في شوارع القاهرة، ثمة حالٌ من عدم الرضا المكتوم، تتسلل ملامحها إلى وجوه العابرين الذين يمضون يومهم في سباق لا ينتهي مع متطلبات الحياة، في بلد اعتاد أهله على التأقلم مع الأزمات، والرضا بأقل القليل... لكن قدرتهم على التحمل تواجه اختبارات شديدة مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القوة الشرائية واتساع الضغوط على الطبقة الوسطى.
لا يتعلق الأمر بالاقتصاد وحده، بل أيضاً بالمساحات المتاحة للتعبير عن الآراء السياسية والمطالب الفئوية، في ظل القيود المفروضة على حرية التنظيم النقابي والسياسي، وحتى التجمعات، ما يصعب معه قياس المزاج الشعبي بدقة، ومعرفة ما إذا كان الاستياء الاقتصادي قادراً على التحول إلى قوة سياسية منظمة خلال السنوات القادمة.
في ظل الرؤية غير المكتملة للشارع المصري، تقترب مصر من استحقاق رئاسي جديد في عام 2030، لتعود إلى الواجهة أسئلة تتجاوز هوية المرشح المقبل: هل يستمر النمط الذي حكم الحياة السياسية منذ قيام جمهورية يوليو، القائم على الدور المحوري للمؤسسة العسكرية في اختيار الرئيس وصعوده؟ أو تتيح السنوات المقبلة فرصة لانتقال سياسي يدفع برئيس مدني منتخب، يمتلك استقلالاً فعلياً في اتخاذ القرار، ويستند إلى منافسة سياسية حقيقية؟
سقوط الجمهورية الأولى
منذ قيام النظام الجمهوري في مصر عام 1953، عقب حركة الضباط الأحرار في تموز/ يوليو 1952، تعاقب على رئاسة الجمهورية رؤساء ارتبط معظمهم بالمؤسسة العسكرية، سواء بحكم خلفياتهم المهنية أو السياق السياسي الذي أوصلهم إلى السلطة. ومثّل الرئيس الثاني للجمهورية، جمال عبد الناصر، ذروة آمال قطاعات واسعة من الشعوب العربية والأفريقية في التحرر الوطني من الاستعمار، وبناء دول تستند إلى مقدراتها الوطنية بعيداً عن التدخل الأجنبي. ولا تزال صوره تُرفع بوصفه رمزاً للتحرر الوطني في كثير من الدول النامية.
مصر: "بندول" دولة ما بعد الاستعمار
11-02-2021
وعلى الرغم من الأخطاء والتجاوزات التي شهدها عصره، ظلت شرعية عبد الناصر قائمة حتى هزيمة حزيران/ يونيو 1967. ويردد الكاتب الصحافي الراحل محمد حسنين هيكل، المقرب من النظام آنذاك، أن شرعية يوليو تأثرت بالهزيمة، فحتى خطاب التنحي الذي أعلنه عبد الناصر، وكتبه هيكل بنفسه، كان الهدف منه، وفقاً لهذا التفسير، الإقرار بتلك الهزيمة وإتاحة الفرصة للحصول على تفويض شعبي جديد، ولو مؤقتاً، إلى حين تجاوز آثارها وتحرير سيناء.
الحصول على الدكتوراه واجتياز برنامج دراسي في إدارة الدولة لا يكفيان وحدهما لاكتساب الخبرة السياسية، أو القدرة على بناء التوافقات المجتمعية، أو التعامل المباشِر مع مشكلات المواطنين. كذلك، لا يجيب تأهيل المرشحين، في حد ذاته، على أسئلة تتعلق بمعايير اختيارهم، والجهة التي تحدد المقبولين، ومدى استقلال عملية الاختيار، والضمانات التي تكفل تكافؤ الفرص بينهم.
بعده، جاء الرئيس محمد أنور السادات، رجل الحرب والسلام، كما ارتبطت صورته بعصره، الذي استند في بناء شرعيته إلى حرب أكتوبر، التى تُعدّ النصر الحربي الأهم ضد العدو الصهيوني، بمشاركة الدول العربية، أعقبها توقيع "اتفاقية السلام" مع إسرائيل، قبل أن ينتهي حكمه باغتياله.
ثم جاء حسني مبارك، الذي لم يحمل في بدايات حكمه مشروعاً سياسياً واضح المعالم، وقد اتسمت خطاباته الأولى بالبساطة والتلقائية، على خلاف النبرة الاستعراضية التي ميزت خطابات سلفه السادات. لكن الأمور بدأت تتغير مع توغله في السلطة، وتعاقبت سنوات حكمه حتى بلغت ثلاثين عاماً كاملاً. وبالنسبة إلى جيلي، كان مبارك الرئيس الوحيد الذي عرفناه طوال سنوات وعينا السياسي، حتى أطيح به من الحكم.
وفي إحدى المسرحيات الكوميدية للفنان الراحل سعيد صالح، ورد توصيف ساخر لتعاقب عهود عبد الناصر والسادات ومبارك: "واحد أكلنا المش، وواحد علمنا الغش، وواحد لا بينش ولا بيهش". وتعكس هذه العبارة، على نحو ساخر، الصورة التي ترسخت في وعي قطاعات من المصريين عن عهود الرؤساء الثلاثة، كما تشير إلى صعوبة اختزال عصر مبارك في سمة واحدة واضحة، خاصة في سنواته الأولى.
فلم يتبن مشروعاً قوميًّا بحجم مشروع عبد الناصر، القائم على التصنيع الثقيل وتوسيع دور الدولة والانحياز المعلن إلى الطبقات الفقيرة، كما لم يخرج في بداياته بصورة واضحة عن المسار الذي رسمه السادات، ما جعل سياساته تبدو امتداداً إلى سابقتها أكثر من كونها تحمل مشروعاً مستقلاً.
وعلى ذلك، أتاح نظام مبارك هامشاً من الحريات السياسية والإعلامية لم ندرك قيمتها إلا بعد انتهاء عهده، كما شهدت سنوات حكمه بعض السياسات والمشروعات التي استفادت منها قطاعات من الطبقة الوسطى. بالطبع، لم يخل عصره من أخطاء جسيمة، كان من أبرزها تصاعد نفوذ مجموعة من رجال الأعمال الأثرياء، الذين أخذوا يفرضون حضورهم وتأثيرهم على دوائر صنع القرار، خاصة خلال العقد الأخير من حكمه.
وبدا مبارك آنذاك "متساهلاً" مع تمدد نفوذ هذه المجموعة، في ظل تصاعد المؤشرات على السعي إلى توريث الحكم لنجله الأصغر، جمال مبارك، الذي جرى إعداده سياسياً لتولي منصب رئيس الجمهورية! وفي هذا السياق، جاءت التعديلات الدستورية، لا سيما تعديل المادة 76 من دستور 1971 عام 2005، الذي أتاح التنافس بين أكثر من مرشح في الانتخابات الرئاسية، بعدما كان مجلس الشعب يرشح شخصاً واحداً يُعرض على الاستفتاء الشعبي. وعلى الرغم من أن التعديل أقر الاقتراع السري العام المباشر، فإنه وضع شروطاً وقيوداً مشددة على الترشح، وسط اتهامات من المعارضة بأن قواعد تلك الترتيبات صُمِّمت بما يخدم مشروع التوريث، وهو ما نفته السلطة آنذاك.
رئيس شبه مدني
أطاحت ثورة كانون الثاني/ يناير 2011 بنظام مبارك، وأحدثت تحولاً مفاجئاً في بنية السلطة، ليتولى بعده المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة المرحلة الانتقالية، في ظل مشهد سياسي مضطرب، وغياب قيادة موحَّدة للثورة. وفي خضم انشغال الشباب بالاحتجاجات، برزت جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من قوى الإسلام السياسي؛ بوصفها تنظيمات تمتلك خبرة انتخابية وشبكات تنظيمية قائمة. وشهدت المرحلة الانتقالية إتاحة المجال أمام تأسيس أحزاب إسلامية والمشاركة في الانتخابات. وفي انتخابات مجلس الشعب التي أجريت عام 2011- 2012، حققت الأحزاب الإسلامية أغلبية كبيرة، بلغت حوالي 70 في المئة من مقاعد المجلس، وفقاً للتقديرات المتدَاولة لنتائج الانتخابات.
وفي هذا السياق، لم يكن وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم، ممثلة في الرئيس محمد مرسي، أمراً مستغرباً بالنظر إلى نتائج الانتخابات البرلمانية وصعود التنظيم انتخابياً. فقد وصل مرسي إلى الرئاسة عام 2012 عبر أول انتخابات رئاسية تعددية بعد "ثورة يناير". غير أن وصول رئيس مدني منتخَب إلى السلطة لم يكن، في حد ذاته، كافياً لإرساء نظام سياسي ديمقراطي مستقل عن نفوذ المؤسسة العسكرية، أو لضمان استقرار قواعد تداول السلطة.
في الأيام الأخيرة، وعقب حديث الرئيس عن عدم نيته الترشح مجدداً ومغادرة السلطة بنهاية مدته الحالية، توالت الأصوات الإعلامية المطالبة باستمراره، والمروجة لشعبيته، بل ظهرت خطابات تؤكد ضرورة بقائه، لاستكمال ما بدأه من ملفات خلال سنوات حكمه، وفي مقدمتها ملف القروض الخارجية والاستدانة.
السؤال المتعلق بعام 2030 أكثر تعقيداً: هل يمكن أن يغادر عبد الفتاح السيسي السلطة عند انتهاء مدته الرئاسية، بما يفتح المجال أمام انتقال سياسي حقيقي؟ أو أن الانتخابات المقبلة ستعيد إنتاج النمط نفسه، مع تغيير في الأشخاص، من دون تغيير جوهري في قواعد الحكم؟
جاء محمد مرسي إلى الرئاسة في ظل صراع سياسي حاد، انتهى بعزله في تموز/ يوليو 2013، عقب احتجاجات شعبية واسعة وتدخّل القوات المسلحة. وخلال فترة حكمه، أثيرت انتقادات بشأن نفوذ جماعة الإخوان المسلمين في مؤسسة الرئاسة، ودور مكتب الإرشاد في توجيه قراراتها السياسية.
أما المستشار عدلي منصور، فكان رئيساً مدنياً آخر[1] لمصر، تولى رئاسة الجمهورية مؤقتاً خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت عزل مرسي، وأدار شؤون البلاد من 4 تموز/ يوليو 2013 حتى 8 حزيران/ يونيو 2014، حين انتقلت السلطة إلى عبد الفتاح السيسي. وتركزت مهامه في إدارة المرحلة الانتقالية والإعداد لانتخابات رئاسية جديدة. وعلى الرغم من خلفيته القضائية، لم يتبلور خلال فترة رئاسته توجه سياسي مستقل، أو مشروع واضح ارتبط باسم.
وبين هاتين التجربتين، تظل المسألة أوسع من تصنيف الرؤساء إلى مدنيين وعسكريين. فالرئيس المدني لا يصبح بالضرورة رئيساً مدنياً بالمعنى الديمقراطي، لمجرد أنه لم يأت من المؤسسة العسكرية، إذ يتطلب الحكم المدني وجود مؤسسات دستورية مستقلة، وتداول سلمي للسلطة، وانتخابات تنافسية، وقدرة حقيقية للرئيس المنتخَب على ممارسة صلاحياته بعيداً عن وصاية أيّة مؤسسة.
من هنا، يصبح السؤال المتعلق بعام 2030 أكثر تعقيداً: هل يمكن أن يغادر عبد الفتاح السيسي السلطة عند انتهاء مدته الرئاسية، بما يفتح المجال أمام انتقال سياسي حقيقي؟ أو أن الانتخابات المقبلة ستعيد إنتاج النمط نفسه، مع تغيير في الأشخاص، من دون تغيير جوهري في قواعد الحكم؟
المرشحون المحتملون
للإجابة على السؤال السابق، سنتحدث عن الشخصيات المدنية المطروحة للرئاسة. ففي حوار مع المحامي الحقوقي خالد علي، طُرِحت خمسة أسماء، هم: الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، وحمدين صباحي، والدكتور محمود محيي الدين، وعمرو موسى، وخالد البلشي.
لكن اللافت في هذه القائمة هو التفاوت في أعمار أصحابها وخلفياتهم المهنية والسياسية. فبينما ينتمي بعضهم إلى أجيال سياسية أقدم، يمتلك آخرون خبرات في العمل الاقتصادي والدبلوماسي والنقابي والإعلامي. وبحلول عام 2030، سيكون عمرو موسى قد تجاوز التسعين من عمره.
ويعيد هذا الطرح فتح سؤال مهم: هل يمكن أن تظل القوى المدنية أسيرة الأسماء، التي راكمت خبرتها السياسية على مدى عقود، أو أن انتخابات 2030 قد تتيح المجال، أمام جيل جديد من السياسيين القادرين على تقديم بدائل مختلفة؟
ولا تتعلق المسألة بالعمر وحده، بل بقدرة أي مرشح، على تقديم مشروع سياسي واقتصادي واضح، وبناء قاعدة جماهيرية، والعمل في مناخ يضمن المنافسة الانتخابية الحقيقية. وقد ربط خالد علي إمكانية المنافسة بتوافر ضمانات انتخابية وحياد مؤسسات الدولة، معتبراً أن المشكلة لا تُختزل في اختيار الأسماء، وإنما في البيئة التي ستُجرى فيها الانتخابات.
هكذا يبدو مشهد البدائل المدنية، وفق هذه القراءة، وكأنه لا يزال يدور في فلك الأسماء التي برزت في المجال العام منذ ثورة يناير 2011، أي قبل حوالي عقدين من الزمان بحلول انتخابات 2030، ما يعكس انحسار المجال العام وتراجع فرص التنافس السياسي.
المسألة أوسع من تصنيف الرؤساء إلى مدنيين وعسكريين. فالرئيس المدني لا يصبح بالضرورة رئيساً مدنياً بالمعنى الديمقراطي، لمجرد أنه لم يأت من المؤسسة العسكرية، إذ يتطلب الحكم المدني وجود مؤسسات دستورية مستقلة، وتداول سلمي للسلطة، وانتخابات تنافسية، وقدرة حقيقية للرئيس المنتخَب على ممارسة صلاحياته بعيداً عن وصاية أيّة مؤسسة.
لا يتعلق الأمر بالاقتصاد وحده، بل أيضاً بالمساحات المتاحة للتعبير عن الآراء السياسية والمطالب الفئوية، في ظل القيود المفروضة على حرية التنظيم النقابي والسياسي، وحتى التجمعات، ما يصعب معه قياس المزاج الشعبي بدقة، ومعرفة ما إذا كان الاستياء الاقتصادي قادراً على التحول إلى قوة سياسية منظمة خلال السنوات القادمة.
وفي ظل البحث عن بدائل مدنية للرئيس عبد الفتاح السيسي، يظل اسم علاء مبارك، نجل الرئيس الأسبق حسني مبارك، أحد الأسماء التي يمكن طرحها في سياق التساؤل عن عودة عائلة مبارك إلى المشهد السياسي، وإن لم يكن هناك إعلان موثَّق عن نيته الترشح. ويكتسب هذا الاحتمال دلالته من إرث عائلة حكمت مصر ثلاثة عقود، ومن الجدل الذي لا يزال قائماً حول تقييم تلك المرحلة، بين من يربطونها بالاستقرار النسبي، ومن يستحضرون ما شهدته من تضييق سياسي وفساد انتهى بثورة يناير 2011.
لكن تداول اسم علاء مبارك لا يعني أنه مرشح فعلي، ولا يكفي وحده للاستدلال على وجود مشروع سياسي يستهدف الوصول إلى الرئاسة. ففي نيسان/ أبريل 2023، رد على متابع دعاه إلى الترشح، قائلاً: "بس في كلام مينفعش يتقال وبالأسلوب ده.. فلا داعي لهذا الكلام دلوقتي"، وهو رد لا يمثل إعلاناً عن خوض الانتخابات أو تأكيداً لاستبعادها.
ومن الناحية القانونية، لا يمنع الدستور المصري أبناء الرؤساء السابقين من الترشح لمجرد انتمائهم العائلي، إذ تحدد المادتان 141 و142 شروط الترشح، ومنها الجنسية والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية، وأداء الخدمة العسكرية أو الإعفاء منها قانوناً، إلى جانب استيفاء متطلبات التزكية البرلمانية أو الشعبية. لكن تطبيق هذه الشروط على أي مرشح محتَمل يقتضي التحقق من وضعه القانوني تفصيلاً، وعدم الاكتفاء بالافتراضات المتداولة.
من يصنع الثورة ومن يحكم بعدها؟
31-10-2026
والسؤال الأهم ليس فقط ما إذا كان علاء مبارك يستطيع الترشح، بل ما إذا كان اسمه يمكن أن يتحول إلى مشروع سياسي واضح، يمتلك برنامجاً معلناً، وقاعدة تنظيمية، وقدرة على خوض منافسة انتخابية حقيقية. فهل سيكون طرحه، إن حدث، تعبيراً عن حنين لدى بعض المصريين إلى مرحلة سابقة، أو محاولة لتقديم بديل سياسي جديد؟ وهل يمكن لعائلة ارتبط اسمها بنظام أطاحت به ثورة شعبية أن تعود إلى الحكم عبر صندوق الانتخابات؟ حتى الآن، تظل هذه أسئلة مفتوحة لا إجابات محسومة عليها.
الأكاديمية العسكرية
بتاريخ 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، طرح الرئيس عبد الفتاح السيسي مقترحاً لتأهيل مرشحين محتملين لتولي مسؤولية الدولة، من خلال برنامج يمتد إلى 30 شهراً داخل الأكاديمية العسكرية المصرية، ويستهدف حملة الدكتوراه الذين تتراوح أعمارهم ما بين 40 و50 عاماً. كما تحدَّث عن إتاحة الفرصة أمام المواطنين للاختيار من بين مجموعة من المؤهلين، مع تكليف جهات رسمية وخبراء بإعداد إطار قانوني ينظم العملية.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تكمن المشكلة في نقص الكفاءات المدنية المؤهلة لإدارة الدولة، أو في محدودية المسارات السياسية، التي تتيح لهذه الكفاءات الظهور والتنافس والوصول إلى مواقع المسؤولية؟
فالحصول على الدكتوراه واجتياز برنامج دراسي في إدارة الدولة لا يكفيان وحدهما لاكتساب الخبرة السياسية، أو القدرة على بناء التوافقات المجتمعية، أو التعامل المباشِر مع مشكلات المواطنين. كذلك، لا يجيب تأهيل المرشحين، في حد ذاته، على أسئلة تتعلق بمعايير اختيارهم، والجهة التي تحدد المقبولين، ومدى استقلال عملية الاختيار، والضمانات التي تكفل تكافؤ الفرص بينهم.
ويعيد المقترح الجديد إلى الأذهان دور الحزب الوطني المنحل، في اختيار وإعداد القيادات التي تولت مواقع المسؤولية في الدولة، وكذلك تجربة جمعية جيل المستقبل، التي أنشئت في عهد مبارك لتأهيل الكوادر الشابة. ويطرح هذا التشابه تساؤلات عن شأن مدى استفادة النظام الحالي من آليات إعداد النخب في عهد مبارك، وإعادة إنتاج بعض أنماطها، بما يقود إلى السؤال الأكثر جوهرية: هل يعكس هذا المقترح توجهاً حقيقياً لدى الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى إعداد مسار لتداول السلطة وترك منصب الرئاسة، أو أنه يندرج في إطار إعادة تنظيم آليات اختيار النخب وإعدادها داخل النظام القائم؟
هل يمكن أن تظل القوى المدنية أسيرة الأسماء، التي راكمت خبرتها السياسية على مدى عقود، أو أن انتخابات 2030 قد تتيح المجال، أمام جيل جديد من السياسيين القادرين على تقديم بدائل مختلفة؟ هكذا يبدو مشهد البدائل المدنية، وفق هذه القراءة، وكأنه لا يزال يدور في فلك الأسماء التي برزت في المجال العام منذ ثورة يناير 2011، أي قبل حوالي عقدين من الزمان بحلول انتخابات 2030، ما يعكس انحسار المجال العام وتراجع فرص التنافس السياسي.
في مصر نقول: "ملكيون أكثر من الملك"، ونقصد بها أولئك الذين يبالغون في النفاق للسلطة، ويقدمون من الولاء ما يتجاوز حتى ما قد تطلبه أو تنتظره من الموالين لها.
وفي الأيام الأخيرة، وعقب حديث الرئيس عن عدم نيته الترشح مجدداً ومغادرة السلطة بنهاية مدته الحالية، توالت الأصوات الإعلامية المطالبة باستمراره، والمروجة لشعبيته، بل ظهرت خطابات تؤكد ضرورة بقائه؛ لاستكمال ما بدأه من ملفات خلال سنوات حكمه، وفي مقدمتها ملف القروض الخارجية والاستدانة.
ويأتي ذلك على الرغم من أن انتهاء ولايته عام 2030 يتفق مع القواعد الدستورية القائمة، إذ تنص المادة 140 من الدستور على ألّا يتولى رئيس الجمهورية أكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين، مدة كل منهما ست سنوات، بعدما كانت مدة الرئاسة أربع سنوات قبل تعديل الدستور عام 2019، لتكون الفترة التي بدأت عام 2024 هي الثانية والأخيرة؛ وفقاً للنصوص الدستورية الحالية.
لكن في ظل تأزم الوضع الجيوسياسي، قد تفرض التطورات الإقليمية والدولية سيناريوهات جديدة لاستمرار الرئيس الحالي في السلطة، أو وصول خلف له عبر مرشح ذي خلفية عسكرية، في حال استمرار غياب بديل مدني واضح، قادر على المنافسة والوصول إلى الحكم، وهو أمر متوقع بسبب استمرار التضييق على المجال العام.
أمر محير حقاً. لكن جميع السيناريوهات تظل مطروحة، في ظل استمرار تجريف الحياة السياسية لأكثر من عقد من الزمان. وعلى السلطة أن تدرك أن استمرار تقييد المجال العام لن يؤدي إلاّ إلى مزيد من تعقيد الأوضاع وغياب البدائل...
- الدكتور صوفي أبو طالب، رئيس مجلس الشعب السابق، كان أول مدني تولى رئاسة الجمهورية مؤقتاً، عقب اغتيال الرئيس السادات، خلال الفترة من 6 إلى 14 تشرين الأول/ أكتوبر 1981. ↑






