مواطن وعسكري ودجال: مسرحية عبثية من مشهدين

شهدت مصر تركيزاً شديداً لملكيات وسائل الإعلام والمحطات التلفزيونية والصحف، تحت مظلة شركات مقرَّبة من الأجهزة السيادية (من مثل "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية")، ناهيك عن حجب مئات المواقع الإخبارية والحقوقية المستقلة، الذي واكبته سياسة "التضليل الممنهج"، من خلال الحسابات الوهمية (اللجان الإلكترونية). كل ذلك أدى إلى توحيد السردية الإعلامية، وغياب الرأي الآخر، وحرمان المواطن من الرواية الثالثة (المستقلة)، وشيطنة المعارِضين، وتزييف الوسوم، وإغراق الفضاء الإلكتروني بمعلومات ومقاطع فيديو مجزأة أو قديمة، لإلهاء الرأي العام عن الأزمات الحقيقية.
2026-09-23

صبري زكي

كاتب ومترجم من مصر


شارك
اللواء عبد العاطي وجهاز الكفتة

"أفرز إغلاق المجال العام ومحاصرة الصحافة الحرة مفعولاً عكسياً. فبدلاً من السيطرة على وعي الجماهير، تحول المجتمع إلى "أعمى معلوماتياً"، يتخبط خلف الشائعات والمقاطع المفبرَكة، بعدما فَقَد البوصلة السياسية للتمييز بين الحقيقة والتضليل. الأخطر من ذلك هو أن البيئة المواتية التي أنتجت ظواهر الخرافات الطبية –من مثل الطبيب ضياء العوضي واللواء عبد العاطي الملقب بـ "كفتة" - لا تزال قائمة بل وتتفاقم. فبينما يعاني الوعي الجمعي من التزييف، تواجه المنظومة الصحية شبح الانهيار الكامل...".

المشهد الأول: السريالية الطبية في أبهى صورها

في شباط/ فبراير من عام 2014، حبس الشارع المصري أنفاسه أمام شاشات التلفزيون لمتابعة مؤتمر رسمي رفيع المستوى، أُعلن فيه عما وُصِف حينها بـ "المعجزة الطبية التاريخية". كان البطل هو اللواء (المكلف) إبراهيم عبد العاطي، والجهاز هو (C-Fast)، الذي سرعان ما حفر اسمه في الذاكرة الشعبية، باسم "جهاز الكفتة".

زعم عبد العاطي أن جهازه يمتلك قدرة خارقة، على الإبادة التامة لأعتى الفيروسات المستعصية، من مثل "الإيدز"، و"فيروس سي". ولم تكن المفاجأة في الإعلان، بقدر ما كانت في "الآلية العلمية" الصادمة، التي شرح بها اختراعه: "آخذْ الفيروس من المريض، أفتته، ثم أعيد تغذية المريض به على هيئة أصابع كفتة يتغذى عليها الجسم بعد تفكيك شفرتها الوراثية.. هذه ثورة علمية هزمت الغرب!".

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أُحيط الاختراع بهالة من الغموض السينمائي، فصُوِّر كسبق تكنولوجي سري للغاية، تحاربه القوى الغربية لمنع مصر من امتلاك دوائها.

لكن خلف هذه الواجهة البراقة، بدأت الحقائق تتكشف سريعاً، إذ تبيّن أن "المخترع" لا يملك أي مؤَهل طبي أو علمي معترف به، وأن مرجعياته الفكرية تنتمي إلى مجال الأعشاب والطب البديل غير الخاضع للرقابة.

واجه الجهاز عاصفة عاتية من السخرية في الأوساط العلمية المحلية والدولية، وكان أبرزها انتقادات الدكتور عصام حجي (المستشار العلمي لرئاسة الجمهورية آنذاك). وفي النهاية، وتحت ضغط نقابة الأطباء، وتشكيل لجان التحقيق، تم تأجيل إطلاق الجهاز مراراً بدعوى "توسيع العينات"، لينتهي الأمر بإغلاق الملف تماماً من دون تقديم نتيجة سريرية واحدة. وتُصنَّف القضية كإحدى أكبر سقطات الدجل الطبي في العصر الحديث.

يُعزى تحوّل أتباع تلك الخزعبلات الطبية والصحية، من مجرد مستخدِمين إلى مدافِعين شرسين، إلى الحاجة البشرية الفطرية إلى إجابات حاسمة ومبسَّطة (أبيض وأسود / طيبات وخبائث)، في عالم مليء بالتعقيدات الصحية المقلقة وانعدام اليقين. يُسلِّم هؤلاء الأفراد وعيهم بشكل كامل، إلى "قائد معرفي"، لا دفاعاً عن شخصه بالضرورة، بل دفاعاً عن شعورهم بالأمان الوجودي، الذي يوفره لهم، في ظل غياب الأمان ضمن نظام سياسي، لم تعد الرعاية الصحية من أولوياته على الإطلاق.

إذا كان جهاز عبد العاطي قد ادعى تحويل المرض إلى "وجبة غذاء"، فإن ذلك يذكِّرنا بما حدث في منتصف القرن العشرين عندما ظهرت "أجهزة الراديونيكس" في أمريكا وأوروبا. ادعى مخترعو تلك الأجهزة أنها تلتقط "الترددات المغناطيسية الحيوية" للأمراض، كالفيروسات والسرطان، ثم تطلق موجات مضادة "تفتت" الداء، من دون جراحة أو دواء. تشابهت تلك الأجهزة مع جهاز الكفتة (الذي بدا في الأصل كجهاز بدائي للكشف عن الألغام)، في طريقة تصميمها الخداعية: صناديق خشبية أو بلاستيكية أنيقة ومبْهِرة بصرياً، لمبات تومِض بانتظام، مؤشرات دائرية، وهوائيات متحركة، أسلاك معقدة تُوصَّل بجسد المريض لإضفاء هيبة "العلم الزائف".

لكن عندما تدخلت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية في الخمسينيات والستينيات ملاحِقةً هؤلاء المحتالين، كانت الصدمة عند فَتح الأجهزة بحضور مهندسين وأطباء: الجهاز من الداخل فارغ تماماً! مجرد أسلاك موصولة ببطارية صغيرة لإضاءة اللمبات، ومقاومات متغيرة لتحريك المؤشر بلا أية وظيفة حقيقية. كان الشفاء المزعوم يعتمد كلياً على تأثير الوهم (Placebo Effect) واستغلال يأس المرضى.

تفكيك المشهد

الاحتفاء الإعلامي والرسمي الهائل بجهاز "الكفتة" عام 2014، لم يكن مجرد هفوة طبية عابرة كأجهزة الراديونيكس، بل كان حدثاً تحكمت في صياغته أبعاد سياسية، واجتماعية، ونفسية بالغة التعقيد.

جاء الإعلان عن الجهاز في توقيت دقيق وحرج (شباط/ فبراير 2014)، وهي المرحلة الانتقالية التي تلت أحداث تموز/ يوليو 2013، وقبيل ترشح المشير عبد الفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية. كانت السلطة الجديدة في أمسّ الحاجة إلى تقديم "شرعية إنجاز"، ملموسة وسريعة للمواطنين، تُثبت أن النظام الجديد قادر على قيادة قاطرة التنمية العلمية والاقتصادية، بشكل يتفوق على المؤسسات المدنية.

اعتمد الخطاب الإعلامي المحيط بالجهاز على أسلوب التعبئة العاطفية. فرُسِم الاختراع كـ"انتصار مصري خالص"، قهر احتكار شركات الأدوية الغربية. وتغذت السردية على "المؤامرة الكونية"، من خلال ترويج قصص درامية عن دول غربية، عرضت مليارات الدولارات لشراء براءة الاختراع، وأن المخابرات المصرية تدخلت لحمايته. وهي تيمة تستهوي العقل الجمعي الباحث عن استرداد الكبرياء الوطني.

في ذلك التوقيت، كانت مصر تصنف عالمياً كأعلى دولة في معدلات الإصابة بفيروس الكبد الوبائي (سي)، وكان المرض كابوساً ينهش أجساد وميزانيات ملايين الأسر الفقيرة والمتوسطة (قبل ظهور أدوية حديثة مثل "سوفالدي"). هذا اليأس جعل البيئة خصبة جداً لتقبل أي طوق نجاة، واستغلت الآلة الإعلامية هذا الاحتياج لتقديم وعود بشفاء فوري ومجاني، بهدف تحويل الإحباط العام إلى طاقة تفاؤل بالنظام الجديد.

كان جهاز اللواء عبد العاطي قد ادعى تحويل المرض إلى "وجبة غذاء". وذلك يذكِّرنا بما حدث في منتصف القرن العشرين، عندما ظهرت "أجهزة الراديونيكس" في أمريكا وأوروبا. ادعى مخترعو تلك الأجهزة أنها تلتقط "الترددات المغناطيسية الحيوية" للأمراض، كالفيروسات والسرطان، ثم تطلق موجات مضادة "تفتت" الداء من دون جراحة أو دواء.

جاء الإعلان عن الجهاز في توقيت دقيق وحرج (شباط/ فبراير 2014)، وهي المرحلة الانتقالية، التي تلت أحداث تموز/ يوليو 2013، وقبيل ترشح المشير عبد الفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية. كانت السلطة الجديدة في أمسّ الحاجة إلى تقديم "شرعية إنجاز"، ملموسة وسريعة للمواطنين، تُثبت أن النظام الجديد قادر على قيادة قاطرة التنمية العلمية والاقتصادية، بشكل يتفوق على المؤسسات المدنية. 

في أجواء 2014، كان الإعلام يعمل بنسق توجيهي موحد، فاعتَبرت المنصات الإعلامية أن أي تشكيك علمي في الجهاز هو ضرب من "الخيانة الوطنية"، ومحاولة لإحباط الروح المعنوية للشعب. ونتيجة لذلك، تمّ عزل أصوات العلماء والأطباء الحقيقيين، ووصف آرائهم بالمُغْرِضة، مقابل تصدير مذيعين يروجون لقصص نجاح وهمية، واستضافة "مرضى مزيفين" يزعمون الشفاء التام.

هذا الشحن الإعلامي والسياسي المفْرط هو نفسه الذي جعل الصدمة قاسية، والسخرية لاذعة، عندما حان موعد تسليم الجهاز إلى الجمهور في حزيران/ يونيو 2014، إذ تبخرت الوعود أمام صخرة الواقع العلمي، مما اضطر الدولة لاحقاً إلى سحب الجهاز من الواجهة بهدوء، ليظل درساً تاريخياً في كيفية تحول "الوهم" إلى أداة سياسية، وكيف ينتهي دائماً بنهاية صلاحية البروباجندا.

المشهد الثاني، 2026: الواعظ والمريدون

في نيسان/ أبريل من عام 2026، أُسدِل الستار بشكل تراجيدي صادم، على واحد من أكثر الشخصيات الطبية والاجتماعية جدلاً في العالم العربي. توفي الدكتور ضياء العوضي فجأة إثر جلطة قلبية حادة، ليمثِّل رحيله صدمة لمريديه، ودليلاً حياً ومؤسفاً في آنٍ واحد للمجتمع العلمي، الذي رأى في هذه الوفاة نسفاً كاملاً لفرضياته حول صحة الشرايين والدهون.

قبل هذا المشهد الختامي بشهر واحد، وتحديداً في آذار/ مارس 2026، كانت نقابة الأطباء المصرية قد أصدرت قراراً نهائياً بـشطب اسم العوضي من سجلاتها، وسحب ترخيص مزاولة المهنة منه تماماً، بتهمة ترويج معلومات طبية تفتقر إلى أي دليل علمي، وتعرِّض حياة المرضى للخطر.

لم يكن ضياء العوضي دجالاً تقليدياً، بل كان أستاذاً مساعِداً للتخدير والرعاية المركزة بجامعة عين شمس حتى عام 2023، قبل أن يقرر هجر مساره الأكاديمي والتفرغ الكامل لـ"دعوة جديدة"، أسماها التغذية العلاجية الفطرية، عبر ما عُرِف بـ "نظام الطيبات".

استغل العوضي خلفيته الطبية الحقيقية، ومصطلحاتها التخصصية ببراعة فائقة، ليمنح أطروحاته بريقاً من الشرعية العلمية. كان يخاطب ملايين المشاهدين وآلاف الأتباع من مرضى القولون والأمراض المناعية مستخدماً سلاحين: الإلحاح على فكرة "مؤامرة شركات الأدوية الكبرى" التي تتربح من استمرار المرض، ورفع شعار "الطب بالنتائج الميدانية لا بالأبحاث المنشورة"، دافعاً المرضى إلى إيقاف أدويتهم الحيوية فجأة.

قام نظام العوضي على تقسيم قاطع وثنائي حاد للأطعمة، حيث زعم أن الأورام والأمراض المزمِنة، تنشأ من "الالتهابات الصامتة" الناتجة عن أغذية يراها سامة ومخصصة للمواشي!

قائمة "الخبائث" المحرمة عنده: الدجاج، البيض، الحليب، البقوليات، والخضروات النيئة.

قائمة "الطيبات" المباحة: الأرز، البطاطس، الخبز الأسمر المحمص (بدعوى أنها تترك فضلات أقل)، مع إباحة مفتوحة للسكر، الملح، الدهون المشبعة (كالبسبوسة والنوتيلا)، بل وتشجيع التدخين، وتجويع الجسم من الماء!

طبيب برتبة واعظ ديني

استطاع العوضي إحاطة نظامه الغذائي بهالة دينية واجتماعية قوية، وهو ما كان سبباً رئيسياً في انتشاره السريع وقبوله لدى قطاع واسع من الجمهور، على الرغم من المعارضة الطبية الشديدة له.

اعتمد العوضي في بناء هذه الهالة على عدة آليات نفسية وخطابية ذكية، بداية من اختيار الاسم، إلى توظيف بعض الآيات والأحاديث النبوية. اختيار اسم "الطيبات" ليس عشوائياً، فهو مستمَد مباشرة من المرجعية القرآنية والآيات التي تأمر بالوصول إلى الطيب من الرزق، مثل: "كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ". هذا الربط اللغوي يمنح النظام مشروعية "ربانية" تلقائية في ذهن المتلقي، ويوحي ضمناً بأن ما دون هذا النظام قد يقع في دائرة "الخبائث"، أو الأغذية المحرمة والمؤذية.

استغل الدكتور ضياء العوضي خلفيته الطبية الحقيقية، ومصطلحاتها التخصصية، ببراعة فائقة، ليمنح أطروحاته بريقاً من الشرعية العلمية. كان يخاطب ملايين المشاهدين وآلاف الأتباع، من مرضى القولون والأمراض المناعية، مستخدماً سلاحين: الإلحاح على فكرة "مؤامرة شركات الأدوية الكبرى" التي تتربح من استمرار المرض، ورفع شعار "الطب بالنتائج الميدانية لا بالأبحاث المنشورة"، دافعاً المرضى إلى إيقاف أدويتهم الحيوية فجأة.

يقوم العوضي بتوظيف بعض الآيات والأحاديث النبوية، وتفسيرها بطريقة تخدم تصنيفاته الخاصة للأطعمة. فهو لا يكتفي بالقول إن هذا الطعام "مفيد" أو "مضر" علمياً، بل يحاول دائماً إيجاد مستند ديني أو تاريخي إسلامي، يثبت أن أكل أطعمة معينة (مثل الممنوعات الكثيرة في نظامه)، يخالف ما كان عليه السلَف، أو يخالف "الفطرة" التي خلق الله الأرض عليها.

لا يتحدث العوضي كطبيب تقليدي، يناقش سعرات حرارية أو تفاعلات كيميائية حيوية، بل يَظهر غالباً بنبرة الواعظ الحريص على الأمة، الذي يربط بين الاستشفاء واليقين، التوكل، والعودة إلى الطبيعة الربانية. هذا الأسلوب يُحوِّل اتباع الحمية، من مجرد قرار صحي إلى "عبادة" أو سلوك إيماني يُثاب عليه المرء.

وهكذا وُلدت الطائفة

بعيداً عن السجال الطبي، فإن ظاهرة "نظام الطيبات" تستحق التشريح من منظورين، الأول: يتعلق بالجمهور المتلقي وسيكولوجية البحث عن الخلاص، والثاني: يتعلق بالبيئة السلطوية التي تنتج هذا النوع من الظواهر.

اعتمد العوضي في بناء الهالة التي احاطت به على عدة آليات نفسية وخطابية ذكية، بداية من اختيار الاسم، إلى توظيف بعض الآيات والأحاديث النبوية. اختيار اسم "الطيبات" ليس عشوائياً، فهو مستمَد مباشرة من المرجعية القرآنية والآيات التي تأمر بالوصول إلى الطيب من الرزق، مثل: "كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ". هذا الربط اللغوي يمنح نظامه مشروعية "ربانية" تلقائية في ذهن المتلقي. 

من خلال رصد سلوكياتهم وتعليقاتهم عبر منصات التواصل الإجتماعي المختلفة، نستطيع القول إن "نظام الطيبات" تجاوز مجرد كونه حمية غذائية، ليتحول لدى قطاع واسع من أتباعه (المريدين) إلى ما يشبه "الطائفة"، أو الجماعة المغلقة، التي تظهر ملامح التعصب والتبعية العمياء، والتي ترتكز على خمس ركائز أساسية:

  • أولاً، التقديس المطلَق وإلغاء التفكير النقدي، إذ تحول كلام العوضي في عيون مريديه إلى حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش، وتجلّى ذلك في تعليقاتهم الرقمية، من مثل: "الدكتور ضياء لا ينطق عن الهوى في علم التغذية، هو أنقذ البشرية من دمار المستشفيات"، و"كل ما يقوله الدكتور هو الحق، ومن يخالفه فهو إما جاهل أو مستفيد من تجارة الأمراض".
  • ثانياً، شيطنة الطب الحديث والمؤسسات العلمية، حيث تبنَّى المريدون خطاباً هجومياً حاداً ضد الأطباء والمنظومات الصحية الرسمية، معتبِرين أن "نظام الطيبات" هو الناجي الوحيد من مؤامرة عالمية. وتتكرر في تعليقاتهم عبارات، من مثل: "الأطباء تجار سموم، والدكتور ضياء هو الوحيد الذي كشف مؤامرة شركات الأدوية"، و"كنت أعيش في وهم الطب الحديث حتى عرفت نظام الطيبات وطهّرت جسدي من سمومهم". هذا التقسيم الحاد للكون إلى "خير مطلق" متمثل في نظام "الطيبات، و"شر مطلق" متمثل في الطب التقليدي، هو سمة بارزة من سمات الفكر الطائفي
  • ثالثاً، الهجوم العنيف والترهيب الإلكتروني للمخالِفين. إذا تجرأ طبيب، أو أخصائي تغذية، أو حتى مستخدِم عادي على نقد النظام، أو الإشارة إلى أعراض جانبية لأتباعه (من مثل سوء التغذية، أو نقص بعض الفيتامينات)، ينبري المريدون في حملات هجومية شرسة، تشمل اتهام الناقد بأنه "عميل لشركات الأدوية"، أو "حاقد على نجاح الدكتور"، كما تشمل التنمر واستخدام تعليقات تسخَر من صحة أو شكل الشخص المخالِف، باعتباره "لم يذق طعم الطيبات بعد".
  • رابعاً، لغة الإيمان و"الخلاص"، حيث تتخذ التعليقات طابعاً "صوفياً" أو دينيّاً في التعبير عن الامتنان، ويُنظَر إلى النظام وكأنه هداية ربانية، أو طوق نجاة أخروي وليس مجرد خيارات غذائية: "الحمد لله الذي هدانا لنظام الطيبات وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله للدكتور ضياء." و"النظام ليس مجرد أكل، هو سلام نفسي وطهارة للروح والجسد".
  • خامساً الاعتزال والتقوقع الاجتماعي، حيث وصل الأمر ببعض المريدين إلى الرغبة في الانعزال عن عائلاتهم ومجتمعاتهم التي لا تطبِّق النظام، معتبِرين الآخرين "مرضى ومغيبين": "لم أعد أتحمل الجلوس في عزومات العائلة ورؤية كمية السموم التي يأكلونها، أصبحت أفضِّل البقاء مع مجتمع الطيبات على الإنترنت".

سيكولوجياً، يُعْزى تحوّل الأتباع من مجرد مستخدِمين إلى مدافعين شرسين، إلى الحاجة البشرية الفطرية إلى إجابات حاسمة ومبسَّطة (أبيض وأسود / طيبات وخبائث)، في عالم مليء بالتعقيدات الصحية المقلقة وانعدام اليقين. يُسلّم هؤلاء الأفراد وعيهم بشكل كامل إلى "قائد معرفي"، لا دفاعاً عن شخصه بالضرورة، بل دفاعاً عن شعورهم بالأمان الوجودي الذي وفره لهم هذا النظام، في ظل غياب الأمان ضمن نظام سياسي، لم تعد الرعاية الصحية من أولوياته على الإطلاق.

السمكة تتعفن من رأسها أولاً

تُعد المجتمعات التي تعيش في ظل أنظمة سلطوية بيئة خصبة لانتشار المعلومات المضلِّلة والشائعات. فالسلطوية لا تقمع الحريات السياسية فحسب، بل تُشوه - بقصد أو بغير قصد - البنية التحتية للمعلومات، مما يجعل المواطِن فريسة سهلة للتضليل.

البيئة المواتية التي أنتجت ظواهر الخرافات الطبية – من مثل العوضي، وعبد العاطي - لا تزال قائمة بل وتتفاقم. فبينما يعاني الوعي الجمعي من التزييف، تواجه المنظومة الصحية شبح الانهيار الكامل إثر القرار الكارثي المنفذ عام 2025 بمضاعفة مقاعد كليات الطب وتدشين جامعات أهلية وخاصة (11 كلية طب أهلية جديدة، و11 كلية طب خاصة جديدة)، تفتقر إلى المستشفيات التعليمية والمعامل المؤهلة، مع تدني الحد الأدنى للقبول إلى 74 في المئة.

تفريغ التعليم الطبي من جوهره المعرفي والمهاري لن يقود إلا إلى طوفان من المتخرجين غير المؤهَلين، ليتحقق تحذير نقيب الأطباء السابق د. خيري عبد الدايم: "خيرة أطباء مصر سيهاجرون، ولن يبقى لعلاج المصريين سوى ناقصي العلم والمهارة.. ما يحدث الآن هو جريمة في حق صحة الشعب المصري، سنُعاني منها طويلاً. ألا قد بلغت.. اللهم فاشهد !!!" 

عندما تحجب الدولة البيانات الرسمية الدقيقة (سواء الاقتصادية، الصحية، أو الأمنية)، ينشأ "فراغ معلوماتي"، لا يلبث أن يمتلئ بالتكهنات والشائعات. كما أن تحويل وسائل الإعلام إلى بوق أحادي الاتجاه (من السلطة إلى الشعب) يُفقِدها ثقة الجمهور. عندما يفقد المواطن الثقة في إعلام بلده، يتجه إلى البحث عن مصادر بديلة، وغالباً ما يقع في فخ صفحات مجهولة أو منصات موجَّهة. يُضاف إلى ذلك أن ملاحقة الصحافيين المستقلين، ومواقع تدقيق الحقائق، يُغلق المنافذ التي كانت تُفنِّد الأكاذيب، مما يُفضي إلى غياب رصد الكذب وتصحيحه.

هذا الاحتكار دفع قطاعاً عريضاً من الشارع المصري - خاصةً الشباب - إلى مقاطعة الإعلام التقليدي، والاعتماد الكلي على تطبيقات فيسبوك، وتيك توك، ومجموعات الواتسآب، كمصادر أساسية للأخبار، وهي بيئات يصعب فيها التحقق من الصدقية.

بيت القصيد

أفرز إغلاق المجال العام ومحاصرة الصحافة الحرة مفعولاً عكسياً. فبدلاً من السيطرة على وعي الجماهير، تحوَّل المجتمع إلى "أعمى معلوماتياً"، يتخبط خلف الشائعات والمقاطع المفبركة، بعدما فَقَد البوصلة السياسية للتمييز بين الحقيقة والتضليل. الأخطر من ذلك هو أن البيئة المواتية التي أنتجت ظواهر الخرافات الطبية — من مثل العوضي، وعبد العاطي — لا تزال قائمة بل وتتفاقم. فبينما يعاني الوعي الجمعي من التزييف، تواجه المنظومة الصحية شبح الانهيار الكامل، إثر القرار الكارثي المنفذ عام 2025 بمضاعفة مقاعد كليات الطب وتدشين جامعات أهلية وخاصة (11 كلية طب أهلية جديدة، و11 كلية طب خاصة جديدة) تفتقر إلى المستشفيات التعليمية والمعامل المؤهلة، مع تدني الحد الأدنى للقبول إلى 74 في المئة.

إن تفريغ التعليم الطبي من جوهره المعرفي والمهاري لن يقود إلّا إلى طوفان من المتخرجين غير المؤهَلين، ليتحقق تحذير نقيب الأطباء السابق د. خيري عبد الدايم: "خيرة أطباء مصر سيهاجرون، ولن يبقى لعلاج المصريين سوى ناقصي العلم والمهارة.. ما يحدث الآن هو جريمة في حق صحة الشعب المصري، سنُعاني منها طويلاً. ألا قد بلغت.. اللهم فاشهد !!!"

مقالات من مصر

الصين تبحر عبر القطب الشمالي.. كيف نتعامل مع التنافس الدولي على بديل لقناة السويس؟

هذا التطور يحمل بُعداً جيوسياسياً يتجاوز التجارة نفسها، في ظل تحول القطب الشمالي إلى ساحة جديدة للتنافس الاستراتيجي بين الصين وروسيا وبين أمريكا وأوروبا. ولكن قناة السويس تمتلك مزايا يصعب...

للكاتب/ة

مصيدة "اشترِ الآن وادفع لاحقاً": كيف تحول التقسيط في مصر من طوق نجاة إلى فخ؟

صبري زكي 2026-08-20

يتناول هذا التحقيق سوق التمويل الاستهلاكي في مصر، راصداً البدايات، وأسباب الانفجار غير المسبوق، ومحلِّلاً الفجوة المصرفية التي تركت المواطن فريسة لهذه الشركات، ومُسلَّطاً الضوء على الكلفة الإنسانية الباهظة التي...

إسرائيل الكبرى والخطوط الزرقاء: حين تتحول الأساطير الدينية إلى خرائط عسكرية على الأرض

صبري زكي 2026-06-25

طالما أن حدود إسرائيل غير ثابتة، يظل التوسع ممكناً. هذه هي خلفية مشروع دولة "بلا حدود"، وهو التصور التوراتي والصهيوني لإسرائيل الكبرى، وتداعياته على الفلسطينيين والمنطقة بأسرها. ولكن وبعيداً عن...