عجلة أخرى للموت

تَحوَّل استخدام "العِقلاة" مع الوقت إلى كارثة، تَحوَّل ما هو غير عادي إلى عادي. دفع استسهال الناس لغياب معايير السلامة، "العقلاة"، إلى أن تكون مصدراً آخر من مصادر الموت في قطاع غزّة، وكأن الفلسطينيين لا يكفيهم الموت حرقاً أو قصفاً أو اختناقاً في الخيام، وحان الوقت كي يموتوا بطريقةٍ جديدة: في المواصلات.
2026-08-03

المقداد جميل مقداد

كاتب وباحث من غزة


شارك
"العقلاة" في شوارع غزة

سمعت صوت زميلة تقول اسم "عِقلة" مع شخصٍ تتحدث معه عبر الهاتف. ارتبكتْ قليلاً وهي تحاول توضيح المفهوم للمتحدِّث على الطرف الآخر من الهاتف، فاضطررتُ إلى التدخل، وتوضيح المُسمى لها: "عقلاة". قالت وقتها إنها تقرأ الاسم على الإنترنت، أو تسمعه في الشارع، لكنها لا تعرف الطريقة الصحيحة لنطقه، فهي شيء جديد طرأ على المجتمع الغزّي، وصار واحداً من مُفرزات الحرب الكثيرة، التي غيّرت مع الوقت شكل الحياة اليوميّة في غزة.

"العقلاة"، إذا كُنا سنسميها باللغة العربية الفصحى، وهذه تبدو أقرب تسمية لها أو للفظها. أمّا في الشارع فهي تُقال بشكلٍ أكثر وضوحاً وفجاجةً وتعبيراً عن الواقع. "عَقالاااه"، والقاف تُلفظ باللهجة المحلية، كحرف G في اللغة الإنجليزيّة. ولا أظن أن القارئ حتى الآن قد وصل ليعرف ما أقصده، ورُبما لا يستطيع تخيّل الشيء وكيف برزت تسميتُه.

هذا الشيء، "العِقلاة"، عبارة عن عربة إضافية ذات إطاريْن فقط أو عَجَلَيْن باللهجة الدارجة محلياً، يجري وصلها بسيارات الأجرة أو الباصات أو أية مركباتٍ أخرى، لتصبح سعة المركبة أكبر وقدرتها على العمل واستيعاب الرُكاب أكثر. وهي طريقة بالتأكيد ليست جديدة، إذ وُجدت بمسمياتٍ أُخرى في أماكن مختلفة من العالم، وحتى في غزّة قبل الحرب، لكن ليس بالشكل الذي ظهر الآن في هذه البقعة البائسة من العالم.

مقالات ذات صلة

جاءت "العقلاة" أو العربة المتصلة ذات العجليْن، لتجرّ معها كثيراً من القصص والأحداث اليوميّة للسكان المطحونين من الحرب، على الرغم من أنها حاولت كثيراً تحسين حياتهم وجعلها أفضل، في ظل أزمة المواصلات الخانقة، الناتجة عن انقطاع الوقود وزيوت السيارات، وتدمير المركبات والشوارع، فهذه الأسباب مُركّبة وكثيرة في تعزيز الأزمة مع الوقت.

يصنع "العقلاة" عُمال محليون، منهم الحدادون أو النجارون، أو أي عامل آخر يظن أنه قادر على إنشاء وتركيب هذا المجسّم، الذي يتحوّل فيما بعد إلى وسيلة مواصلات، مفتَرض أنها تحمل العديد من الرُكاب، بمختلف أوزانهم وأعمارهم، وتتجوّل في الشوارع بينَ الناس.

ابتكار الفكرة جاء من منطلق أنّ سعر وقود السيارات "الديزل" مرتفع جداً، فقد منعت إسرائيل دخوله إلى القطاع، ولم تسمح بدخوله إلا في فتراتٍ قليلة، مثل وقف إطلاق النار أو الهُدن القصيرة، وبشكلٍ محدود، إلى المؤسسات الدولية أو الجهات الرسمية مثل وزارة الصحة، ولأغراضٍ إنسانية. وكان من خلال ذلك يتم تسريب بعض الكميات منه للمواطنين. فإسرائيل بالتأكيد لن تأبه إن مشى سكان غزّة على أقدامهم في المدن المدمرة بين الرُكام، أو ركبوا السيارات، ولن تسمح لهم بالحصول على وقودها.

دفعت التكلفة العالية لأسعار الوقود التي وصلت أحياناً إلى 100 و150 شيكلاً للتر الواحد – وكان سعره في الأصل لا يزيد على 6 شواكل - السائقين إلى خياريْن: إما وقف العمل وتحويل سياراتهم إلى تماثيل جامدة أمام المنازل والخيم، بلا استخدام، وإما ابتكار طرق أُخرى للاستفادة منها، فأن يركب ثلاثة أو أربعة رُكّاب في السيارة الواحدة، ليس أمراً مجدياً، ومجموع العائد من توصيلة واحدة، لا يزيد عن سعر نصف لتر من الوقود، أو حتى أقل.

كان ابتكار "العقلاة" هو الجديد في هذه الأزمة، وقد ظهر مع سنة الحرب الأولى، خاصة عام 2024، حين تفشّت الأزمة في رفح ثم في دير البلح وخانيونس لاحقاً، وكانت المناطق الجنوبية مكتظة، مع إجبار السكان على النزوح إلى هُناك، ما يتطلب قدرة استيعابية أكبر للمركبات والباصات.

يقوم بإنشاء "العقلاة" عُمال محليون، منهم الحدادون أو النجارون، أو أي عامل آخر يظن أنه قادر على إنشاء وتركيب هذا المجسّم، الذي يتحوّل فيما بعد إلى وسيلة مواصلات، مفترض أنها تحمل العديد من الرُكاب، بمختلف أوزانهم وأعمارهم، وتتجوّل في الشوارع بينَ الناس.

"العقلاة"، عبارة عن عربة إضافية ذات إطاريْن فقط أو عَجَلَيْن باللهجة الدارجة محلياً، يجري وصلها بسيارات الأجرة أو الباصات أو أية مركباتٍ أخرى، لتصبح سعة المركبة أكبر وقدرتها على العمل واستيعاب الرُكاب أكثر. 

هذا يعني أن الابتكار الجديد لا يخضع إلى أيّة فحوص مهنية أو إجراءات للسلامة، خاصةً في ظل غياب أيّة مظاهر للسلطة على الأرض. فلا حكومة، ولا وزارة مواصلات، ولا هيئة مرور، ولا شبح لأيّة جهة يُمكن أن يستشعر من خلالها المواطن والسائق أن هناك رقابة، أو قدرة على فرض القانون.

هكذا تحوّل الأمر مع الوقت إلى كارثة، حينَ وضع معظم السائقين أمام أعينهم هاجس توفير المال بشكلٍ أكبر، ورُبما لا يلومهم أحد في ذلك. ففي وقت المطحنة الحياتية والأزمة، يُصبح توفير اللقمة لأطفالك، أولوية أكثر من أيّ شيء. لكن ماذا لو كانت هذه اللقمة ستعني موت أطفالٍ آخرين في بعض الأحيان؟

كان استخدام هذا الابتكار أكثر سهولة في مناطق جنوب قطاع غزّة، التي بقيت بعض شوارعها مهيأة، مثل دير البلح ومخيم النصيرات. لكن مع عودة الأمور إلى بعض الاستقرار لاحقاً، واعتماد المواطنين على "العقلاة" واعتبارها مسلَّمة، تحوّل الأمر إلى ما يشبه شيئاً طبيعيّاً في الحياة اليوميّة، بلا تفكير أو نظرة إلى الواقع، إذ يستطيع أيّ سائق يرى أن سعة سيارته لا تكفي، أن يتفق مع صانع ما لإنشاء واحدة، وفق معاييره، والتي تتسع إلى حوالي 12 شخصاً على الأقل، عدا أولئك الذين سيجلسون على المنطقة الفاصلة بين العربة والمركبة الأساسية، حيث يجري ربطها بما يشبه خِطاف التعليق الكبير، ليسمح بجلوس من يرغب بفرصة إضافية لـ"المرمطة" على هذه النقطة، والتي يمكن في بعض الأحيان أن يقع بسهولة منها إلى الشارع.

تحوّل الأمر إلى كارثة مع الوقت، فتحوّل ما هو غير عادي إلى عادي. واستسهال الناس لغياب معايير السلامة، دفع "العقلاة" إلى أن تكون مصدراً آخر من مصادر الموت في قطاع غزّة، وكأن الفلسطينيين لا يكفيهم الموت حرقاً أو قصفاً أو اختناقاً في الخيام، وحان الوقت كي يموتوا بطريقةٍ جديدة: في المواصلات.

منذ ايام، قُطِعت يد شاب كان يركب وسيلة المواصلات هذه. فقد انقلبت عربة "عقلاة" بعد أن أفلتت من سيارتها الأُم التي يقودها صاحبها، وفيها عددٌ من الناس، على طريق "مجلس الوزراء" الذي يُعد من آخر النقاط التي يتجه فيها الناس من مدينة غزة نحو الجنوب وإلى طريق الرشيد البحري، والعكس.

أصيب بالطبع كلّ من في العربة الإضافية، وهذه ليست المرّة الأولى. فخلال شهر على الأقل تكررت الحادثة مرتيْن أو ثلاث، فقد انقلبت عربة في مدينة غزّة قبل أكثر من شهر، وانقلبت أخرى على الطريق البحري بين وسط القطاع ومدينة غزة. وفي تلك الحوادث أصيب عدد كبير من المواطنين، بعضهم كانت جراحهم خطرة، حيث مشى السائق بسرعة كبيرة على الطريق الصغير والمدمّر والمهترئ من أثر الحرب والقصف.

أمّا في حالاتٍ أخرى فكانت العربة تفلت من سيارتها الأُم، إذ لا تُركَّب في أحيانٍ كثيرة بطريقة جيدة تضمن ثباتها وقوتها. وهي تُستخدم في شوارع ممزقة، ما يتطلب مضاعفة الحذر والتدقيق المتكرر في الإجراءات، لكن الاثنين يغيبان، القانون والمكان، ومعهما السلطة وضمير الناس.

وسيلة المواصلات هذه تفرض مزيداً من المعاناة حتى على الرُّكاب، فإذا لم تنقلب بك ومررتَ بسلام، فإنك طوال الوقت ستضطر إلى تحمُّل التقلبات والاهتزازات والتخبط، بما يُشبه "الخوازيق"، إذ تتوفر فيها مقاعد مكوّنة من الخشب أو الحديد، بالإضافة إلى ضيق حجمها واضطرار الناس إلى الجلوس فيها، فيما يُشبه "بوكس" الشرطة الذي يحمل المتهَمين إلى العقاب، كما وصفتها زميلة لي قبل يوميْن.

وبالطبع لا أحد ينتبه، فلا مشكلة أن يموت الفلسطيني من جديد بطريقةٍ أُخرى. فعلى مدار عاميْن ونصف كان يموت بكل الطُرق. إذاً لا بأس بطريقة جديدة. أحياناً رُبما تكون هذه الطريقة بالنسبة إلى العالم أقل وطئةً، إذ لا تستدعي التضامن ولا تستجدي ضميرهم، فبالتأكيد هُم لن يضطروا إلى الاحتجاج ضد "العقلاة" أو السائقين، وستبقى في نظرهم مجرد مشكلة داخلية، لا يُدركون أنها واحدة من الآثار الكبيرة للحرب، التي ستبقى عشرات السنوات بلا حلول.

مقالات من فلسطين

للكاتب/ة

مونديال غزة

كانت الكرة في فلسطين، وفي مخيماتها خصوصاً، تُلعب في كلّ مكان. في لحظة واحدة، يتحوّل الشارع أو الزُقاق إلى ملعب. ما يتطلبه فقط ليس سوى حجرَيْن، أو اثنين من نِعال...

الخط الأصفر وخطوط أخرى

صار مصطلح الخط الأصفر شيئاً عادياً في حياة الفلسطيني الغزّاوي. مرّت خمسة أشهر على وقف إطلاق النار و"انتهاء" الحرب بالمعنى الرسمي والإعلامي، ومنذ ذلك الحين صار هذا الخط شيئاً يومياً...