"إن كان هذا ما يفعلونه بنا، فماذا يفعلون بالفلسطينيين؟"

انشغل الإعلام الصهيوني، وحتى نتنياهو – مسؤول الإبادة الأول - بالتعبير عن الانزعاج من تظهير "صورة إسرائيل" دولياً. لا انزعاج من الجرائم نفسها بالطبع، إنما من "فضحها".
2026-05-28

شارك
مجموعة من ناشطي أسطول الصمود العائدين من السجن الإسرائيلي لحظة وصولهم إلى مطار إسطنبول (الصورة: أسوشيتد برس)
إعداد وتحرير: صباح جلّول

أطلق الكيان الإبادي الإسرائيلي سراح نحو 420 من المناضلين الذين أبحروا على متن مراكب وسفن أسطول الصمود الثاني باتجاه غزة، لكسر الحصار الإسرائيلي عنها، وإيصال المساعدات الإنسانية، وذلك بعد أن اختطفتهم البحرية العسكرية الإسرائيلية من عرض البحر، في المياه الدولية، في خرق واضح وصريح لكل القوانين البحرية والدولية – أي بعملية قرصنة وبلطجة لم تجد بعد مَن يحاسِب على ارتكابها دولياً.

حطّت الطائرات التي تقلّهم في مدينة إسطنبول مساء الخميس الماضي في 21 أيار/مايو. ترجّل منها مئات الناشطين رافعين شارات النصر، وملتفحين بالكوفيات الفلسطينية، في تحدّ واضح للاحتلال الذي أرادهم أن "يتوبوا" عن فلسطين.

هتفوا "الحرية لفلسطين"، بكوا دموع فرح ممزوج بالقهر، وأدلوا بشهادات مروِّعة، هي غيضٌ من فيض ما يتعرض له أسرانا الفلسطينيين - واللبنانيين - المخطوفين لدى الاحتلال، الذين تفتقر عائلاتهم لأي معلومة عنهم، وتبقى عذاباتهم بعيدة عن مرآنا.

قبل يومٍ من إطلاق الناشطين، كان المجرم "النجم" إتمار بن غفير، وزير الأمن القومي لكيان الاحتلال، يحتفل كعادته بإهانة الناشطين وتصويرهم راكعين تحت فوهات البنادق. انتشرت مقاطع فيديو يتجول فيها بن غفير بين عشرات المناضلين الذين أُجبِروا على الركوع لساعات طويلة وأيديهم خلف ظهورهم ورؤوسهم تلامس الأرض في وضعية مؤلمة، بينما هو يضحك محاولاً استفزازهم بغطرسته المعهودة. أمام عدسة الكاميرا، لم يتحرّج من شدّ المناضلة الأيرلندنية كاتريونا غراهام من شعرها عندما هتفت "الحرية لفلسطين" في وجهه، ليتولي الجنود قمعها بدفعها أرضاً.

ناشطو وناشطات الأسطول في معسكر التعذيب الإسرائيلي.

انشغل الإعلام الصهيوني، وحتى نتنياهو – مسؤول الإبادة الأول - بالتعبير عن الانزعاج من تظهير "صورة إسرائيل" دولياً. لا انزعاج من الجرائم نفسها بالطبع، إنما من "فضحها". فيما عبرت بعض المنصات الإعلامية عن أن "حصول إسرائيل على المركز الثاني في مسابقة "يوروفيجن" الموسيقية لن يساعد في تحسين شكل الدولة الصهيونية الآن".

... هنا نعرض بعض شهادات العائدين من تجربة الاختطاف في السجن الإسرائيلي، وقد كان من ضمن هؤلاء المناضلين زميلنا الموريتاني الصحافي أحمد ولد جدو، الذي كتب شهادات ويوميات بغاية الأهمية والجمال، من رحلتي أسطول الصمود الأولى والثانية. بانتظار أن يتعافى تماماً من التبعات الصحية للاعتداء الإسرائيلي الهمجي عليه، الذي أدى لكسر في ذراعه أبقاه في مستشفى في إسطنبول حتى مساء الثلاثاء 26 أيار/مايو الحالي... بانتظار عودته بالسلامة ليدلى بنفسه بشهادته عما حدث.

الصحافي أحمد ولد جدو في المستشفى في اسطنبول وبعد خروجه منها (الصور: وسائل التواصل الاجتماعي)

شهاداتهم..

"رأيت زميلي ممدداً على الأرض. أزالوا بنطاله، وكان بثيابه الداخلية. ثم جاء جندي يقول لي هيا، تعالي معي، فيما يمسح بيده على صدري. ثم تلقيت ضربتي الأولى. لقد كانوا ساديين هكذا. ضرباتهم على الوجه وعلى مؤخرة الرأس، تفقدك الوعي وتجعلك ترى النجوم. حاولت أن أجلس جانباً، لأنه كان يكرّر "تعالي معي"، ولم أرد الذهاب معه بالطبع، لأنني فهمت ما كان يحدث. كنت مرعوبة من أن أتعرّض للاغتصاب. جاء جندي آخر وتحرّش بي بينما خبط زميله رأسي، وأمام عيني كان جندي ثالث يعذّب رفيقنا الملقى على الأرض باستخدام الصاعق الكهربائي. قال لي جندي "ما رأيك بأن أجرّب الصاعق عليكِ؟".

  • مريم حجال، ناشطة فرنسية. شهادة أدلت بها في مقابلة تلفزيونية مع التلفزيون الفرنسي.

"كان لديهم كاميرات تصورنا في المستودع الذي وضعونا فيه. كنا نستخدم أجسامنا لتدفئة زملائنا الذين كانوا يشعرون بدوارات برد. كلما تحرك أحد أو أراد استخدام الحمام، كان يضطر للدوس بالخطأ على جراح الرفاق المكدّسين فوق بعض، على أقدامهم ورؤوسهم".

  • الطبيبة مارغريت كونيللي، ناشطة أيرلندية، متحدثة للصحافة عند وصولها إلى مطار دبلن.

"لقد كان الإسرائيليون يعرفون أنّ كلّ جرح، كلّ اعتداء، كلّ تعذيب، سيتمّ تبليغه لسلطات دولنا. كانوا يعرفون أننا سيكون باستطاعتنا أن نتكلّم أمام كلّ هذه الكاميرات، وفعلوا ما فعلوا بكل الأحوال. إذاً، تخيّلوا فقط ما يحدث للفلسطينيين كل يوم في السجون! لقد خرجنا من أجل نصرة الفلسطينيين، والآن علينا إعادة تركيز الموضوع على غزة وأهل غزة. لهذا خرجنا في البحر إليهم. لهذا نتكلم اليوم. تذكروا أهل غزة."

  • آدم فيتزهنري، ناشط أيرلندي

"قوبلنا بالعنف من الجيش الإسرائيلي، وكنا نعلم أننا سنُقَابل بالعنف. لكنه كان عنفاً فاق توقعاتنا بكثير... أُخذنا إلى سفينة هي عبارة عن سجن عائم. فصلونا إلى مجموعتين، وكان اليومان التاليان في ذلك المكان من أسوأ تجارب حياتي، وأبشع من أبشع تخيلاتي. لا أستطيع تخيّل ما يعنيه أن تكون فلسطينياً تعيش تحت رحمة نظام قادر على فعل كل هذه الأمور".

  • طوم ديزي، ناشط أيرلندي

"أعطونا طعاماً غير قابل للأكل. رموه لنا على الأرض. بللونا بالماء، ونمنا نعانق بعضنا لأن أجساد رفاقنا الأكبر سناً كانت تبرد بشكل خطير. كنا نحاول إبقائهم أحياء".

  • لويز ماكورماك، ناشطة أيرلندية

"أجبرنا على ترديد شعارات مؤيدة لإسرائيل، تحت تهديد أن من لا يردّد الشعارات سيتعرض للضرب المبرح (...) كانت أربعة أيام من الجحيم. ما زلت أعاني الآثار النفسية لما حدث".

  • ليتيسيا ميرل، ناشطة فرنسية

"لقد وصلت مطار إسطنبول وأنا ممتلئة بحزن عميق على كلّ الذين تركناهم خلفنا في السجون الإسرائيلية. هؤلاء الوحوش استمتعوا بضربي والاعتداء عليّ جنسياً. اجمعوني بأنتوني ألبانيزي (رئيس الوزراء الأسترالي)، وسأخبره بنفسي عن عارِ إسرائيل. لقد ضربونا على الرغم من كل امتيازات الجوازات الأجنبية التي نملكها. وهم يفعلون أسوأ من ذلك بأضعاف مع الأسرى الفلسطينيين. ما يقارب 10 ألاف فلسطيني، المئات منهم أطفال، بعضهم يبلغ من العمر سنتين، يعانون على أيدي هؤلاء الوحوش الذين يستمتعون بخلق المعاناة للآخرين. لقد جرّدونا من ملابسنا، وعرّضونا للبرد ومدافع المياه. أجبرونا على الركوع ووضع رؤوسنا على الأرض، وقالوا لنا إذا رفعتم رؤوسكم سنطلق النار عليكم فوراً. إذا كان هذا ما يفعلونه بنا، فهم يرتكبون ما هو أفظع بكثير بحق أخواتنا وإخواننا الفلسطينيين. نحن نريدكم جميعاً أن تدافعوا عنهم. لهذا السبب عرضنا أنفسنا لهذه التجربة، لفضح شرّهم...ما كان يدفعني للصمود والصبر كانت فكرة أنها ساعات وأعود إلى وطني وأهلي. لا يستطيع الفلسطينيون في السجون فعل ذلك. لا أنفكّ أفكر بهم، أولئك الذين بقوا في السجون بعد أن خرجنا (...) أتحدى رئيس وزراء أستراليا للاستماع إلى شهادتي والنظر في عينَي. اتحداه لتكرار ما قاله سابقاً عن أنه "صديقٌ لإسرائيل" (...) "سأخرج على الأسطول التالي إلى غزّة غداً لو طُلب مني ذلك".

بعض مصابي الأسطول أثناء تلقيهم العناية الطبية في اسطمبول (الصورة: وسائل التواصل)

"كانت أربعة أيام من الجحيم. لقد نظرتُ في عيون أكثر الأشخاص الفاقدين للروح في العالم. لا أثر لأي إنسانية في عيونهم. يجب إيقاف هؤلاء الأشخاص. هؤلاء القتلة المتسلسلين والإباديين، النظام الصهيوني يجب أن يتمّ تفكيكه تماماً (...) لو تصرّفت حكوماتنا لما كان من شأننا أن يتمّ جرّنا إلى السجن في ذلك المركب، أن يتم احتجازنا في البحر المتوسط وتقييدنا بشرائط الكابلات، أن يتم رشنا بمياه غزيرة حتى نشعر أننا نموت غرقاً. كان تعذيباً ممنهجاً، محسوباً ومعدّاً لمعاقبتنا على تجرؤنا على فضح نظامهم الإبادي القاتل المجنون".

إصابات.. واعتداءات أُخرى

أدِخل عدد كبير من الناشطين الذين وصلوا إلى مطار إسطنبول إلى المستشفى في تركيا لتلقي العلاج، وقد خرج منهم حتى الساعة نحو 50 ناشطاً بعد علاجهم من آثار الضرب والاعتداءات الإسرائيلية على الأسطول، فيما بقي 3 نشطاء يتلقون العلاج لأيام إضافية، كان من بينهم زميلنا الصحافي أحمد ولد جدو، الذي لم يخرج حتى يوم الثلاثاء الماضي من المشفى.

حسب التقارير حتى اللحظة، بُلِّغ عن إصابات متعددة في صفوف الناشطين، ترواحت بين 35 حالة كسر وشعر في العظام، 14 حالة تحرش واعتداء جنسي، 4 إصابات حسّاسة في الرأس، بالإضافة إلى أعراض صحية ناتجة عن الإهمال الطبي المتعمد، إذ حُرِم عدد من الناشطين من أدوية الضغط والسكري الضرورية لهم.

سيارات إسعاف وأسرة متنقلة أقلت عدداً من العائدين من ناشطي أسطول الصمود من مطار إسطنبول بسبب كثرة الإصابات (فرانس برِس)

يستعد أسطول الصمود لتقديم شكاوى قانونية ضد إسرائيل، ويقوم الناشطون حالياً بالتواصل مع سلطاتهم في أكثر من 44 دولة للتبليغ عن الاعتداءات التي طالتهم والمطالبة بالمحاسبة.

مقالات ذات صلة

وإلى ذلك، شهد مطار بلباو في إقليم الباسك على مشهد مقزِّز من عنف الشرطة ضد نشطاء الأسطول الأسبان الواصلين، الذين تعرضوا، بعد اختطافهم وتعذيبهم على يد إسرائيل، إلى الضرب العنيف والسحل في قاعة المطار، لأنهم تجمعوا مرددي شعارات مناصرة لفلسطين! وحكومة إقليم الباسك، بعكس الحكومة الإسبانية المركزية، يمينية متطرفة يقودها الحزب الباسكي القومي (PNV)، والشرطة فيها اسمها Erstanzia)). وتلك الشرطة في المطار دُرِّبت على يد خبراء اسرائيليين! وعلى الرغم من ميولها تلك، استنكرت الحكومة المحلية تلك الوحشية ووعدت بالمحاسبة، بالتزامن مع خروج تظاهرة من مئات الأشخاص في مدينة بلباو احتجاجاً على الاعتداء على الناشطين ودعماً لفلسطين.

أما في ليبيا، فقد أعلنت هيئة الصمود المغاربية اعتقال عدد من المشاركين في قافلة الصمود البرية الثانية مساء الأحد 24 نيسان/ ابريل، وهم أطباء وحقوقيون متعددو الجنسيات كانوا في سيارات إسعاف متجهة إلى غزة، أُوقفوا أثناء عبورهم مدينة سرت الواقعة ضمن مناطق سيطرة قوات حفتر. ولا يزال الاتصال بالموقوفين منقطعاً حتى الآن.

***

تبقى رحلة الأساطيل والقوافل المتجهة إلى غزة محفوفة بالمخاطر، لكنّ لسان حال المشاركين على متنها يقول: "سنعود مرة بعد مرة".

مقالات من فلسطين

يعذَّبان.. كي لا يجرؤ سواهما

2026-05-07

"ستعيشين في عالم أكثر أماناً لأن العديد من الآباء قرروا التضحية بكل شيء لبناء هذا العالم الأفضل لكِ. أتمنى أن تُدركي يوماً ما أنه، لشدة حبي لكِ، لم يكن هناك...

الخط الأصفر وخطوط أخرى

صار مصطلح الخط الأصفر شيئاً عادياً في حياة الفلسطيني الغزّاوي. مرّت خمسة أشهر على وقف إطلاق النار و"انتهاء" الحرب بالمعنى الرسمي والإعلامي، ومنذ ذلك الحين صار هذا الخط شيئاً يومياً...