حسام أبو صفية.. حبس تعسّفي كأنّه حكمٌ بالإعدام!

غزّة وجنوب لبنان ما زالا يُقصَفان. الموت ما زال موتاً. الأسرى ما زالوا في السجون الإسرائيلية. والدكتور حسام أبو صفية ما زال محبوساً، معذّباً، منتهَك الحقوق، وفي خطر داهم، وإن كان باستطاعة أيٍّ كان أن يفعلَ أيّاً كان، فالآن هو الوقت المناسب، قبل فواتِ كلّ أوان...
2026-07-23

شارك
عاملون وعاملات في القطاع الصحي في المملكة المتحدة يتظاهرون في لندن في 9 تموز/ يوليو 2026 للمطالبة بإطلاق سراح الدكتور حسام أبو صفية والأطباء والعاملين في الجسم الصحي الغزّي من السجون الإسرائيلية (الصورة: آمنستي).
إعداد وتحرير: صباح جلّول

يشرد الفكر ويعود إلى تلك الصورة، من بين آلاف الصور التي فقأت عيوننا من غزة بصراخها الشاهق. أشياء لا تُرى، رأيناها في عزّ الإبادة رغماً عنّا، وأخذت مساحة في الدماغ لن تخرج منها أبداً ما حيينا، وإن حاولنا نسيانها جاهِدين. لكنّ تلك الصورة التي لا تحتوي على دمٍ مباشر، يعود إليها الذهن مرّة بعد مرّة، ويغرق في المشهد. رعبٌ أن يحدث هذا، ورعبٌ ما في تلك الصورة من هدوءٍ كاذب. تكاد تشعر أن المسيّرات ("الزنانة") صمتت عندما حدث ما حدث. تكاد تتخيّل وجود الجنود المتطلّعين من الدبابات، عيونهم الممتلئة حماسة مسعورة للإطباق على ذلك الرجل الأعزل. وهو، وحيداً، كنقطة ضوء بيضاء وسط دغْلٍ من ركام، متقدماً نحو صنّاع هذا الموت المهيمِن.

هو الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية، ولا بدّ أن القارئ شاهد تلك الصورة التي يمشي فيها بردائه الطبي الأبيض طوعاً نحو دبابات العدو التي نادته بالاسم. لقد حاول الرجل أن يفدي مستشفى كمال عدوان ومرضاه فيها بجسده. ليس مشهداً في فيلمٍ سينمائي. هي غزّة... غزّة التي تذكّرنا الآن بأنهم #كذبوا_عليكم، كما يقول الوَسم المنتشِر، وبأنّ #الإبادة_مستمرّة، بالقصف اليومي الذي تُمطره طائرات ومدافع الجيش الإبادي، وبالموت اليومي الذي بقي هو نفسه وإنْ بوتائر مختلفة، غير أنه الآن لم يعد يحتل المكانة نفسها في الأخبار، وتجاوز حتى قدرته على الإذهال والصدم.

الدكتور حسام أبو صفية على رأس عمله في مستشفى كمال عدوان في غزة، قبل اعتقاله، مع طفلٍ جريح.
الصورة الأخيرة قبل الاعتقال..

لا بأس ببعض التذكير إذاً. بل هو واجب: غزّة وجنوب لبنان ما زالا يقصَفان. الموت ما زال موتاً. الأسرى ما زالوا في السجون الإسرائيلية. والدكتور حسام أبو صفية ما زال محبوساً، معذّباً، منتهَك الحقوق، وفي خطر داهم، وإن كان باستطاعة أيٍّ كان أن يفعلَ أيّاً كان، فالآن هو الوقت المناسب، قبل فواتِ كلّ أوان...

تعذيبٌ وتشفٍّ..

375 كادراً طبياً اعتقلهم الاحتلال بلا تهم حسب منظمة "أطباء بلا حدود"، يصفهم الاحتلال بـ"المقاتل غير الشرعي"، حتى يبرر استمرار اعتقالهم بدون أدلة أو تهم واضحة.

سجن الطبيب حسام أبو صفية منذ كانون الأول / ديسمبر 2024، وخلال فترة حبسه، تعرض للضرب والتعذيب النفسي والجسدي، ولتجويع ممنهج وحرمان من الرعاية الطبية والتواصل مع ذويه. يصرّح ابنه إلياس أبو صفية للجزيرة قائلاً إن والده يعاني من تدهورٍ صحي كبير، مشيراً الى أن سلطات الاحتلال لم تسمح له برؤية محاميه لفترات ممتدة من الزمن، قبل أن تسمح بذلك بعد 90 يوماً من الحرمان من الزيارة، فتعيش العائلة حالة من القلق الدائم عليه جراء انقطاع أخباره لمدة مطولة، ولرفض الاحتلال لإتاحة اللقاء معه.

يتذكر إلياس أن والده طلب منه التواصل مع الصحافي أنس الشريف للتذكير بقضية الأسرى والحديث عن الانتهاكات التي يتعرضون لها، لافتاً إلى أنه لم يكن حتى وقت قريب يعلم باستشهاد أنس. ويضيف إلياس إنّ العائلة "تتعامل مع كلّ تواصلٍ معه كأنه الأخير". ويضيف أن هذه ليست حالهم وحدهم، بل هي حال كلّ عائلات الأسرى في سجون الاحتلال.

في شباط / فبراير 2025، ظهر الدكتور أبو صفية للمرة الأولى في مقطع فيديو بثه الاحتلال، وفي العاشر من حزيران / يونيو 2026، ظهر الطبيب مجدداً، هذه المرة بفيديو حيّ معروض على شاشة أمام محكمة الاحتلال، مكبّل اليدين والقدمين، وبتغيرات جسدية واضحة على هيئته، تُظهِر هبوط وزنه وهزال وجهه نتيجة التجويع والتعذيب.

الدكتور حسام أبو صفية قبل وبعد الاعتقال وخلال مثوله أمام محكمة الاحتلال.
من تظاهرة مطالِبة بحرية الدكتور أبو صفية (الصورة: وكالة الأناضول).

في أوائل الشهر الحالي تموز / يوليو، زار المحامي ناصر عودة موكله الطبيب أبو صفية في السجن، وفي مقابلة لاحقة مع قناة الشبكة البريطانية للبث "بي بي سي"، قال عودة إن الدكتور أبو صفية دائماً ما يتعرض للتعذيب والضرب المبرح في يوم الزيارة نفسها، كما تعرض للضرب مباشرة قبل لقائه به.

مقالات ذات صلة

"واجهتُ صعوبة في التعرّف إلى ملامحه. غطّت الكدمات وجهه، حول عينيه، على رقبته، وعلى أذنيه. كانت آثار التعذيب والضرب جليّة. كان منهَكاً، غير قادرٍ على الكلام، ويواجه صعوبة في التنفس. كان في حالة نفسية وجسدية صعبة للغاية"، قال محاميه ناصر عودة.

تسأله مذيعة "بي بي سي": "ما أول ما قاله لك؟"، فيجيب المحامي عودة: "قال لي، شكراً ناصر، لكن أظن أنها آخر مرّة سنلتقي بها.." خنقت العبرة المحامي عودة بمجرّد نطقه بتلك الجملة، وطلب من المذيعة، بتأثر واضح، إيقاف المقابلة.

كان هذا منذ حوالي ثلاثة أسابيع فقط. والآن، كيف هي حال الدكتور حسام يا ترى؟

أنقذوه الآن!

تتجدد الحملات الإلكترونية والحقوقية والشعبية المنادية بإطلاق سراح الدكتور أبو صفية فوراً، وبدون تأجيل لا تحتمله أحواله الجسدية والنفسية.

أدان 4 خبراء مستقلين مكلفين من الأمم المتحدة ما وصفوه بـ"الاحتجاز التعسفي دون تهمة أو محاكمة"، وتوصلوا إلى استنتاج مفاده أن الاعتقال "يعكس استهداف إسرائيل الممنهج للعاملين في القطاع الصحي الفلسطيني".

أما كبيرة مديري البحوث والمناصرة والسياسات والحملات بمنظمة العفو الدولية "آمنستي"، إريكا غيفارا روساس، فقالت: "إنه لأمر مشين للغاية أن يبقى طبيب رفض التخلي عن مرضاه، وأصبح أحد أبرز الأصوات المندِّدة بتدمير قطاع الرعاية الصحية في غزة، معتقلاً تعسفياً وبصورة غير مشروعة استناداً إلى تصنيف إسرائيل الذي لا أساس له بوصفه ما يسمّى "مقاتلاً غير شرعي"".

في بريطانيا، وقّع أكثر من 2500 عاملاً وعاملة في القطاع الصحي على عريضة سُلِّمت في 11 تموز/ يوليو الحالي إلى الكلّية الملكية للأطباء في بريطانيا، للمطالبة بالتحرك العاجل لإطلاق سراح الدكتور حسام أبو صفية والكوادر الطبية المعتقلة تعسفياً في سجون الاحتلال.

كما أقيم في 16 تموز / يوليوالجاري، وقفة احتجاجية في باريس في محيط وزارة الخارجية الفرنسية، شارك فيها العشرات، أطباء ونقابيون وناشطون، منهم باتريك بيلو، رئيس جمعية أطباء الطوارئ في فرنسا، وقد طالب بمنح الدكتور أبو صفية الجنسية الفرنسية لحمايته من الموت، وجيروم لوغافر، النائب عن حزب "فرنسا الأبية" اليساري.

كذلك ذكَّر عمدة نيويورك، زهران ممداني، منذ أيام، بمناسبة حلول "يوم نيلسون مانديلا"، بقضية الدكتور حسام أبو صفية، قائلاً في خطابه: "لنسأل أنفسنا الآن، مَن في التاريخ يُعامَل بطريقة مشابِهة لتلك التي عومل بها مانديلا قبل أن يطوّبه العالَم قديساً؟ أتذكر كتاباً لعمر العقاد عنوانه "يوماً ما، سيكون الجميع ممّن كانوا ضدّ كلّ هذا"... "

وأضاف ممداني أن العدالة لا تقاس بالحكم التاريخي النهائي، بل بموقفنا الآن من الأشياء، فيما هي تحدث، سائلاً لماذا علينا أن ننتظر المزيد من القتلى حتى نقول حكمنا فيما يخصّ فلسطين، و"لماذا على الدكتور حسام أبو صفية أن يقبع منتظراً حريته لـ18 شهراً في السجن الإسرائيلي؟".

****

نضمّ الصوت مطالِبين: الآن، الآن، الحرية للدكتور حسام أبو صفية، حبيب أهل غزة وطبيبهم، وإلى كل العاملين في القطاع الصحي المحتجزين وجميع الأسرى في سجون التعذيب الإسرائيلية!

مقالات من فلسطين

إسرائيل الكبرى والخطوط الزرقاء: حين تتحول الأساطير الدينية إلى خرائط عسكرية على الأرض

صبري زكي 2026-06-25

طالما أن حدود إسرائيل غير ثابتة، يظل التوسع ممكناً. هذه هي خلفية مشروع دولة "بلا حدود"، وهو التصور التوراتي والصهيوني لإسرائيل الكبرى، وتداعياته على الفلسطينيين والمنطقة بأسرها. ولكن وبعيداً عن...