لحظة واحدة تفرق بالنسبة إلى مواطن يعيش في غزّة، بين أن يجوع أو أن يعيش. تتعلّق اللحظة بخبر بسيط ينشرهُ بعض النشطاء والصحافيين عبر قنوات "تلغرام" وصفحات الأخبار في كُل مكان. ما إن ينتشر خبر عن إغلاق المعابر أو توقيف "تنسيقات" التُجار، التي تدخل من خلالها البضائع وتُباع في القطاع، حتى يتحول المشهد سريعاً.
حدث الأمر في الأسبوعيْن الماضيين، بعد إعلان المنسق الإسرائيلي عن أزمة جديدة. فوفق قوله، أجبرت حركة حماس التُّجار الغزيين على دفع ضريبة تزيد على 10 آلاف شيكل على كُل شاحنة تجارية تعبُر إلى القطاع، ما دفع التجار للطلب من إسرائيل وقف تنسيقات البضائع، وبالتالي وقف دخول الطعام إلى غزة.
ماذا تعرف عن غزة؟
25-08-2026
الحياة في خيمة
24-09-2026
ارتبك السوق سريعاً. ومع الأيام نفدت البضائع، خاصة المهمة منها والأساسية، وتلك التي لا تحتمل التخزين الطويل، مثل المجمدات من الدجاج واللحوم، والخضار والفواكه، والبيض، وهي بالضرورة البضائع الأساسية والمواد الغذائية الرئيسيّة للناس، فيما بقيت أشكال أخرى من البضائع الثانوية: شوكلاتة وعصير وكولا.. إلخ.
جزء كبير من البضائع اختفى بقرار من التُجار، الذين قرروا تصديره إلى السوق لاحقاً بسعر أغلى ومتصاعد. وهي خطوة تحوّلت مع الوقت إلى مهنة للكثيرين، الذين يمتهنون تجارة الحرب. فيشترون البضائع بسعرها المنخفض فور حدوث أزمة، لإخفائها وإخراجها وقت اشتداد الأزمة وعدم وجود بدائل لدى الناس.
أيام قليلة حتى أعلن المنسق الإسرائيلي - حاكم غزّة الفعلي - عن حلّ الأزمة. فبحسب كلامه، تراجعت حماس عن فرض الضرائب على التُجار. لكن الأزمة لا تزال مستمرة - حتى وقت كتابة المقال - فالأسواق شحيحة وبلا بضائع، والأرفف في الدكاكين ولدى مختلف الباعة شبه خالية، خاصة من الطعام الطازج.
سؤال مُهم: هل فعلاً نفد الطعام من غزّة؟ وهل أسبوعٌ واحد كفيل بتجويع الناس؟ والإجابة: نعم ولا!
نعم، لأن جزءاً كبيراً من الناس لا يستطيع أصلاً شراء كل أنواع المواد الغذائية، غالية الثمن - مع اختلاف الفرق بين قبل الحرب وبعدها - ولا يستطيع معظم السكان شراء تلك التي تبقى بعد إغلاق المعبر واختلاق الأزمة، وبالأخص أولئك الذين يعتمدون على المُساعدات والتكيات، وليس لهم مصادر دخل، فيشترون هذه الأصناف بشكلٍ يومي ومحدود.
لا أيضاً. لأن جزءاً كبيراً من البضائع اختفى بقرار التُجار، الذين قرروا إخفاء النسبة الأكبر من الطعام، وتصديره إلى السوق لاحقاً بسعر أغلى ومتصاعد. وهي خطوة تحوّلت مع الوقت إلى مهنة للكثيرين من التُجار، الذين يمتهنون تجارة الحرب. ولذلك يشترون البضائع بسعرها المنخفض فور حدوث أزمة، لإخفائها وإخراجها وقت اشتداد الأزمة وعدم وجود بدائل لدى الناس.
عدا عن عدد من الأسباب الأخرى، التي انتهجتها إسرائيل في تطبيع سياسة التجويع في غزّة وتسهيلها في أيّة لحظة، وبقرارٍ منها. مثلاً، لا كهرباء ولا إمكانية لتخزين الطعام، لا لدى التجار ولا لدى المواطنين، لذلك فإن أشياء من مثل الدجاج واللحوم والخضروات تدخل بكميات متناسبة مع الاحتياج اليومي فقط، أو ما يبقى أسبوعاً وأسبوعيْن زيادة. لذلك يسهل قطع هذه المأكولات عن الناس بإغلاق المعبر لعدة أيام، أو بتقليل كميتها فتصبح مطلوبة بالضرورة، وغالية، ثم شحيحة.
يخلق هذا النهج، الذي اتبعتهُ إسرائيل، وبالضرورة عدد من التجار هندسة أخرى للمجاعة، لا تزال مستمرة بعد ثلاثة أعوام من الحَرب. صارت معروفة لدى السُكان، وهي سلسلة متواصلة من الإجراءات التي يُدرك الناس نهايتها، ولا يعرفون طريقة للفرار منها.
بجانب آخر، وهو جزء من نهج التجويع المُتّبَع، يجري إخفاء بعض الأطعمة أو قطعها عمداً، وعادةً ما يحدث ذلك بعد أزمة كالتي حدثت (إغلاق المعبر لأي سبب)، فلا يعود هذا الصنف بسهولة إلى السوق، إلى أن يستكسب التجار قليلًا فيخلقوا أزمتهم الخاصة.
تكرر الوضع الآن. فعلى الرغم من إعلان المنسِّق الإسرائيلي حلّ الأزمة بعد عدة أيام من إغلاق المعبر، تبدو أسواق غزة فارغة. الأسواق نفسها التي كانت مليئة بالبضائع قبل أسبوع واثنين. لكن الفكرة بسيطة: اشترى بعض التجار البضائع بثمن غالٍ، وأخفى آخرون بضائعهم، ونتيجةً لذلك يُحمِّلون الناس مسؤولية هذه الحالة، ولا يسمحون بعودة السوق الى الوضع الطبيعي، قبل التخلص مما خبأوه واشتروه.
أعلن برنامج الأغذية العالمي، عن تقليص مساعداته الغذائية في قطاع غزة بسبب نقص التمويل. لمن لا يعرف، فإن هذه المؤسسة تُقدم الكثير لغزة في وقتٍ صعب: تكيات ومطابخ شارع توفر الطعام اليومي الطازج للفقراء، طرود غذائية وطحين شهري، طحين وخبز يومي للسكان، والمبالغ المالية الدورية التي تُساعدهم على استمرار حياتهم.
مثلًا، نتيجة حرب إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في شباط/ فبراير الماضي، اختفت معظم الأصناف (البيض واللحوم)، لكن مع عودة معظم الأشياء، أخذ البيض وقتًا طويلًا ليعود بشكلٍ طبيعي، وعلى الرغم من دخوله بكمياتٍ كبيرة، إلا أن اسيتلاء التجار على آلية دخوله وتقرير الكميات المصدّرة إلى السوق، دفع الناس إلى البحث عنه، وبالتالي خلق احتياجاً كبيرا، رفع ثمنه تلقائياً في السوق، واحتاج الأمر إلى أكثر من أربعة أشهر ليعود البيض إلى الأسواق بشكلٍ طبيعي.
هذا ما يحدث تماماً الآن. فعلى الرغم من إعلان المنسِّق الإسرائيلي عن حلّ الأزمة بعد عدة أيام من إغلاق المعبر، تبدو أسواق غزة فارغة. الأسواق نفسها التي كانت مليئة بالبضائع قبل أسبوع واثنين. لكن الفكرة بسيطة: اشترى بعض التجار البضائع بثمن غالٍ، وأخفى آخرون بضائعهم، ونتيجةً لذلك يُحمِّلون الناس مسؤولية هذه الحالة، ولا يسمحون بعودة السوق الى الوضع الطبيعي، قبل التخلص مما خبأوه واشتروه.
وهناك أيضاً إعلان برنامج الأغذية العالمي، يوم الاثنين الماضي عن تقليص مساعداته الغذائية في قطاع غزة بسبب نقص التمويل. لمن لا يعرف، فإن هذه المؤسسة تُقدم الكثير لغزة في وقتٍ صعب: تكيات ومطابخ شارع توفر الطعام اليومي الطازج للفقراء، طرود غذائية وطحين شهري، طحين وخبز يومي للسكان، والمبالغ المالية الدورية التي تُساعدهم على استمرار حياتهم.
أعلن البرنامج عن تقليص الحصص الغذائية والمساعدات النقدية، وخفض عدد الوجبات المقدمة يومياً في غزة من 250 ألفا إلى 150 ألف وجبة، وهو ما يخلق أزمة أخرى، فهؤلاء المستفيدون منه يومياً، هم من فئة السكان التي لا تستطيع أصلاً شراء البضائع التجارية من الأسواق، وبالتالي، فهذا يعني وقوعهم في الجوع.
عند كتابة هذه الكلمات، كانت غزة تغرق في أزماتٍ جديدة وصعبة، أعادت بسهولة شبح المجاعة الشديد إلى أذهان الجميع. طوابير من الناس على نقاط توزيع الخبز، مخابز مُغلقة، وأرفف في الأسواق شحيحة وبلا طعام.
رسمت إسرائيل طريقها المناسِب لهندسة التجويع، بشكلٍ لا يُمكن لأحد استبداله أو محاربته.
ويحدث ذلك لمناسبة انتخابية أو لسببٍ أمني أو لوجود حدثٍ ما، كالأعياد اليهودية، فيتُقرر مباشرةً وبذريعة الإجراءات الأمنية، فرض الإغلاق ومنع الطعام عن الناس السُجناء في هذا المُعتقل الكبير المُسمّى "غزة".


