عودة التعليم في غزة.. فجوات طبقية وإنسانية

العام الدراسي الحالي هو الرابع وسطَ الحرب. فالأوّل فقدهُ الطلاب وتوقّف فجأةً مع اندلاعها في "أكتوبر 2023"، وظلوا عاماً كاملاً بلا دراسة، حيث شُلَّت كامل المنظومة الإنسانية والرسمية والإغاثية، فلم تستطع حينها لا وكالة "أونروا" ولا المنظومة الرسمية أو المؤسسات الدولية إنعاش هذا القطاع، إذ كانت صدمة الحرب وشدّتها في الأشهر الأولى، وحتى منتصف عام 2024، أكبر من القدرة على استيعابها.
2026-09-30

المقداد جميل مقداد

كاتب وباحث من غزة


شارك
خيمة مرتجلة للتعليم في غزة (تصوير فايز فريقع - Getty Images)

يتداول الناس مشهداً شهيراً في غزّة، لفتيات إحدى مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، "أونروا"، في سنوات ما قبل الحرب، فيه الفتيات يصفقن ويؤدينَ حركاتٍ استعراضية متجانسة ومميَّزة، على وقع أغنية "أرض المجد وأرض العزة، بلدي الغالية يا غزة".

تَحوّل المشهد منذ بداية الحرب إلى جزء من "النوستالجيا" الفلسطينيّة الغزاويّة، التي يعيشها أكثر من مليوني وربع المليون شخص من أهل غزّة. إذا تداوله أو نشره شخص، صار كلّ أصدقائه يشاركون في نشره ليفتح باباً للذكريات بينهم، فقد غابَت صورة الطابور المدرسي بالكامل، منذُ ثلاث سنوات عن شوارع المدينة، واختفى صوت الأطفال الصباحي وهُم يهتفون: "تحيا فلسطين عربيّة حُرّة".

عاد الطلاب والطالبات في غزّة إلى الدراسة قبل أيامٍ قليلة، وعاد العام الدراسي من دون المشهد الأصلي والمعهود للناس بباصات المدارس وسياراتها، وبالرجال والنساء وهم يسوقون أطفالهم مشياً على الأقدام نحو مدارسهم، أو للحظات الوداع الأخيرة، لأولئك الأطفال في يومهم الأوّل في المدرسة.

العام الدراسي الحالي هو الرابع وسطَ الحرب. فالأوّل فقدهُ الطلاب وتوقّف فجأةً مع اندلاعها في "أكتوبر 2023"، وظلوا عاماً كاملاً بلا دراسة، حيث شُلَّت كامل المنظومة الإنسانية والرسمية والإغاثية، فلم تستطع حينها لا وكالة "أونروا" ولا المنظومة الرسمية أو المؤسسات الدولية إنعاش هذا القطاع، إذ كانت صدمة الحرب وشدّتها في الأشهر الأولى، وحتى منتصف عام 2024، أكبر من القدرة على استيعابها.

تُشير الإحصائيات إلى أنّ حوالي 626 ألف طفل في غزة يعانون من الفاقد التعليمي، وهو ما يُمثِّل 57.4 في المئة من إجمالي عدد الأطفال في القطاع. يصعُب تدارك ذلك في ظل منظومة متهالكة، خاصة مع دوام الطلبة لثلاثة أيام أسبوعياً فقط، وبثلاث أو بأربع مواد دراسية في الحدّ الأقصى: (اللغتان العربية والإنجليزية، والرياضيات، والعلوم).

أمّا في الموسم الثاني، مع خريف 2024، فقد بدأت العودة بطريقة ليست كاملة أو مناسِبة. كان شمال غزة يعيش حصاراً صعباً فاقداً لكل المقومات التي يمكنها أن تساعد السُكان، بينما انطلق بشكلٍ ما عمل ما تُسمى "المساحات التعليمية"، المكونة من الخيام والشوادر، التي بدأت أصلاً بمبادراتٍ فردية، لبعض المعلمين أو الشبان، الذين رأوا فيها فرصةً لتوفير خدمة ضرورية، وللانشغال عن وقت الحرب المؤلم. ولاحقاً، صار فرصة لافتتاح المشاريع، أو تطويرها، أو تلقي الدعم المؤسساتي من خلال هذه المساحات.

حتى بدايات العام 2025، ومع وقف إطلاق النار الأوّل، لم تشهد غزة سوى بعض المحاولات في الجانب التعليمي، التي أسهمت فيها عدد من المبادرات المحلية والشبابية، ثم مؤسسات المجتمع المدني المحلية بدعمٍ من المؤسسات الدولية، مثل "يونسيف" و"إنقاذ الطفل". إلا أن ذلك كان يخلق فجوةً أكبر. فجزء محدود من الأطفال يذهب إلى الدراسة لساعاتٍ يومية، وجزءٌ آخر يعيش الواقع السابق نفسه، بلا تعليم، فيتقدّم البعض ويتأخر الآخر.

ومعها كانت تُخلق فجوة أُخرى. ففي حين لم تعمل وزارة التربية والتعليم أو أيّة من الجهات الحكومية الرسمية على مسألة التعليم، حتى وقتٍ متأخر، خاصة مع الاستهداف الإسرائيلي الممنهج لأي مظهر وتحرك حكومي رسمي، كان المشهد التعليمي المدني والمحلي يعيش ما يُشبه حال التيه، بلا وجود موحَّد للمناهج التعليميّة، أو سياق متكامل ومتراكم، فكل مساحة أو خيمة أو مبادرة تُعلِّم بطريقتها.

في غالبية مدارس القطاع، تتجاور النساء اللواتي يطبخن والرجال الذين يشعلون النار، مع صوت المعلمات في المساحات التعليميّة وهنّ يوجهن الأطفال في يومهم التعليمي، داخل الخيام، في باحات المدارس التي صارت مآوي للسكان... فكُل شيءٍ تبدّل دوره، وكُل مكان صار غيره.

وفي حين بقيت بعض المدارس، التي لم تتضرّر بشكل كبير، تعمل، بقدرة جزئية في مناطق وسط قطاع غزة، كانت مدارس الشمال المُدمَّرة التي يقطنها النازحون متوقفة، وبقيت حتى اللحظة عبارة عن مآوٍ كبرى للنازحين.

لا يقتصر الأمر على مدارس الشمال، فمعظم المدارس في مناطق القطاع تحوّلت إلى مراكز للإيواء، ولا تزال كذلك في ظلّ غياب عملية الإعمار، حتى المؤقت، أو التعافي بإزالة الرُكام أو بتوفير المنازل المؤقتة. يجعل الأمر جزءاً كبيراً من المدارس تعمل بنظام "النقاط التعليمية" أو المساحات، ما يعني إنشاء خيمة أو عدة خيام داخل المدرسة، لتصبح البديل عن الصفوف الدراسية. فتكون الصفوف مساحة للإيواء ومعيشة السُكان، والخيمة مساحة للتعليم.

في غالبية مدارس القطاع، تتجاور النساء اللواتي يطبخن والرجال الذين يشعلون النار، مع صوت المعلمات في المساحات التعليميّة، وهنّ يوجهن الأطفال في يومهم التعليمي... فكُل شيءٍ تبدّل دوره، وكُل مكان صار غيره.

يُفترض أن العودة الجديدة إلى الدراسة في هذا الموسم هي الأكبر والأهم منذُ بدء الحرب. في الموسم السابق، ومع شهر أيلول/ سبتمبر 2025، كانت الحرب على أشدها، وكُنا في شمال القطاع نعيشُ نزوحاً جديداً، أوقع تدميراً لجزءٍ كبير من مدينة غزّة أو ما تبقى من الشمال، وأعاق بذلك عملية التعليم بالكامل لأشهر.

مع منتصف أيلول/ سبتمبر الجاري، عاد حوالي 700 ألف طالب وطالبة للتعلم بمختلف المسارات، لكن ليس بالطريقة أو الآلية نفسها، وعلى الرغم من محاولة وزارة التربية والتعليم، بالتعاون مع "يونيسيف" السيطرة على ذلك، إلا أنه لا توجد قدرة كاملة على تنظيمها.

تُشير الإحصائيات إلى أنّ الفاقد التعليمي يُعاني منه حوالي 626 ألف طفل في غزة، وهو ما يُمثّل 57.4 في المئة من إجمالي عدد الأطفال في القطاع. يصعُب تدارك ذلك في ظل منظومة متهالكة، خاصة مع دوام الطلبة ثلاثة أيام أسبوعياً فقط، وبثلاث أو بأربع مواد دراسية في الحدّ الأقصى: (اللغتان العربية والإنجليزية، والرياضيات، والعلوم).

كما اعتمدت وزارة التربية والتعليم مسارين أساسيين للتعليم (الوَجاهي والرقمي)، بهدف ضمان استمرار مسيرة الطلبة، وهذا يعني أن جزءاً من الطلبة يدرس في خيام ومساحات تعليمية أو صفوف دراسية، والبعض الآخر والأكبر لا يدرس بطريقة تقليدية، إنما يتلقى دروسه عبر الإنترنت، وهو ما يفتح الباب لفجوة أكبر لاحقاً. إذ لم يحدُث أن اتخذ الناس التعليم الرقمي والافتراضي على محمل الجدّ، منذ أيام جائحة كورونا عام 2020. أمّا في ظل الحرب، وفي ظروف كارثية لا يستطيع الناس فيها إعالة أنفسهم، ومع تدمير منظومة الاتصالات وشبكات الإنترنت، فمن الصعب عليهم توفير الإنترنت بشكلٍ دائم أو منتظم لتعليم أطفالهم.

تَميّز الموسم الحالي بإطلاق العديد من المدارس الخاصّة العائدة الى مشاريع استثمارية وتجارية، في فجوة جديدة تبدو طبقيّة، داخل هذا المجتمع المُحمَّل بمئات الكوارث والأزمات نتيجةً للحرب التي لم تنتهِ أصلًا. صار افتتاح المدارس يُشبه "الموضة". كان يُمكن لهذه المحاولات أن تكون مميَّزة داخل مجتمع يُعاني من أثر الحرب – وليس من الحرب المستمِرة نفسها - وبحاجة إلى مدارس أكثر وبإمكانياتٍ كبيرة.

... ويؤخذ بالحسبان تدمير المنازل والتهجير والقصف، الذي أدى إلى دمار كبير في الأجهزة الإلكترونية، من حواسيب محمولة أو هواتف. ومع منع دخول هذه الأجهزة بالكامل نتيجة الحصار الإسرائيلي، ليتحوّل بذلك مفهوم "التعليم الرقمي" إلى مجرد عنوان يضمن وجود بعض الطلاب كأرقام.

ضمن خطتها في العام الجديد، تعمل وزارة التربية والتعليم على التوسع في التعليم الوجاهي، من خلال توفير حوالي 700 نقطة تعليمية موزّعة على مختلف مناطق القطاع.

ولكنها كلها لا توفر بالطبع التركيز، أو الهدوء أو عزل أثَر الحر الشديد، مع استعمال شوادر، أو أغطية من البلاستيك والنايلون تجعل الحرارة مضاعَفة، وهي تتحول في الشتاء إلى برك للمياه...

تميّز الموسم الحالي بإطلاق العديد من المدارس الخاصّة النابعة من مشاريع استثمارية وتجارية، فتحت أبوابها، في فجوة جديدة تبدو طبقيّة داخل هذا المجتمع المُحمَّل بمئات الكوارث والأزمات نتيجةً؛ للحرب التي لم تنتهِ أصلًا. صار افتتاح المدارس يُشبه "الموضة". كان يُمكن لهذه المحاولات أن تكون مميَّزة داخل مجتمع يُعاني من أثر الحرب – وليس من الحرب المستمرة نفسها - وبحاجة إلى مدارس أكثر وبإمكانياتٍ كبيرة. لكن معظم المدارس التي تُفتح الآن، استثمارية بشكلٍ كبير، وفي غالبيتها افتتحها أشخاص، طفوا على سطح المجتمع الغزّي حديثاً، كالتجار الذين صنعتهم الحرب من أزمات الناس. تضع هذه المدارس تكاليف خيالية على الطلاب، وصلت في بعض الأحيان إلى مئتي دولار في الشهر الواحد للطالب الواحد، عدا تكاليف التوصيل والزي والقرطاسية.

يبدو خيار اللجوء إلى المدارس الاستثمارية والتجارية "الخاصة" مناسباً لبعض الفئات، التي ترفض أن يُعاني أبناؤها في مدارس بدائية وفي ظروف صعبة، خاصة مع الأزمات الصحية وانتشار الأوبئة. لكن من يحكم هذه الفجاجة في تحديد الأسعار والتجهيز؟ وهل يُصبح امتياز أن تكون المدرسة مهيأة بالألوان والأشكال والألعاب والإمكانيات المميزة، مبرراً لتوضع هذه الأسعار، التي تصل إلى ضعفي دخل بعض الأسر في القطاع؟

بدأ العام الدراسي الجديد في غزّة، وتبدأ معهُ محاولات الأمل. لكن محاولات تجميل الواقع تحت شعارات "تعليم وصمود على الرغم من الدمار"، أو "أرادوا لنا التجهيل لكننا نقاوم بالعلم"، التي تناقلتها بعض المنصات أو الوكالات الإعلامية المحسوبة على جهات ما، تبدو غير منطقية. فالواقع يقول غير ذلك.

ليس التعليم صموداً في هذه الحال، إنه محاولة بسيطة من الأهالي كي ينتشلوا أولادهم من الكارثة المتراكمة، التي ستعني بعد سنواتٍ قليلة تجهيل شعبٍ بأكمله، وأراها بدأت مع هذه الفجوة الهائلة، خاصة وأن نسبة كبيرة ممن عادوا إلى الدراسة لم يعودوا رغبةً في التعليم، بقدر ما هي رغبة في إلحاق الأطفال بكشوف السنة الدراسية، التي تضمن ترفيعهم آلياً آخر العام إلى عامٍ آخر.

مقالات ذات صلة

المشهد وعلى الرغم من كل المحاولات، يبدو صعباً للغاية: فجوة تعليمية وفجوة طبقية وفجوة إنسانية بدرجة كبيرة. فجوة في ظل مدارس مُدمَّرة ومتهالكة، وخيام تحرق عقول الأطفال، وتمنعهم من استيعاب مناهجهم الدراسية، وفجوات أخرى خلقها اختلاف الظروف والأهداف، بين رغبات التكسب على ظهر مستقبل الأطفال، وحال التيه الحكومية والمؤسساتية، التي يسعى نتنياهو إلى استدامتها إلى حين خلق منظومة تعليم على مقاسه، بعد أن يكون قد نجح في تأخير طلاب غزّة عن مستقبلهم عشرات السنين!

مقالات من فلسطين

الحياة في خيمة

2026-09-24

رسالة من أبو سامح، المقيم وعائلته في خيمة في غزة منذ دمار بيته قبل أكثر من ثلاث سنوات.

"مشروع المحو": جهود إلغاء الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية!

2026-09-17

سجّلت منظمة "بتسليم" ("B'tselem"، مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة)، آلاف الافادات والشهادات، جُمعت بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023، كجزء من تقرير مفصّل بعنوان "مشروع المحو: إلغاء إسرائيل للوجود...

للكاتب/ة

ماذا تعرف عن غزة؟

بنسبة كبيرة لا يعرف الناس عن غزّة شيئًا. أدركتُ ذلك سواء من سفرتي اليتيمة تلك، أو من حواراتي العديدة مع أصدقاء في الخارج، أو من متابعتي اليومية الطويلة لآراء الناس...

جنازات مؤجلة

شاهدها الناس، وعرفوا أنهم لا يُشاهدون جنازةً عابرة، بقدر ما كانوا يُشاهِدون قهرهم وألمهم المخبأ منذ سنوات. بكى الصحافيون، بكى السكان، انهارت النساء، وذابت قلوب الأطفال من الوجع. كأنّها طاقةٌ...

عجلة أخرى للموت

تَحوَّل استخدام "العِقلاة" مع الوقت إلى كارثة، تَحوَّل ما هو غير عادي إلى عادي. دفع استسهال الناس لغياب معايير السلامة، "العقلاة"، إلى أن تكون مصدراً آخر من مصادر الموت في...