مونديال غزة

كانت الكرة في فلسطين، وفي مخيماتها خصوصاً، تُلعب في كلّ مكان. في لحظة واحدة، يتحوّل الشارع أو الزُقاق إلى ملعب. ما يتطلبه فقط ليس سوى حجرَيْن، أو اثنين من نِعال اللاعبين المهترئة، حين يتطوّع اثنان منهم فيخلعا ما في أقدامهما، واللعب حافيين، تكتملُ مقاييس اللعبة، ليكون الحجر أو الحذاء، مرمى للحُرّاس. صارت الملاعب لاحقاً، وإلى الآن، مخيماً كبيراً جدّاً للنازحين ، يحمل الاسم نفسه، حيث تعيش فيه مئات العائلات من النازحين، وتَحوّل اللون الأخضر فيه إلى صحراء رملية، تضم عشرات خيام النازحين بشكلٍ مؤلم، يدُل على بشاعة الصورة، التي حوّلت الفرح إلى ألم في أشهرٍ قليلة من الحرب.
2026-06-23

المقداد جميل مقداد

كاتب وباحث من غزة


شارك
في ما كان ملعب اليرموك

كان سليمان العبيد يمشي إلى طوابير المُساعدات في جنوب قطاع غزّة، حين أصابه رصاص قناص إسرائيلي في السادس من آب/ أغسطس 2025. في ذلك الوقت، كانت المجاعة في ذروتها، والناس يتدافعون بالآلاف إلى مراكز المُساعدات الأمريكية، وآخرون إلى مناطق: "النابلسي"، و"زيكيم" في أنحاء مدينة غزّة، للحصول على بعض الطحين، مما يأتي من الشاحنات، التي سمحت إسرائيل بدخولها بالقطارة.

____________
من دفاتر السفير العربي
كرة القدم: لماذا تهمّنا؟
____________

سليمان، لاعب كرة قدم فلسطيني، بل من الأشهر فلسطينياً، ويُعرف باسم "بيليه فلسطين"، إشارة إلى اللاعب البرازيلي الشهير بيليه. وهو أب لخمسة أطفال، كان يحاول الحصول على بعض الطحين والطعام ليعود به إليهم، وقد تحوّل جريه من الملاعب، التي دمّرتها إسرائيل ومن مزاحمة اللاعبين على الكُرة، إلى مزاحمة الناس على طردٍ غذائي آنذاك، ليجري بين الرصاص والقنابل.

كان اللاعب الفلسطيني، مثل كلّ اللاعبين في العالم، حين نعرِّف كرة القدم، كلعبة الشعوب ولعبة المقهورين، التي يخرج أبطالها من بين شعوبهم. سليمان خرج من مخيم الشاطئ للاجئين، حيثُ أعيش، قبل خمسةٍ وأربعين عاماً، وهو ابن عائلة لاجئة. من هذه الأزقة والحارات خرجَ عددٌ من اللاعبين الفلسطينيين، من مثل لاعبي "نادي خدمات الشاطئ"، المعروف باسم "البحرية".

تُلعب الكرة في فلسطين، وفي مخيماتها خصوصاً، في كلّ مكان. في لحظة واحدة، يتحوّل الشارع أو الزُقاق إلى ملعب. ما يتطلبه فقط ليس سوى حجرَيْن، أو اثنين من نِعال اللاعبين المهترئة، حين يتطوّع اثنان منهم فيخلعا ما في أقدامهما، واللعب حافيين، تكتملُ مقاييس اللعبة، ليكون الحجر أو الحذاء، مرمى للحُرّاس.

كذلك تُقام كثير من الملاعب، ملاعب البُسطاء و"أولاد الشوارع" في كُلّ مكان وبسهولة، في أية ساحة أو في استراحة مدرسة. وهذه الأخيرة كثيرة، فقد اعتاد أبناء المخيمات على تسلّق جدران المدارس، أيام الجُمعة خاصة، ومعهم كُرتهم ليلعبوا مبارياتهم في ساحات المدارس. أما زيّ اللاعبين، فهو زيّ مميّز ومتنوع، من ملابس من يعشقون من اللاعبين. ألوان وأشكال متعددة، أزرق وأصفر وأحمر وأخضر، وبأسماء مُتعددة. حينها فقط يصير الأعداء أصدقاء، حين يلبس أحدهم قميص "ميسي"، ويلعب في الفريق نفسه، مع صديقه الذي يلبس قميص "رونالدو".

في رفح مثلًا، يقبع واحد من أشهر الملاعب في غزة إعلامياً، وهو ملعب مدارس العرب في مخيم الشابورة. هذا الملعب ليس ملعباً بالمعنى المتعارف عليه عالمياً، لكنه ملعب بالمعنى الحقيقي للكلمة، حيث يتحوّل المكان، الذي يُعد ساحة رملية كبيرة من ساحات المخيمات وقرب مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، من مجرّد ساحة، إلى ملعب كروي، في كلّ صيف، ليحجّ الناس إليه عصر كلّ يوم جمعة، فيشاهدوا مباراتهم، بلا تذاكر أو حجزٍ مسبق وبلا إعلان. إنها العادة المتعارف عليها، أن هناك مباراة أسبوعيّة في المكان. هذا المكان صار غالباً من الذكرى، فرفح كُلها دُمِّرت ومُسحت من الخريطة، كذلك الملعب الرملي.

هذه حال كلّ ملاعب غزة عموماً، التي تحوّلت من ملاعب تُنشئ الأبطال الذين تُصدِّرهم غزة إلى العالم، من مثل كثير من اللاعبين، إلى شواهد قديمة على ذكرياتٍ مميّزة، وأماكن تحمل كثيراً من التفاصيل الأليمة.

ملعب اليرموك مثلًا، أكبر ملاعب قطاع غزّة وأشهرها، طوّرتهُ دولة قطر فيما مضى، وكان يستضيف عدداً من المباريات، حتى أنه استضاف فرقاً من خارج غزّة في السابق، تحوّل من ملعب كرة قدم إلى معسكر كبير لاحتجاز الفلسطينيين، من بينهم أطفال ونساء وشباب، خلال الاقتحام الإسرائيلي لمدينة غزّة. ظهر ذلك في صور نشرها الجيش الإسرائيلي حينها، وهو يُعذِّب وينكِّل بالناس في الملعب. كانت الصدمة تخترقُ أذهاننا جميعاً، فهذا المكان الأخضر الجميل الشاهد على تفاصيل جميلة، تحوّل في لحظة إلى نقطة ألم في الذاكرة الجمعية لأهل غزة.

صارت الملاعب لاحقاً، وإلى الآن، مخيماً كبيراً جدّاً للنازحين ، يحمل الاسم نفسه. حيث تعيش فيه مئات العائلات من النازحين، وتحوّل اللون الأخضر فيه إلى صحراء رملية، تضم عشرات خيام النازحين بشكلٍ مؤلم، يدُل على بشاعة الصورة، التي حوّلت الفرح إلى ألم في أشهرٍ قليلة من الحرب.

استشهد في غزة خلال عاميْن ونصف العام من الحرب 1007 من الرياضيين الفلسطينيين، منهم لاعبون، وإداريّون، وفنيّون. من بين هؤلاء 355 شهيداً من لاعبي كرة القدم، منهم سليمان العبيد، بالإضافة إلى محمد بركات، نجم كرة القدم الشاطئية، والمعروف بلقب "الأسد"، وأسماء أخرى، من مثل: محمد أبو لبدة، ومؤمن عليوة، وإسلام مطر، وغيرهم.

مقالات ذات صلة

ما لا يعرفه الناس هو أنّ غزة كانت تُخرِّج لاعبيها إلى العالم، أولئك الذين احترفوا في كثير من الأندية العربية، من مثل: محمود وادي، ومحمد صالح، وصائب جندية. صحيح أن كثيراً منهم، حتى الشهداء، لم يكونوا ليصلوا إلى كأس العالم، لكنهم كانوا دائماً يشيرون إلى العالم ويقولون: هذه غزة التي كانت طوال عُمرها سجينة محاصَرة، لكنها لم تتوقّف عن المحاولة، ولا تزال كذلك.

مقالات من فلسطين

للكاتب/ة

الخط الأصفر وخطوط أخرى

صار مصطلح الخط الأصفر شيئاً عادياً في حياة الفلسطيني الغزّاوي. مرّت خمسة أشهر على وقف إطلاق النار و"انتهاء" الحرب بالمعنى الرسمي والإعلامي، ومنذ ذلك الحين صار هذا الخط شيئاً يومياً...

من يحمل عبء الذاكرة يا غزة؟

الذاكرة انتقائية، فهي تتمسّك بالتفاصيل الصغيرة، وتعلّقنا بها، وهي سرعان ما تُهاجمني. ينزلُ المطر، وعلى الرغم من غرقنا وانهيار كلّ شيء من حولنا، من شبابيك المنزل المتهرئة والمرقّعة، وجرينا السريع...