في تونس، لم تعد قضية المعتقلين الأربعة من نشطاء "أسطول الصمود" محصورة بأولئك المناضلين الأربعة من أجل غزة، القابعين في السجون. خلال أيام قليلة، فاضت القضية إلى الشارع تظاهراً واحتجاجاً، ثمّ، بشيءٍ كالعبثية، أعيد الشارع إلى السجن! وبين غضب الشارع وإطباق السجن، ثمة حياة إنسان دخلت مرحلة الخطر، وسلسلة اعتقالات ليلية بالجُملة، وبيانات نقابية وحقوقية تُعلي الصوت محذرة من تضييق متجدد على المجال العام.
في 19 أيلول/سبتمبر الجاري، خرج مئات التونسيين في العاصمة للمطالبة بالإفراج عن وائل نوار وغسان الهنشيري وغسان البوغديري ونبيل الشنوفي، المعتقلِين منذ آذار/مارس 2026، على ذمة قضية مرتبطة بنشاط "أسطول الصمود"، بمزاعم غير مدعَّمة حول "سوء إدارة أموال" تتعلق بالأسطول.
كان القضاء قد قرر في 11 أيلول/سبتمبر تمديد توقيفهم أربعة أشهر إضافية. وفي تلك الأثناء، كان وائل نوار يخوض إضراباً مفتوحاً عن الطعام، بدأه في 16 آب/أغسطس 2026، لينضمّ إليه رفاقه الثلاثة في 9 أيلول/سبتمبر.
خارج الأسوار، كان والد المناضل وائل نوار يخوض "إضراب جوع" موازٍ، مطالِباً بفكّ أسر ابنه وسائر النشطاء، وقد غطينا في "السفير العربي" تفاصيل قضيّتهم منذ أسابيع قليلة في هذه الزاوية، منْضمّين الى المطالِبين بالحرية لكلّ المناضلين. لكن، منذ ذلك الحين إلى الآن، لم يحدث سِوى أن ازدادت الأمور تدهوراً على أرض الواقع.
*****
بهذا، لم تكن المسيرة التي جابت شوارع تونس العاصمة مجرد تحرّك تضامني دعماً لفلسطين. فقد رفض المحتجون ما بات يُفسَّر على أنه تجريمٌ لأصل التضامن مع فلسطين وغزة، بما تحوَّل إلى اختبار فوري لعلاقة السلطة بالاحتجاج والشارع والمجتمع من جهة، والى موقف السلطة من الحراكات المرتبطة بفلسطين بالذات، من جهة أخرى.
في الليلة التالية للمسيرة، بدأت الاعتقالات.
أعلنت هيئة الدفاع عن معتقلي "أسطول الصمود" توقيف 15 شخصاً على الأقلّ، من المشاركين في التحركات المطالِبة بالإفراج عن المعتقلين، خلال ليل الأحد 20 أيلول/سبتمبر. وقالت مصادر حقوقية إن المعتقلين أُخِذوا من منازلهم ومن الشوارع، عبر مداهمات واستعراض للقوة، كما حُرِم المعتقلون طيلة ساعات الليل من الاتصال بعائلاتهم ومحاميهم، ومُنع الأخيرون من مقابلتهم وحتى من من معرفة مصيرهم. وصف المحامون العملية بأنها "أشبه بالاختطاف".

تتغير إذاً دلالة المشهد. فما مِن قضية مالية مزعومة متعلقة بـ"إدارة أموال أسطول الصمود" ترتبط بهؤلاء المعتقلين الجدد، بل ما مِن تهمة واضحة حتى. جلّ ما فعلوه أنهم كانوا في الشارع يطالبون بإطلاق سراح من اعتُقلوا على خلفية نشاط مرتبط بفلسطين.
أسطول الصمود: لم تنتهِ المهمّة
09-10-2025
ماذا يبقى إذاً من الحقّ في الاحتجاج إذا أصبح التضامن مع معتقلين آخرين سبباً للاعتقال؟ بل ماذا يعني ذلك إذا كانت "جريمة" هؤلاء جميعاً، المعتقلين القدماء والجدد، هي التضامن مع غزة، ومع مُيسِّري أسطولٍ أو قافلةٍ لفكّ الحصار عنها؟
لم يكتفِ البيانٍ المشترك للاتحاد العام التونسي للشغل، وهيئة المحامين التونسيين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بالمطالبة بالإفراج عن الموقوفين. فقد حذّر أيضاً من أنّ توسيع الملاحَقات القضائية لتشمل المشاركين في تحركات سلمية، من دون تمييز واضح بين ممارسة الحق في الاحتجاج وبين الأفعال التي يُجرّمها القانون، مما قد يحوِّل التعامل الأمني والقضائي مع الاحتجاجات إلى وسيلة للحدّ من حرية المجال المدني.
"اللجنة الوطنية للدفاع عن معتقلي أسطول الصمود والحق الفلسطيني" أصدرت بدورها بياناً وقعت عليه 14 تنسيقية ورابطة واتحاد ونقابة من المجتمع المدني التونسي، أعلنت فيه عن تشكيل خلية أزمة لمتابعة أوضاع المعتقلين والتصدي للقمع، كما أعلنت نيّتها تشكيل لجنة دفاع وطنية وجهوية لمرافقة الموقوفين وإسنادهم.



من تظاهرات التاسع عشر من أيلول/سبتمبر في تونس (عن صفحة "هيئة الصمود التونسية" عن انستغرام)
وائل نوار يُعلِّق إضرابه عن الطعام
في قلب كل هذه التطورات، كان ثمة مَن لا يملك رفاهية الانتظار والمماطَلات: وائل نوار.
رآه والده ينْحل وتتسرّب منه طاقة الحياة شيئاً فشيئاً، وقال في منشور له على فيسبوك، بعد زيارته ولده في السجن منذ أيام: "سابقاً، كان وائل يتلقف زيارتي عن بُعد بابتسامة عريضة، لكن هذه المرة وجدتُ وائل ينظر دون أن يرى، وقد أسند رأسه على يده اليسرى التي كانت بالكاد قادرة على المحافاظة على توازنها".
أكّد هشام نوار في المنشور نفسه أن وائل عانى صعوبة في النطق والحركة. وصّل له تضامن المئات وبلّغه أن رفاقه ورفيقاته يناشدونه وضع حدّ لإضرابه عن الطعام من أجل سلامته الجسدية وكرمى لعائلته التي تنتظره.
كان ردّ وائل حينها، حسب والده: "أنا لا أشنّ إضراباً من أجل حريتي الخاصة فحسب، بل كذلك من أجل رفاقي المسجونين". وقد وصف لوالده ما مرّ به من حالات صحية تشمل التقيّؤ الأصفر 7 أو 8 مرات في اليوم، الغثيان الملازِم، ازدواجاً في الرؤية، تدهوراً في المؤشرات البيولوجية الأساسية، عدم القدرة على المشي، وسماع صوته كأنه صدى صادر عن مكبر صوت...
أمّا الوالد، هشام، فأقرّ أنه لا يملك الحقّ في أن يثني ابنه عن الاستمرار بإضرابه، إلا أنه وضّح لابنه أنه يمر بالمرحلة الرابعة والأخيرة من مراحل إضراب الجوع، مع تخطيه اليوم الـ38 من إضرابه، مما يمكن أن يخلّف قصوراً كلوياً أو فقدان البصر أو السمع أو الحركة، مع خطر الغيبوبة.
"لكَ منّي كلّ المساندة يا وائل، لكن لا تدع أعداءك يفرحون، ولا تدع رفاقك يبكون"، قال له والده قبل مغادرته الزيارة.

وبالفعل، حدث مساء الأربعاء في 23 أيلول/سبتمبر، ما كان يُخشى، إذ نشرت صفحة "هيئة الصمود التونسية، أسطول الصمود المغاربي" على فيسبوك خبراً مفاده أن وائل نوار أُدخل إلى المستشفى وسط تكتّم تام من الجهات المعنية، التي امتنعت عن تزويد رفاقه أو وسائل الإعلام بأيّ معلومات حول وضعه الصحي أو ظروف نقله إلى المستشفى، ما أثار مخاوف جدية بشأن سلامته. وحمّلت هيئة الصمود رئيس الجمهورية، والهيئة العامة للسجون والإصلاح، ووزارة العدل، كامل المسؤولية عن حياة وائل وسلامته، مطالِبة بالكشف الفوري عن وضعه الصحي.
لم تمضِ ساعات قليلة حتى صدر بلاغ باسم وائل نوار في منتصف الليل تقريباً، يعلِن فيه تعليق إضرابه عن الطعام "استجابةً للنداءات الصادقة التي وجهها إليّ كل من ساندني وتضامن معي، من منظمات وطنية وقوى سياسية ومدنية وشخصيات مستقلة ومناضلة، وبناءً على إلحاح هيئة الدفاع التي تابعت عن كثب وضعي الصحي وما بلغته حالتي من خطورة"، حسب ما ورد في البيان.
كيف تعيش تونس الحرب على غزة؟
04-01-2024
وأضاف نوار أنّ الوقوف إلى جانب فلسطين إن كان كلّف غالياً، فهو "لا يساوي شيئاً أمام تضحيات الشعب الفلسطيني وصموده اليومي"، قائلاً "لقد كنا مستعدين للاستشهاد من أجل محاولة كسر الحصار المفروض عليه، والإسهام في تسليط الضوء على الإبادة الجماعية التي يتعرض لها، وإيصال صوته إلى العالم. وسيظل انحيازنا إلى فلسطين ثابتاً، لا تهزّه السجون ولا حملات التشويه".
بالتوازي، الأسطول السادس الأميركي في تونس
صحيح أن تونس الشعبية تتمسّك بقناعات راسخة تجعل من التضامن مع فلسطين أحد أكثر الملفات حضوراً في المجال العام. فكرة التضامن بديهية تماماً في المجتمع التونسي، ولفلسطين بصمة شعورية لا تخطؤها الأعين، في الضمائر والنفوس. لذلك يأتي هذا التضييق المتزايد على نشطاء "أسطول الصمود" والمتظاهرين غريباً عن ميل الجوّ العام وعن المتوقع في البلاد، وذلك في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
في هذا السياق، الذي ما زال المناضلون والنشطاء يحاولون استيعابه والتعامل مع تبعاته، جاء مشهدٌ آخر ليستفزّ التونسيين. في مكانٍ آخر من البلاد، بعيداً عن الجسد الذي يذوي ببطء في زنزانة، كانت تونس أخرى تستقبل ضيفها الأميركي. ففي 17 أيلول/سبتمبر، التقى وزير الدفاع التونسي خالد السهيلي نائب قائد الأسطول السادس الأميركي الأميرال جيفري أندرسون. وجاء اللقاء على هامش تمرين "فينيكس إكسبريس 26" الذي تستضيفه تونس، بمشاركة نحو 400 عسكري ومراقِب من 13 دولة، وفق وزارة الدفاع التونسية، هي: الجزائر وليبيا والمغرب ومصر وتركيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا وجورجيا والولايات المتحدة الأميركية، بالإضافة إلى البلد المستضيف.
قال أندرسون إن التمرين "يعكس متانة الشراكة بين الأسطول السادس والقوات المسلّحة التونسية"، فيما تحدث الجانب التونسي عن توسيع التعاون في مجالات الاستخبارات والقدرات البحرية.

حسب السهيلي، فـ"برنامج التعاون المشترك لا يقتصر على الإسناد اللوجستي والتقني وتعزيز القدرات العملياتية للجيش الوطني، بل يتعدّاه ليشمل مجالات التدريب والتكوين وتبادل الخبرات والتمارين العسكرية المشتركة". وربط وزير الدفاع التونسي هذه التعاونات بما تشهده المنطقة من تقلبات وتهديدات جيوستراتيجية، ومنها "الإرهاب، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، والاتجار بالبشر، والتهريب، والمخدرات".
وجود نائب قائد الأسطول الأمريكي السادس في بنزرت، في وقت كانت فيه تونس تعيش احتقاناً متصاعداً حول التضامن مع فلسطين وحرية التعبير، والحديث عن ضمان الحدود، خاصة البحرية منها، و"مكافحة الإرهاب" في الوقت الذي يقبع فيه المعتقَلون المناضِلون من أجل فلسطين لتنظيمهم رحلات أسطول الحرية، خلف القضبان بين الحياة والموت.. كل ذلك، يزيد من سوريالية المشهد الحالي البائس في تونس، ومن مرارِ المتضامنين من الناس، ومن أسئلتهم حول ما يجري.


