في نيسان/ أبريل من العام 2016، لم أكن قد تمكنتُ بعد من الحصول على قيدي في عضوية نقابة الصحافيين المصريين، بما يعني أنني أمام السلطات في مصر، لم أكن سوى منتحلة صفة "صحافية"، على الرغم من ممارستي المهنة لما يزيد على سبع سنوات قبل هذا التاريخ.
تقاطع هذا المأزق المهني مع محطة سياسية فارقة، تجسدتْ في التظاهرات الشعبية ضد اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية، أي أزمة جزيرتي "تيران وصنافير". ففي 15 نيسان/ أبريل من العام نفسه، ومع انطلاق تظاهرات "جمعة الأرض"، تحوّل شارع عبد الخالق ثروت، ومبنى نقابة الصحافيين، إلى ملاذ للمتظاهرين الهاربين من الملاحقات الأمنية، حيث فتحت النقابة أبوابها لحمايتهم. ولم يتأخر الرد الأمني، ففي الأول من أيار/ مايو 2016، شهدت الصحافة المصرية ما عُرِف بـ"الأحد الأسود"، حين اقتحمت قوات الأمن مقر نقابة الصحافيين، للمرة الأولى في تاريخها الممتد منذ أربعينيات القرن الماضي، للقبض على صحافيين مُعتصِمين داخلها، في خطوة هدفت إلى كسر الدور الحمائي للنقابة، وتقويض استقلاليتها.
وفي العام 2017، عُيِّنتُ في إحدى الصحف الورقية الخاصة، ما مكنني أخيراً من تقديم أوراقي إلى لجنة القيد واجتياز اختباراتها، إذ كان قانون النقابة – ولا يزال – يستبعد الصحافيين الإلكترونيين من مظلته. وهو التعطيل الذي ظل أداة لوضع الآلاف من الصحافيين في منطقة هشاشة مهنية وأمنية. وتسببت تغطيتي لـ ملفات شائكة وسياسية حساسة، من: مثل قضية "تيران وصنافير"، وأحداث "اقتحام جزيرة الوراق" في العام 2017، في تعتيم أمني على قيدي وتأجيله. لكن المعركة المهنية استمرت حتى حزتُ على عضوية النقابة في النهاية في العام 2019، أي بعد حوالي 10 سنوات من العمل الميداني.
لا تنفصل مشاهد اقتحام النقابة والتضييق على التغطيات المستقلة في منتصف العقد الماضي عن اللحظة الراهنة، بل تشكل جذوراً لأزمة أكثر تعقيداً. فالتعاطي الرسمي مع الصحافة لم يعد يقتصر على التوقيفات الأمنية وأوامر منع القيد، إذ تطور إلى محاولات لإعادة رسم الخريطة برمتها، ليقف الصحافيون أمام مسارين: أولهما تنظيم يدفعه وزير الإعلام ضياء رشوان بمقترح تأسيس كيان لملاك المنصات الإلكترونية – برعاية الصحافي خالد صلاح المقرّب من السلطة – تحت ذريعة تنظيم سوق الإعلام الرقمي، ما يراه تيار الاستقلال ونقيب الصحافيين خالد البلشي محاولة لخلق كيانٍ موازٍ يخالف الدستور. والثاني، تضييق أمني مستمر، تجسّد في نهاية أيلول/ سبتمبر الماضي، في القبض على كامل فريق تحرير منصة "متصدقش".
فما الذي يجري في أروقة شارع عبد الخالق ثروت، وكيف تتأرجح الصحافة، بين غطاء المنافع للمَلاك، والتصفية المباشرة للهامش المستقل؟
قانون 1970: كيف يُستغل؟
تستند الأزمة في المشهد الصحافي المصري الحالي إلى مفارقة تشريعية، إذ يُدار فضاء صحافي يخوض تحديات الذكاء الاصطناعي الجديد، والإعلام الرقمي، عبر قانون صدر منذ أكثر من نصف قرن (القانون رقم 76 لسنة 1970)، في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، إبان تجربة الجمهورية العربية المتحدة، مشترطاً في مادته (65) ألا يمارس أي فرد العمل الصحافي إلا بعد قيده في جداول النقابة، والحصول المسبق على موافقة الاتحاد الاشتراكي العربي (المنْحلّ!). وتنص المادة (3) على أن هدف النقابة هو "نشر وتعميق الفكر الاشتراكي والقومي"، ما يتناقض مع التحولات الاقتصادية والسياسية الحالية للدولة. وعلى الرغم من الطعون القضائية المقامة (كدعوى طارق درويش في العام 2015 للبطلان بسبب التبعية لكيانات مُلغاة (كالجمهورية المتحدة ووزارة الإرشاد القومي)، استمر القضاء في صون التشريع المتقادِم، ليظل النص المهجور عملياً، نافذاً في حصار الصحافيين.
وينعكس ذلك بشكل مباشر على هيكل القيد في جداول النقابة. فوفق المادة (4) من القانون، تُوزع العضوية على أربعة جداول فرعية. واشترط القانون لقيد الصحافي أن يباشر عمله عبر صحيفة يومية أو دورية مطبوعة، مُسْقطاً الاعتراف بالمواقع والمنصات الرقمية كوسيط صحافي قائم بذاته، ما تسبب في تعليق آلاف الصحافيين الإلكترونيين والمستقلين في منطقة هشاشة مهنية وأمنية ممتدة، إذ يُصنَّفون قانوناً كـ "منتحلي صفة صحافي"، ما يعرِّضهم لعقوبات سالبة للحرية، ويحرمهم - في الغالب - من التغطيات الميدانية، والتواجد في المراكز الإعلامية للوزارات، والحصول على التصريحات الرسمية من مسؤولي ومؤسسات الدولة.
لا يتوقف المشهد عند العوار المتمثِّل في قانون النقابة، بل يمتد ميدانياً إلى ملاحقة صحافة التحقق والبيانات. تجلّتْ أنماط التضييق الأمني في أحدث صورها مع نهاية أيلول/ سبتمبر الماضي، حين تم القبض على كامل فريق تحرير منصة "متصدقش"، التي تعتمد على أدوات المصادر المفتوحة لتفنيد تصريحات المسؤولين والأرقام الحكومية، في خطوة كشفت عن تحوّل صحافة التحقق في نظر السلطة، إلى منازعة سياسية للرواية الرسمية وإخلال بالأمن القومي.
وقد أدى الامتناع التشريعي عن استيعاب الصحافة الرقمية إلى اضطرار صحافيين للجوء إلى سوق سوداء لشراء التعيين في جرائد ورقية مقابل مبالغ مالية تصل إلى 150 ألف جنيه مصري (حوالي 2863 دولاراً أمريكياً) من أجل العبور الشكلي إلى لجنة القيد. وعلى الجانب الآخر، أظهرت تقارير المراصد الحقوقية أن الصحافيين الإلكترونيين هم الفئة الأكثر استهدافاً بالانتهاكات. وبحسب مركز الشهاب لحقوق الإنسان، فقد أظهر وجود 40 صحافياً خلف القضبان حتى أيار/ مايو الماضي، ما يتوافق مع تقارير المرصد المصري للصحافة والإعلام للعام 2025، الذي أظهر عمليات توقيف وحبس مستمرة للصحافيين شهرياً. فيما كشفت بيانات المرصد عن أنماط متكررة من الانتهاكات، تمثَّلت في تجاوز مدة الحبس الاحتياطي الحدود القانونية، والتوسع في إحالة قضايا النشر إلى نيابة أمن الدولة العليا، وتطبيق نمط التدوير بإعادة إدراج الصحافيين في قضايا جديدة بعد قرارات إخلاء السبيل، مع تركّز الاتهامات في الانضمام إلى جماعات إرهابية ونشر أخبار كاذبة، ما يعكس تحول الحبس الاحتياطي، من إجراء استثنائي مؤقت إلى أداة ملاحقة للصحافيين.
وتعكس بيانات "مراسلون بلا حدود" الحال المتدهورة، التي وصلت إليها صحافة القاهرة، إذ صنفت في المرتبة 169 من أصل 180 عالميًا، في مؤشرها السنوي لحرية الصحافة للعام الجاري 2026، بينما أظهر مؤشر "الحرية في العالم" حصول القاهرة على 18 من 100 في العام 2026، ما يعكس مزيداً من التراجع في حرية التعبير.
أمام هذا المشهد، وخلف حملات مطالِبة بتغيير القانون لضم الصحافيين الإلكترونيين تحت مظلة الحماية النقابية، وعد النقيب "البلشي" بفتح جدول الانتساب كحل مؤقت، مع توصية خلال المؤتمر العام السادس للصحافة في العام 2024، بتعديل لائحة القيد لتوافق تطورات سوق العمل الصحافي. غير أن الخطوة قوبلت بجدل واسع، إذ تمنح الصحافيين الإلكترونيين اعترافاً شكلياً. فانضمامهم إلى جدول المنتسِبين لا يمنحهم كامل حقوقهم النقابية كالحماية الاجتماعية، والتأمين الصحي، وصندوق الطوارئ، والحق في التصويت في الانتخابات، أو بدل التكنولوجيا.
صحافة التدقيق تحت المقصلة
لا يتوقف المشهد عند العوار المتمثِّل في قانون النقابة، بل يمتد ميدانياً إلى ملاحقة صحافة التحقق والبيانات. تجلّتْ أنماط التضييق الأمني في أحدث صورها مع نهاية أيلول/ سبتمبر الماضي، حين تم القبض على كامل فريق تحرير منصة "متصدقش"، التي تعتمد على أدوات المصادر المفتوحة لتفنيد تصريحات المسؤولين والأرقام الحكومية، في خطوة كشفت عن تحوّل صحافة التحقق في نظر السلطة، إلى منازعة سياسية للرواية الرسمية وإخلال بالأمن القومي.
وامتدت الأزمة الدائرة خلال الأيام القليلة الماضية إلى مواجهة حادة بين الدوائر الرسمية والصحافيين، إذ تقدمت النقابة ببلاغ إلى النائب العام، للتحقيق في اتهامات صحافيي "متصدقش" المحتجَزين، للقطاع الأمني بالتعذيب، وإجبارهم على تصوير اعترافات غير حقيقية، لتسارِع وزارة الداخلية إلى نفي تلك الانتهاكات، في بيان رسمي وصف اتهامات النقابة بـ"الترديدات الإخوانية"(!)، مؤكِّداً أن المحتجزين عناصر تمارس نشاطاً لصالح جماعة حظرتها الدولة، مع التنويه بأن واحداً فقط منهم يحمل عضوية النقابة، بينما الخمسة الآخرون غير مقيدين.
أدى الامتناع التشريعي عن استيعاب الصحافة الرقمية إلى اضطرار صحافيين للجوء إلى سوق سوداء لشراء التعيين في جرائد ورقية، مقابل مبالغ مالية، تصل إلى 150 ألف جنيه مصري (حوالي 2863 دولاراً أمريكياً) من أجل العبور الشكلي إلى لجنة القيد.
في العام 2017، عُيِّنتُ في إحدى الصحف الورقية الخاصة، ما مكنني أخيراً من تقديم أوراقي إلى لجنة القيد واجتياز اختباراتها، إذ كان قانون النقابة – ولا يزال – يستبعد الصحافيين الإلكترونيين من مظلته. وهو التعطيل الذي ظل أداة لوضع الآلاف من الصحافيين في منطقة هشاشة مهنية وأمنية. وقد استمرت المعركة المهنية حتى حزتُ على عضوية النقابة في النهاية في العام 2019، أي بعد حوالي 10 سنوات من العمل الميداني.
وفي أعقاب بيان وزارة الداخلية، ترافقت المواجهة الأمنية مع تصاعد موجة استهداف رقمي منسّق، طالت نقابة الصحافيين والنقيب خالد البلشي شخصياً، إذ كشف تقرير لمنصة "صحيح مصر" عن إطلاق حملات إلكترونية مكثَّفة، استخدمت وسوماً، أبرزها: "نقابة الصحافيين تدعم الإرهاب"، و"تطهير نقابة الصحافيين". ووفق التقرير، فقد حقق الوسم الأول معدل وصول تجاوز 266 ألف حساب عبر تدوينات، تمركزت 58.5 في المئة منها داخل مصر و36 في المئة من السعودية، فيما سجّل الوسم الثاني وصولاً إلى 134 ألف حساب، بانتشار تجاوز 60 في المئة من داخل مصر. وتتبّع التقرير آليات التوجيه الميداني للحملة، مشيراً إلى تفاعل حسابات موثّقة ومحسوبة على لجان الموالين للسلطة، من بينها حسابات تُدار بعلامات موقع جغرافي موجه، إلى جانب حسابات ترتبط بقيادات شبكات إلكترونية، سبق استضافتها في قنوات فضائية تابعة لشركة "المتحدة للخدمات الإعلامية" الرسمية.
أيضاً، وبحسب ما أوردته "صحيح مصر"، لم يقتصر التجييش على منصة "إكس"، بل امتد إلى "فيسبوك"، عبر تدشين منصات موجَّهة، كصفحة "شباب الصحافيين"، التي أُنشئت مع بداية تشرين الأول/ أكتوبر، وقفز عدد متابعيها خلال أيام إلى حوالي 53 ألف متابع، منهم 50 ألف حساب وهمي زُيّفت أسماؤهم بالإنجليزية، وربطت بصور موحدة لفتيات مُسجلة في دولة فيتنام، لتتولى بعدها إعادة نشر مقالات وتدوينات لباحثين وصناع محتوى مقربين من الكيانات الحكومية، تطالب بإقالة "البلشي"، ومقاطعة الصحافة؛ بدعوى "الأخونة"، ومساندة المحتجزين غير المقيدين نقابياً.
مشروع الملاك واحتكار الفضاء الرقمي
على الجانب الآخر، تبرز محاولات تأسيس كيان لملاّك المنصات بزعامة خالد صلاح، مُتخذاً من تصريحات وزير الإعلام الحالي ضياء رشوان (اقترح تأسيس كيان يجمع مسؤولي المواقع الإخبارية على غرار غرفة صناعة السينما المسجلة لدى اتحاد الصناعات)، ذريعة لكسب التأييد، ما يلتف على المادة (77) من الدستور المصري، التي تحظِّر إنشاء أكثر من نقابة مهنية واحدة للمهنة الواحدة، تختص وحدها بتنظيم شؤون المهنة وطريقة قيد أعضائها، ومساءلتهم عن سلوكهم في ممارسة نشاطهم المهني، وفقاً للمواثيق المهنية.
تلفزيون الهامش: حكايات المهمشين في أزقة مصر
17-04-2025
ولا ينفصل هذا التحرك عن خريطة الاستحواذ الاقتصادي، التي شُيِّدت عقب تأسيس شركة "المتحدة للخدمات الإعلامية" في العام 2016، إذ سيطرت على غالبية الإصدارات الصحافية المطبوعة والمرئية والمرخصة رقمياً بعيداً عن المؤسسات الوطنية، مستحوِذةً على منصات صحافية رئيسية من مثل: "اليوم السابع"، و"الوطن"، و"الدستور"، و"مبتدأ"، و"أموال الغد"، و"دوت مصر"، و"صوت الأمة"، إلى جانب الشبكات التلفزيونية والإذاعية. في الوقت الذي فُرِضت فيه شروط تعجيزية على ترخيص المنصات الرقمية والجرائد، في ظل أحكام القانون رقم 180 لسنة 2018 ولائحته التنفيذية في العام 2020. فوفق المادة (2) من القانون، يُشتَرط لتأسيس الصحف الورقية أو الإلكترونية التي تُصْدِرها الشخصيات الطبيعية أو الاعتبارية الخاصة أو الأحزاب السياسية، إيداع مبلغ تأميني في أحد البنوك الخاضعة لرقابة البنك المركزي المصري (مليون جنيه/ 19.084 دولاراً أمريكياً للإصدار اليومي، و900 ألف جنيه/17.176 دولاراً للأسبوعي، و800 ألف جنيه/ 15,267 دولاراً للشهرية أو اليومية، و700 ألف جنيه/13.359 دولاراً للأسبوعية، و600 ألف جنيه/11.450 دولاراً للشهرية)، بينما تشترط المادة (14) ألا يقلّ رأس مال الشركة المؤسِّسة للموقع الإلكتروني عن 100 ألف جنيه/1.908 دولارات، على أن يتقدم مالكها للحصول على ترخيص، مقابل سداد رسوم بقيمة 50 ألف جنيه/954 دولاراً، وفق المادة (15). أمام هذه الشروط المادية والتنظيمية، أضحت الصحف المستقلة غير القادرة على استيفائها تحت تهديد الحجب والملاحقة، إذ وبحسب تقارير حقوقية، فقد تم حجب حوالي 600 موقع إخباري وحقوقي في مصر منذ العام 2017، ما يجعل مشروع "كيان الملاك" امتداداً أحدث لمأسسة السيطرة الاقتصادية، وتصفية ما تبقى من مساحات إلكترونية خارج التكتلات الموالية للسلطة أو رأس المال.
بحسب ما أوردته "صحيح مصر"، لم يقتصر التجييش على منصة "إكس"، بل امتد إلى "فيسبوك" عبر تدشين منصات موجَّهة، كصفحة "شباب الصحافيين"، التي أُنشئت مع بداية تشرين الأول/ أكتوبر، وقفز عدد متابعيها خلال أيام إلى حوالي 53 ألف متابع، منهم 50 ألف حساب وهمي زُيّفت أسماؤهم بالإنجليزية، وربطت بصور موحدة لفتيات مُسجلة في دولة فيتنام.
بالعودة إلى نيسان/ أبريل ،2016 و"الأحد الأسود"، يبدو المشهد اليوم أكثر تعقيداً وقسوة. ففي منتصف العقد الماضي، كانت المعركة تتجسد في مواجهة أمنية سياسية مباشرة، بين نقابة متمسكة باستقلالها وسلطة تسعى إلى كسر هيبتها باقتحام هو الأول من نوعه. ليتغير المشهد اليوم في محاولة لخلق كيانات موازية، وتجفيف الشرايين الاقتصادية للصحافيين، ليصبح العام الجاري امتداداً إلى مشاهد العام 2016، لكنه يمثل نقطة فارقة مرتقبة.
وفي رده على هذه المحاولات، حذّر نقيب الصحافيين خالد البلشي من الدعوات المطروحة، واصفاً أي اتجاه لتنظيم حقوق الصحافيين خارج مظلة النقابة بـ"الدعوة المرفوضة". موضحاً أنه وإذا كان من حق أصحاب رؤوس الأموال تأسيس "اتحاد للملاك"، يدافع عن مصالحهم الاستثمارية والتفاوضية - وهو إطار رأسمالي معتاد بحسب تعبيره - فإن هذا الكيان لا يملك أية سلطة شرعية أو قانونية، للحديث باسم الصحافيين، أو وضع الضوابط المهنية والتحريرية، التي تُعَدّ اختصاصاً حصرياً للنقابة والمجالس التنظيمية، منتقداً ما وصفه بـ"الخلطات السرية المريبة" التي تسعى إلى دمج الملاك والعاملين في كيانات مشتركة، واصفاً إياها بـ"الغطاء لفرض احتكار جديد وتأميم السياسات التحريرية، والالتفاف على حقوق العمال بفرض العقود المؤقتة وتخفيض الأجور"، مشيراً إلى أن إلزام المؤسسات بضوابط التشغيل، والحد الأدنى للأجور، والتأمين ضد العجز والبطالة، هو اختصاص أصيل للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بموجب المواد (15، 38، 45، و46)، من القانون رقم 180 لسنة 2018، وأن أية محاولة لخلق تجمعات للمؤسسات تُعد قفزاً على هذا الدور التنظيمي، ومحاولة للانفراد بتوجيه السوق لصالح المستثمِرين.
أمام هذا المسار، يقف الصحافيون متخوفين. فمن جهة، يخشى تيار الاستقلال تعديل البرلمان للقانون 1970، تحسباً لمخاطر فرض وصاية قانونية جديدة، أو تقييد العمل النقابي عبر الأغلبية النيابية، ومن جهة أخرى، تبرز تحفظات لدى شريحة من الجمعية العمومية، تتخوف من أن يؤدي التوسع الكثيف في القيد إلى تقاسم مخصصات صندوق الطوارئ، والدعم الاجتماعي، وبدل التكنولوجيا والتدريب الذي تصرفه الدولة، ويشكل دعامة رئيسية لدخل الصحافيين في ظل البطالة المرتفعة، وإجراءات الفصل التعسفي المستمرة، أو تدني الأجور. في المقابل، يُسْهم هذا التأخر التشريعي/ في ترك الميدان فارغاً أمام مشاريع الملاك لطرح أنفسهم كبديل، ليظل الصحافي الإلكتروني معلّقاً، بين حرمان قانوني ممتد، وسلب لاستقلاليته المهنية لصالح رأس المال.
وبالعودة إلى نيسان/ أبريل 2016 و"الأحد الأسود"، يبدو المشهد اليوم أكثر تعقيداً وقسوة. ففي منتصف العقد الماضي، كانت المعركة تتجسد في مواجهة أمنية سياسية مباشرة، بين نقابة متمسكة باستقلالها وسلطة تسعى إلى كسر هيبتها، باقتحام هو الأول من نوعه. ليتغير المشهد اليوم في محاولة لخلق كيانات موازية، وتجفيف الشرايين الاقتصادية للصحافيين، ليصبح العام الجاري امتداداً إلى مشاهد العام 2016، لكنه يمثل نقطة فارقة مرتقبة. ويظل السؤال مفتوحاً في أروقة شارع عبد الخالق ثروت: هل تملك النقابة القدرة على صون وحدتها ومدّ حمايتها لأبنائها، أم أن الفضاء الرقمي سينقلب إلى ساحة تجريف شاملة، لصحافة لم تطلب سوى حقها الأصيل في الوجود؟





