ماذا الآن؟

وقعتْ إسرائيل في خانة المستعمِر، واهتزت بقوة "شرعيتها" المصنوعة بتوأدة. حدث ذلك بفعل مقدار منفلت تماماً من همجيتها في الميدان وصل إلى التسبب في الصدمة للناس، وكذلك بفعل التصريحات والخطب الإسرائيلية بالغة التوحش، وبفعل الأكاذيب المكشوفة. كما حدث بفعل صمود الناس إجمالاً في وجه آلة الحرب الساحقة – ولو رغماً عنهم، ولو تحدياً وحفاظاً على كرامتهم... ثمن الوصول الى هذا الانجاز مهول! ولكننا في بداية تاريخ جديد.
2024-03-15

نهلة الشهال

أستاذة وباحثة في علم الاجتماع السياسي، رئيسة تحرير "السفير العربي"


شارك
من النهر الى البحر، احمد الخالدي - فلسطين

المشهد المحيط بغزة مأساوي، إذ لا يزال الناس هناك يُقتلون بالقصف وبالتجويع وبالمرض، ويناشدون العالم أن يتّحذ مواقف ترفع عنهم الإبادة التي يتعرضون لها والظلم المريع الواقع عليهم. وفي الأثناء تطبق "هندسات" بشعة لاستغلال التجويع المتعمد، وذلك للعبث بالمجتمع الغزاوي، واستغلال الجوع والمرض والبرد لأغراض سياسية تتخيلها إسرائيل، ومنها افتراض أن الناس بعدما وصلت حالهم إلى هذا الدرك سيرضون بأي شيء مقابل لقمة خبز، وكان ينقص الإسرائيليين أن يطلبوا ممن ينال مساعدة أن يدلي بمعلومات أمنية! وهذه جريمة موصوفة تضاف إلى ما سبقها وارتُكِبَ خلال الخمسة الأشهر الماضية من هذه الحرب الهوجاء.

ولكن هذه إسرائيل وحليفتها وحاميتها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تفوقها كذباً ونفاقاً في التفجع على الضحايا المدنيين والمطالبة بالاطلاع على خطط حمايتهم "قبل الهجوم الأخير على رفح"! وكأن الناس أحجار "ليغو" ملونة، يرتبونها على أهوائهم، يزيلون ما يشاؤون منها، ويقترحون نقلها من مكان إلى آخر. وأما الأبشع في المشهد فهو مواقف السلطات العربية الحاكمة في الدول المحيطة بفلسطين، حيث يتداخل العجز الأصيل مع الفساد والتبعية والتخبط والتفكك والجبن.. وهي صفات "متجانسة" فيما بينها، تُنبئ بالكارثة المتحققة في سوريا والعراق وليبيا والسودان، أو تلك التي في طريقها إلى التحقق بسرعة مدهشة كما في مصر. وهكذا يجد الفلسطينيون أنهم وحدهم. وهم وحدهم بالفعل.

في الحسابات الباردة والعقلانية وحدها، يكون ما أقدمتْ عليه المقاومة الفلسطينية المسلحة في يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر، جنوناً. لأنه علاوة على الموقف المتعفِّن المحيط بها، فهناك عفن السلطة الفلسطينية نفسها المتمددة بكل أجهزتها أمام إسرائيل، مجنِّدة قواتها الخاصة في خدمتها، ومتواطئة معها استخباراتياً وفي جميع مناحي الحياة، ومنخورة بالفساد والتفاهة ولاجئة إلى قمع الفلسطينيين.

أما الأمر الأكثر خطورة في إدراك تلك الحسابات "الواقعية" كما يقال، فيتعلق بإسرائيل نفسها التي تغيّرت بنيتها وقواعد سلوكها واعتبارات هذا السلوك، وانتقلت - لأسباب متعددة، وكسيرورة  - إلى همجية متناسبة مع سيطرة حفنة من الأثرياء، أصحاب الشركات الخاصة، ومن المستوطنين على السلطة فيها، بحيث أن بن غفير مثلاً، الذي اعتُبر بمثابة مهرِّج في بداياته، صار وزيراً متنفِذاً، كما صار الطاقم الحاكم كله من أتباع ذلك الحاخام، مائير كاهانا، أو من أبناء مدرسته، بينما كانت الحركة التي أسسها – "كاخ" – مُدانة لدى الهيئات السياسية والقانونية الإسرائيلية في حينه، وممنوعة. ولعل حركة حماس قاست على ما جرى عام 2006، حين اختُطف الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليط الى غزة، ثم جرت مبادلته في 2011 بأكثر من ألف أسير فلسطيني (1027 أسير تحديداً) كما بقصص مماثلة في لبنان مثلاً، انتهت بتحرير سجناء مقابل جثث محتجزة لجنود اسرائيليين، علماً أن حجم الاختطاف الكبير لإسرائيليين في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ومنهم ضباط برتب عالية، وكذلك – وخصوصاً بالتأكيد – مواصفات العملية المدهشة، والتي هزت الكيان وألحقت به إهانة كبرى، تختلف نوعياً عن كل سابقاتها.

وصل الجنون في إسرائيل إلى تصريحات علنية لوزير حربها، رافعاً يده، معدِّداً بأصابعه أن "لا طعام ولا ماء ولا وقود ولا أدوية ولا ملاجئ" للفلسطينيين. وهم كلما اكتشفوا تناقص التأييد الذي طالما نعموا به، باعتبارهم ضحايا الهولوكوست الأوروبي (وليس فحسب ضحايا آخر فصوله، النازي الألماني)، ووقوف الهيئات الدولية ضدهم بدرجات من الوضوح أو الاستحياء - لا فرق - كلما أمعنوا، في قطيعة هي الأخرى مع العالم، توحي بالنهايات.

فما الذي حدث؟

لقد كان الوضع العام الفلسطيني، وذاك الغزواي بوجهٍ خاص، قبل 7 تشرين الأول/ أكتوبر، لا يطاق، ولم يكن في الأفق ما كان يوحي بأنه قابل للتحسن. وكان لا بد من تحريك المستنقع الآسن. ولعل حركة حماس لم تدرك مقدار التوحش الذي سيكون عليه رد إسرائيل على خطوتها، ولعلها في سياق ذلك، تناست أنها مكروهة لدى الرأي العام العالمي الممهور، علاوة على كل اعتبار، بالإسلاموفوبيا وبعقلية استعمارية مريضة، بل تناست أنها، بوصفها جزءاً من حركة الإخوان المسلمين، موضع تحفظ إجمالاً في المحيط العربي نفسه.

لذا كله، جاءت ردة الفعل العالمية الأولى مستهجِنة ومستعدة لتصديق الرواية الإسرائيلية بكل حذافيرها، ولو أن هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر أثلج الصدور في الوسط العربي المحيط ، المعجون باليأس وبالهزائم..

تغيّر ذلك كله بعد وقت قصير نسبياً، مقارنة بالمدى الطويل الذي احتلته تلك الحرب ولا تزال، بفعل مقدار منفلت من الهمجية في الميدان وصل إلى التسبب في الصدمة للناس، وكذلك بفعل التصريحات والخطب الإسرائيلية بالغة التوحش، وبفعل الأكاذيب التي تجاوزت العقل وانكشفت، فاضطرت وسائل الإعلام العالمية كلها، وإنْ بدرجات وعلى مضض، إلى الإقرار بأنها مفبرَكة. كما تغير الموقف العام الطاغي بفعل صمود الناس إجمالاً في وجه آلة الحرب الساحقة – ولو رغماً عنهم، ولو تحدياً وحفاظاً على كرامتهم – وكذلك بفعل القدرات القتالية البطولية للمقاومة المسلحة التي انتزعت الاحترام. فبدأت تُستعاد المقولات التي تؤكد أن حركات التحرر الوطني في كل مكان لطالما لجأت إلى العنف والسلاح في مواجهة عنف وسلاح المستعمِر! ثم صارت المقولة الشائعة تتبنى أن ذلك حقُ لها! وأن ما يجري هو إبادة تُعلِن عن نفسها بلا مواربة. وتعاظمت المظاهرات حتى صارت مليونية في لندن ونيويورك وشيكاغو، وشملت أوساط واسعة، كانت بعيدة تماماً عن تأييد فلسطين...

____________
ملف خاص
إلى غزة وأهلها
____________

وهكذا وقعت إسرائيل في خانة المستعمِر، واهتزت بقوة "شرعيتها" المصنوعة بتوأدة! كما ساعد في اتضاح هذه الصورة أن أعداداً متزايدة من المؤرِخين والكتاب والصحافيين والفنانين اليهود، سواء أكانوا إسرائيليين أو من جنسيات شتى، تبرؤا من إسرائيل و"شرحوا" للناس بكل اللغات أنهم يناهضون ما يجري ويدينونه، وأنها حرب إبادة تُخجلهم وتُخيفهم بسبب نتائجها الكارثية عليهم هم أنفسهم.

كما تحركت جهات رسمية وشعوب كانت مضطهَدة وعانت من الاستعمار ومن التمييز العنصري، أبرزها جنوب أفريقيا وبعض الدول الأمريكية الجنوبية والأفريقية، التي وجدت أن القضية الفلسطينية تشبه ما عاشته هي نفسها. وإعلان هذا التوازي لم يكن عرضياً أو عابراً بل أحدث تأثيراً عالمياً قوياً في ما يمكن تسميته انزياح الضمير عن قناعات بدت راسخة، وتبنيه للقضية الفلسطينية كرمز أممي. وكان الرفض الأمريكي والبريطاني المتكرر (وقد بدأ أوروبياً ثم انحسر إلى هذين) لوقف إطلاق النار واستخداماته المتلاحقة لحق النقض (الفيتو)، بينما قُتل 30 ألف إنسان من غزة، 70 في المئة منهم أطفالٌ ونساء - تتويجاً لسيادة شبح الوحشية التامة على العالم. وحين تصفِّق القاعة بحماس في "هوليوود" نفسها (!) أثناء الإعلان عن جوائز الأوسكار منذ أيام، لخطاب المخرج اليهودي البريطاني جوناثان غليزر، الذي قال إنه "جرى اختطاف الديانة اليهودية من قبل إسرائيل"، وإنه يرفض ما يُرتكب باسم اليهودية ويعلن تبرؤه من ذلك، فهذا مقياس واقعي للانزياح الذي حدث.

وتلك إيقاعات أخرى عما عناه للعرب بشكل عام الصمود والنفس الطويل والخطاب الهادئ والمتحدي في آن، والتنظيم المتقدم والبطولات التي تكشّفت في غزة.. فاستعادوا على الرغم من الشعور بالعجز عن المساندة الفعلية، شيئاً من الاعتزاز بالنفس الذي كانوا قد فقدوه، وصارت الأصوات المشكِّكة والنقدية خفيضة وتبدو مشبوهة أو في أحسن الأحوال متحذلِقة.

الثمن الذي دُفع مقابل الوصول إلى ذلك التغيير مهول حقاً، يدمي القلوب ويقطع الأنفاس. وستدور معارك أخرى على كل الصعد، ومنها ما هو مكلف بشرياً... ولكن في "العام الأول بعد غزة" كُتِبتْ الأحرف الأولى – فحسب، حتى لا نخطئ التقدير - لسياق الانتهاء من احتلال فلسطين. وحدث ذلك كونياً، باعتبار فلسطين نفسها صارت رمزاً ساطعاً كقضية تحرر وطني... وألحق بالتجربة الإسرائيلية عارٌ أبدي لا يمكن محوه ولا التعايش معه، وسيدفع إلى مراجعات كثيرة لتاريخ هذه الحقبة.

نحن في بداية تاريخ جديد!

مقالات من فلسطين

حرب فلسطين ونكبتها: كتابات عربية

2024-05-16

بالتزامن مع المعارك وخلال الأشهر التي تبعتها، بدأت المحابر العربية تدوّن الأدبيات الأولى عن حرب العام 1948 ومساراتها ونتائجها المستقبلية.

خرّيجون من أجل فلسطين: افتتاح يوم جديد

2024-05-16

يسمّي الأميركيون مراسم تخرج الطلاب بحفلات "الافتتاح" (“commencement ceremony”)، للدلالة على أنّها بداية لمرحلة جديدة لهؤلاء الأفراد ولمجتمعاتٍ سيتحركون فيها مستقبلاً... لتكن هذه مراسم "افتتاح" يوم جديد إذاً، لمرحلة يصنعها...

للكاتب نفسه

غزة التي تدهشنا

... كأن هذه ال364 كيلو متراً مربعاً هي العالم كله، الكرة الأرضية بكل تنوعها. وكأن غزة ليست مختنِقة ما بين جدران الاحتلال الإسرائيلي وبين قسوة الممنوعات المصرية والبحر الجميل المصادَر!...