تخفف عنهم وطأة قرارات الترقيع الحكومية.
وقد جوبهت هذه التوجهات بانتقادات لاذعة، إذ رأت قوى مدنية، أن الحكومة فضلت تحميل المواطن فاتورة الأزمة كاملة، بدلاً من امتصاص الصدمة عبر مراجعة الضرائب على الوقود التي تصل إلى 36 في المئة، أو استرداد الأموال العامة المنهوبة التي كشفت عنها تقارير "محكمة الحسابات" بل وجد البعض أن الزيادات الحاصلة كانت مقررة قبل الأزمة العالمية، والحكومة استغلت الظرف فقط لتمريرها، وتبريرها بالحرب المندلعة.
إجراءات استعجالية.. هل تكفي؟
في المقابل، أعلنت الحكومة عن مصفوفة إجراءات استعجالية لمجابهة الواقع القاتم، شملت رفع الحد الأدنى للأجور بمقدار 5 آلاف أوقية قديمة ، وإقرار خطة تقشف رمزية تضمنت اقتطاع نسب من رواتب الرئيس والوزراء، مع تقييد حركة الأسطول الحكومي، ومنع استخدام السيارات رباعية الدفع.
خلف مقود الشاحنات وعبر "طريق الأمل"، الشريان الوحيد الممتد لـ 1200 كلم، تنتقل المواشي في رحلة مُكلفة يغذيها الديزل، هذا بالإضافة إلى بعض الضرائب الحكومية، وارتفاع أسعار الأعلاف والأدوية البيطرية المستورَدة، التي تضاعفت أثمانها جراء تذبذب سعر صرف الأوقية مقابل الدولار واليورو، نتيجة الاضطراب العالمي، بحسب تجار المواشي.
وعلى الصعيد الاجتماعي، وسعت مندوبية "تآزُر" دائرة تدخلها لتشمل 100 ألف أسرة جديدة في السجل الاجتماعي، ومحاولة تثبيت أسعار المواد الأساسية (القمح، السكر، الزيت)، عبر دعم جزئي في مراكز التموين، وهي خطوات تسعى السلطة من خلالها إلى إظهار قدرتها على ضبط الإيقاع المعيشي على الرغم من الضغوط الدولية.
قمعُ الاحتجاج ومحاولة طمس الصورة
رد الشارع لم يتأخر. ففي مساء الأحد 5 نيسان/ أبريل الجاري، خرجت في العاصمة الموريتانية نواكشوط مسيرة رافضة للسياسات الحكومية الجديدة، فواجهتها الشرطة بمسيلات الدموع والهراوات، مع حملة اعتقالات شملت عدداً من النشطاء أطلق سراحهم لاحقاً. ولم يقتصر التضييق على المتظاهرين، بل امتد ليشمل الحريات الإعلامية، إذ منعت الفرق الأمنية الصحافيين من التغطية، وصادرت معداتهم التقنية، في خطوة اعتبرها البعض محاولة لعزل الأزمة عن سياقها النقدي، وتدجين الغضب الشعبي خلف جدران الصمت.
من الإجراءات التي أثارت الجدل والقلق بين المواطنين، قرار حظر تجوال السيارات بعد منتصف الليل، إذ عُّدّ بمثابة مضايقة للناس، وانتهاكاً لحريتهم في التنقل، وخرقاً صريحاً للدستور، إذ لم يتم اتخاذه وفق القواعد القانونية. ومن القطاعات التي برز صوت الامتعاض فيها، قطاع تطبيقات النقل الذكي، حيث وجد بعض المواطنين في التكنولوجيا ملاذاً من البطالة، وهم يواجهون اليوم ضغوطاً مزدوجة بين سعر وقود يلتهم أرباحهم، وحظر تجوال يقتل ساعات عملهم الليلية.
حقوقياً، اعتبر هذا القمع انتهاكاً صريحاً للمادة (10) من الدستور، وللمواثيق الدولية التي تصون الحق في التظاهر السلمي بالإشعار لا بالترخيص. وتزامناً مع ذلك، أعلن "اتحاد التجزئة" عن التوقف التام عن بيع الغاز المنزلي، احتجاجاً على انعدام هامش الربح بعد التسعيرة الجديدة. وهو التصعيد الذي دعا إليه رئيس الاتحاد، وتلته احتجاجات للموزعين أمام مقر شركة "سوما غاز"، منتقِدين انفراد الوزارة بالقرار وتجاهلها للقطاع، مما يهدد بتوقف "شريان الحياة" في البيوت الموريتانية.
صرخة من قلب نواكشوط
الحال اليوم في موريتانيا، تجعل المواطن يقف بين مطرقة الصواريخ في حرب هرمز وسندان السياسات المحلية، بطلاً تراجيدياً يقاوم الجشع بصبره، ويواجه الحظر بهدوء، ويصادم الغاز المسيل للدموع بصرخته، وواقع الحال اليوم يفرض ضرورة الانتقال من عقلية إدارة الأرقام إلى إدارة الإنسان، عبر سلطة تحترم دستورها، وتفتح باب الحوار مع الفاعلين والمعنيين وأصحاب المصلحة، ليتوقف التعامل مع الثروات الطبيعية كمجرد أدوات للتباهي الإحصائي، بينما يغص المواطن بخيباته، بحثاً عن قنينة غاز، أو قطعة لحم في سوق لا يرحم.



