سوريا والتغير المناخي: التطنيش سيّد اﻷحكام!

لا يقف التعاطي السوري مع الجانب الدولي في مشكلة التغيّر المناخي عند رمي المسؤولية على اﻵخرين واستجداء المساعدات والتمويل بغياب الخطط الوطنية اللازمة للمواجهة، بل يضاف إليها عدم العدالة في التعاطي مع آثار ونتائج التغير المناخي على مستوى البلاد، عبر إعطاء بعض المناطق أولوية على حساب بعضها اﻵخر. وفي الحالين، فإنّ التعامل مع القضية يأتي من منطق الطوارئ لا من منطق المواجهة والاستدامة.
2022-11-30

كمال شاهين

كاتب من سوريا


شارك
| en
غسان غائب - العراق

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

على الرغم من أن تغيّرات المناخ وآثارها قد باتت أمراً واقعاً، فإنّ أحداً في سوريا لم يأخذ حتى اﻵن القضية المناخية على محمل الجدية المطلوبة. ويصح هذا على جميع سلطات البلاد الحالية، التي ترى القضية كحملٍ زائدٍ وسط الأوضاع المؤلمة في غالبيتها، ودون ملاحظة أو ربط التغيّر المناخي مع القضايا اﻷخرى، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية واﻹنسانية.
في العام 2021، زادت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في سوريا بمقدار 1.01 ميغا طن، أي بأكثر من 4.06 في المئة مقارنة بالعام 2020، وتحتل سوريا حالياً المرتبة 108 /184 في ترتيب الدول لانبعاثات الكربون مصنّفةً من الأقل إلى الأكثر تلوثاً.

دورات مناخية جديدة في شرق البحر المتوسط تعلن عن حضورها القاسي، عبر تأخر اﻷمطار وعبر الموجات الغبارية الحادّة، مترافقةً مع تلوث كبير بسموم مختلف أنواع القذائف على مر سنوات الصراع السوري، نلحظه في ارتفاع نسبة أمراض السرطانات في البلاد.

حتى اﻵن لم تعلِن دمشق أو سلطات اﻷمر الواقع اﻷخرى ماذا ستفعل إذا تواصل انحسار مياه نهر الفرات بفعل السدود والسياسات التركية، أو ما هي خططها لتخفيف تلوث اﻷنهار السورية بالصرف الصحي، وما هي تصوراتها المستقبلية لما يجري من خروج مساحات جغرافية واسعة عن الخدمة الزراعية وتضاؤل كميات إنتاج القمح والقطن والخضروات، والتصحر المتزايد بفعل التغيّر المناخي والسياسات الفاشلة، وكيف ستؤمّن مياه الشرب لأكثر من نصف سكان سوريا الذين لا يتمكنون من الوصول إلى موارد مياه نظيفة.

سياسات الحكومة السورية تجاه التغير المناخي

حتى قبل 2011 بكثير وبدء الحراك، تجاهلت الحكومة السورية احتياجات السكان مبررةً عدم تلبيتها بأسباب "خارجية" دائماً. فقد أعادت غالبية المناطق، خاصة العشوائية منها، إلى عصر ما قبل الكهرباء والماء. ثم وبعد ذلك، وعلى الرغم من عدم تدمير العديد من المدن والقرى، إلا أنها دفعت ثمناً مشابهاً للمناطق المدمرة تجلّى في حرمانها من الطاقة والوقود. في العام 2022، وقبل قدوم الشتاء، خفّضت الحكومة حصص الناس من وقود التدفئة (المازوت) من مائتي ليتر إلى خمسين ليتراً دون أن تعلن عن ذلك رسمياً. وفي العام 2021 حُرمت مناطق كثيرة من حصة الخمسين ليتر نفسها، من بينها مناطق في ريف دمشق والقدموس والسويداء. أجبر هذا الأمر الكثير من السوريين على العودة إلى عاداتهم القديمة في الطبخ والغسيل والتدفئة، ودفَعهم لاحتطاب اﻷشجار الباقية في الحدائق والشوارع، فيما تكفّلت مافيات البلد الكثيرة بتدمير ما تبقى من غابات وبيع خشبها وقوداً للتدفئة، حيث وصل سعر طن الحطب إلى 900 ألف ليرة (200 دولار تقريباً) مطلع الشتاء الحالي، ومصدر هذه الأحطاب هو الاعتداء على المواقع الحراجية وأشجار أرصفة المدن.

مقالات ذات صلة

في تعاملها مع الأزمات البيئية الطارئة، كان النموذج اﻷوضح أزمة تسرب الفيول من أحد خزانات محطة بانياس الحرارية الواقعة على شاطئ البحر، في حزيران/يونيو 2022، بكمية لا تقل عن 15 ألف برميل، ملوّثةً الشاطئ والبحر بعمق مئات اﻷمتار، حيث نفت الحكومة السورية رسمياً حدوث تسريب معتبرةً الصور والكلام حول الأمر "كلام فيسبوك لا صحة له". وبعد أن استفحل الوضع كثيراً وامتدت البقعة حتى "جبلة" و"اللاذقية" على الشاطئ السوري، وصولاً إلى جزيرة "قبرص"، تراجعت عن النفي، ولكنها استخدمت الطرق التقليدية في تنظيف الشريط الساحلي، تاركةً وراءها آلاف غالونات الفيول لتقضي على ما تبقى من اﻷحياء البحرية في الشاطئ الفقير بها أصلاً.
سياسات اﻹنكار الحكومية السورية، لا تنفي عمل بعض الجهات المحلية مثل وزارة البيئة ومديرية اﻷرصاد الجوية وهيئة الاستشعار عن بعد، لدراسة وتتبع مشكلة التغيّر المناخي، حيث يوجد بينها اتفاقيات ثنائية. كما أنّ هذه الجهات، وعلى الصعيد الدولي، تقوم بالتشبيك مع المنظمات والمؤسسات الدولية المعنية، فقد صادقت دمشق على "اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ" في العام 1995 كما وقّعت على "بروتوكول كيوتو" العام 2005، وعلى "اتفاقية باريس" 2015، وقدمت عدة تقارير وطنية للجهات الدولية، ولكنها تنفي مسؤوليتها وتقصيرها ضمن هذه التقارير.
في تشرين الثاني العام 2018، قدّمت الحكومة تقريرها المعنون "وثيقة (1) الممارسات المحددة وطنياً في إطار اتفاق باريس للمناخ"، ملقيةً اللوم على تأخرها في الاستجابة للتحديات المناخية على ما سمّته "الحرب اﻹرهابية" التي "تركت أثرها على المناخ وعلى الجهود والموارد الوطنية المتاحة لمواجهة تداعيات آثار تغيّرات المناخ بأبعاده المختلفة".

حتى قبل 2011 بكثير وقبل بدء الحراك، تجاهلت الحكومة السورية احتياجات السكان مبررةً عدم تلبيتها بأسباب "خارجية" دائماً. فقد أعادت غالبية المناطق، خاصة العشوائية منها، إلى عصر ما قبل الكهرباء والماء. ثم وبعد ذلك، وعلى الرغم من عدم تدمير العديد من المدن والقرى، إلا أنها دفعت ثمناً مشابهاً للمناطق المدمرة تجلّى في حرمانها من الطاقة والوقود.

يشير التقرير إلى عدة ممارسات قامت بها فعلاً جهات مختلفة تركت أثرها على البيئة السورية، ومنها عمليات ما يسمّى "التحالف الدولي"، كما يذكر ظواهر محلية لا علاقة للسياسات العالمية بها، مثل احتطاب الغابات وتصحر اﻷراضي، ولكنه يجيّرها بشكل متكرر إلى "السياسات والعقوبات الدولية" التي أدت إلى ابتعاد الدولة السورية عن نهج "الاستدامة"، وأنّ السبب اﻷساسي هو "سياسات العالم المتقدم" في تجاهل واضح لدور الحكومة في عدم الاستجابة لهذه التحديات على مدار السنوات السابقة واللاحقة للحرب في سوريا.

ينفي التقرير أيضاً المساهمة السورية في ظاهرة التغير المناخي حاصراً إياها في جزئية واحدة من هذه الظاهرة المتعددة الجوانب، وهي انبعاث غازات الاحتباس الحراري، ويشير إلى إجمالي كمية الانبعاثات السورية (79.09 ميغا طن من ثاني اوكسيد الكربون). هذا الرقم يزيد بكثير عن المسموح في الأرقام الدولية والمحدد ب 25 ميغا طن، يساهم فيها قطاع الطاقة السوري بنسبة 73 في المئة ناتجة عن استخدام الفيول والغاز في إنتاج الكهرباء، دون وجود استراتيجية وطنية متكاملة للانتقال إلى الطاقات البديلة، حيث إنّ خطة الحكومة المستقبلية حتى العام 2030 "هي الوصول إلى نسبة 10 في المئة من استخدام الطاقات البديلة بشرط توفر دعم حقيقي من المانحين الدوليين لتنفيذ المشاريع في مجال الطاقة البديلة" وفق "وثيقة المحددات الوطنية" المذكورة أعلاه.

غياب العدالة الحكومية في التعاطي مع التغيرات المناخية

لا يقف التعاطي السوري مع الجانب الدولي في مشكلة التغيّر المناخي عند رمي المسؤولية على اﻵخرين واستجداء المساعدات والتمويل بغياب الخطط الوطنية اللازمة للمواجهة، بل يضاف إليها عدم العدالة في التعاطي مع آثار ونتائج التغير المناخي على مستوى البلاد عبر إعطاء بعض المناطق أولوية على حساب بعضها اﻵخر. وفي الحالين، فإنّ التعامل مع القضية يأتي من منطق الطوارئ لا من منطق المواجهة والاستدامة.
كمثال، وعدت دمشق ضحايا حرائق الساحل في العامين 2020 - 2021 وعددهم التقريبي 140 ألف شخص، بأنها "ستتحمل العبء المالي الأكبر في مساعدة الضحايا" وفق تصريح للرئيس السوري بشار الأسد. ولكنها فعلياً قدمت تعويضات مالية وعينيّة هزيلة، قياساً بعدد المتضررين وحجم أضرار الحرائق، إضافة إلى كونه دعماً سطحياً دون أثر حقيقي، فهو استجابة سريعة للضرر وليس إعادة تأهيل أو تنمية جديدة لهذه القرى والبلدات. وقد كشفت حرائق غابات الساحل، من جانب آخر، عن تناقص قدرة الدولة السورية على توفير قوى وأدوات الدفاع المدني اللازم لمكافحة حرائق الغابات.
في 15 تشرين الأول 2021، أعلن محافظ اللاذقية عن منحة حكومية بقيمة 1.53 مليار ليرة سورية (660 ألف دولار وفق السعر الحكومي 2400 ل.س) للقرى المتضررة من الحرائق في اللاذقية، حصة كل قرية منها عشرة ملايين ل.س (4300 دولار)، مع تخصيص مبلغ 500 مليون ل. س (215 ألف دولار) على شكل قروض دون فوائد للمزارعين لتعويض ما فقدوه من أشجار ومواشي وأراضي.
تبعاً للأرقام السابقة، فإن حصة الفرد من التعويضات في قرية عدد سكانها مئة نسمة، لا تتجاوز المئة ألف ليرة، أي عشرين دولاراً، وهي لا تعادل ثمن ثمار شجرة زيتون واحدة، كما أنّ جزءاً كبيراً من التعويضات صرف على مواسم الأشجار المثمرة لمرة واحدة فقط، إضافة إلى أنّ الفساد طبع عملية توزيع التعويضات.
أما في الحسكة، كما في الجنوب السوري، فقد التهمت الحرائق الكبيرة مواسم القمح في العام 2021 ولم يكن هناك استجابة حكومية لاستغاثات مزارعي القمح هناك، ولم يتم تعويضهم على الرغم من مئات طلبات المساعدة التي قُدِّمت للمحافظ واتحاد الفلاحين، في حين تُرِك مربو اﻷغنام لمواجهة مصيرهم مع موجات الجفاف التي ضربت البادية السورية خلال الفترة نفسها.

سياسات القوى السورية اﻷخرى

ليست الحكومة السورية وحدها من يطنّش عن سلسلة إجراءات كان يجب القيام بها في أزمنة ما قبل الحرب وحتى خلالها. تخلو اشتغالات سلطات شمال وشرق سوريا، وسلطات ما يسمّى "الحكومة المؤقتة" في غرب شمال حلب، من الاهتمام بقضية التغيّر المناخي، وبضمنها البيئة ونهج الاستدامة أو غيرها من المتعلقات الواجبة مثل مسألة استدامة المياه وتدوير النفايات الصلبة وتشجير مناطق غابية محترقة أو جديدة، والأهم، إيقاف عمليات استخراج النفط البدائية في مناطق الرقة ودير الزور التي تلوث البيئة وتؤذي الناس بطريقة كبيرة، أو إيقاف عمليات قطع اﻷشجار في مناطق ريف إدلب.

في مناطق الجزيرة لا يشكل الجفاف والتصحر أولوية لدى سلطات اﻹدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، إضافةً لغياب التخطيط من أجل مجابهة أثر التصحر والجفاف، في وقت تتصاعد فيه أزمات من نوع أشد وأكثر خطورة، على رأسها أزمة شح مياه الشرب وعدم توافرها الكافي.
في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، أشار تقرير صادر عن مجلس اﻷمن الدولي (2) إلى أنّ "سكان مناطق الجزيرة السورية غير قادرين على الوصول بشكل صحي وآمن إلى إمدادات كافية من المياه الصالحة للشرب، لأسباب بيئية جراء ظروف فرضها الصراع الطويل". ووفقاً لخطة عمل الأمم المتحدة (3) المعلنة في 9 أيلول / سبتمبر 2021 لمعالجة أزمة المياه السورية، فإنّ 5.5 مليون سوري أضحوا بحاجة إلى إمدادات المياه الحيوية بعد تناقص مستويات نهر الفرات منذ كانون الثاني/ يناير 2021 حيث إنّ قلة المياه المتدفقة من المنبع في تركيا، إضافة إلى قلة الأمطار وارتفاع معدل درجات الحرارة، أدت إلى خلق ظروف شبيهة بالجفاف في منطقة الجزيرة.

خطورة الوضع في منطقة الجزيرة السورية تعزى بشكل كبير إلى تأثير المناخ، وإلى السياسات التركية ضد السكان واستخدام المياه كورقة سياسية ضد "اﻹدارة الذاتية"، إلا أنّ هذا لا ينفي وجود مسؤولية مباشرة تقع على عاتق السلطات هناك في تجاهلها واقع التغيرات التي طرأت على المنطقة خلال سنوات من الاستنزاف للموارد المتعددة، بدءاً من ظاهرة تملّح التربة وتصحر مساحات واسعة من اﻷراضي، دون معالجة حقيقية لهذه الظواهر واعتماد سياسات التجاهل واللامبالاة.
وبالإضافة للعوامل المناخية التي عجلت بأزمة المياه، تضاءل وصول المدنيين إلى المياه بسبب انخفاض القدرة التشغيلية لأنظمة إمدادات المياه. يشير تقرير (4)  "مشروع Cascades" اﻷوروبي الذي صدر في كانون الثاني/يناير 2022 ويُعنى بتأثيرات الهجرة إلى أوروبا، إلى أنّ نسبة وصول السوريين في مناطق الجزيرة لمصادر مياه الشرب لا تتجاوز 50 في المئة منهم، حيث أدّى الإغلاق المتكرر لمحطة مياه "علوك" (في الحسكة) إلى منع وصول الماء إلى حوالي نصف مليون شخص في الحسكة والمنطقة المحيطة بها. وقد حدثت مشاكل مماثلة مع محطة مياه "الخنفسة"، التي تزود حلب بالمياه القادمة من نهر الفرات، وينطبق الأمر على محطة ضخ مياه "عين البيضا" التي تزود حوالي مئتي ألف شخص من الرقة بالمياه.
ومع هذا الضعف، تسببت الأعمال العسكرية في تدمير جزء كبير من أنظمة الصرف الصحي وتوقف تشغيل محطات معالجتها، وتسرب محتوياتها باتجاه الأراضي الزراعية. وتفيد معلومات مصدرها من أجهزة "اﻹدارة الذاتية" إلى أنّ أكثر من ثلثي محطات معالجة مياه الصرف الصحي لا تعمل أو تعمل بقدرات ضعيفة، في حين لا تُبلور السلطات هناك خططاً لمعالجة هذا الضعف أو بناء محطات جديدة، حاصرةً اهتمامها في قضايا من قبيل تزيين الشوارع.

أجبر انقطاع الغاز والمازوت الكثير من السوريين على العودة إلى عاداتهم القديمة في الطبخ والغسيل والتدفئة، ودفَعهم لاحتطاب اﻷشجار الباقية في الحدائق والشوارع، فيما تكفّلت مافيات البلد الكثيرة بتدمير ما تبقى من غابات وبيع خشبها وقوداً للتدفئة، حيث وصل سعر طن الحطب إلى 900 ألف ليرة (200 دولار تقريباً) مطلع الشتاء الحالي.

في الحسكة كما في الجنوب السوري التهمت الحرائق الكبيرة مواسم القمح في العام 2021، ولم يكن هناك استجابة حكومية لاستغاثات مزارعي القمح هناك، ولم يتم تعويضهم على الرغم من مئات طلبات المساعدة التي قُدمت للمحافظ واتحاد الفلاحين، في حين تُرِك مربو اﻷغنام لمواجهة مصيرهم مع موجات الجفاف التي ضربت البادية السورية خلال الفترة نفسها. 

في منطقة إدلب وشمال وغرب حلب حيث تسيطر الجماعات التابعة لتركيا مدنياً وعسكرياً، لا تبشر الأوضاع بالخير، حيث تتراجع أهمية قضية التغيّر المناخي لصالح الصراعات العسكرية والمدنية بين شركاء "ثورة" الأمس، ويستمر قطع اﻷشجار في منطقة "عفرين" لصالح بناء وحدات سكنية في المنطقة الوحيدة التي تحتوي بقية غابة على مساحة لا تتجاوز بضع كيلومترات، بموافقة من "الحكومة المؤقتة" ودعم منها، في وقتٍ يستمر فيه قطع أشجار بقية مناطق "جبل الزاوية" أمام أعين السلطات هناك. ومع ضعف هطول اﻷمطار، وتواتر شدة حالات الجفاف، وارتفاع درجات الحرارة، يعزف الناس عن الزراعة في منطقة كانت تسمى عند السوريين "إدلب الخضراء"، ويتصاعد الاعتماد على المنتجات التركية بما فيها مياه الشرب المعبأة.
من العوامل التي لعبت دوراً أساسياً في استنزاف الموارد المحلية، ضعف الحوكمة اﻹدارية والتخطيط المحلي في مناطق الجزيرة وإدلب وغرب وشمال حلب، وخاصة إدارة المياه، واعتماد أساليب الري التقليدية التي تهدر كميات كبيرة من المياه، في حين أنّ السلطات القائمة لا تولي الموضوع الاهتمام المطلوب.

المجتمع المدني السوري وجهوده المتعثرة

بشكل مكثّف، يواجه المجتمع المدني (واﻷهلي) السوري عدداً كبيراً من التحديات التي ترجع بأصلها للافتقار إلى الترخيص الرسمي والحماية، والى محاولات الاستقطاب السياسي من قبل القوى المسيطرة على اﻷرض. وهذا الوضع دفع هذه الجهات، على مدار عقد من اﻷزمة، إلى التركيز على قضايا اﻹغاثة والتنمية وتجاهل قضايا التغير المناخي غالباً. ويلاحظ أنّ توجهات منظمات المجتمع المدني السوري، هي نفسها توجهات الجهات الدولية المانحة التي لم تلتفت إلى قضايا التغير المناخي في الحالة السورية، وهو ما يتسبب في إرباك المنظمات وأولوياتها وطبيعة استجابتها للاحتياجات الحقيقية على الأرض.
حتى الآن لم تظهر منظمات مجتمعٍ مدنيٍ تختص بقضايا التغيّر المناخي في سوريا، ولكن هناك منظمات محلية عملت بالتشارك مع منظمات دولية على معالجة بعض آثاره اﻷكثر ظهوراً، مثل مشاكل المياه في مناطق تعرضت مواردها للضرر والدمار، كمناطق الجزيرة السورية وريف حلب، في حين أنّ تعليم الاستدامة والتنمية المناخية لم يدخل في سياسات هذه المنظمات. عملت بعض هذه المنظمات المحلية -وبدون تمويل خارجي غالباً- على تشجير مناطق حرائق الغابات أو القطع الجائر لها كما في الساحل السوري.

ليست الحكومة السورية وحدها من يطنّش عن سلسلة إجراءات كان يجب القيام بها في أزمنة ما قبل الحرب وحتى خلالها، حيث تخلو اشتغالات سلطات شمال وشرق سوريا، وسلطات ما يسمّى "الحكومة المؤقتة" في غرب شمال حلب، من الاهتمام بقضية التغيّر المناخي، ومن ضمنها البيئة ونهج الاستدامة.

في المناطق التي لا تقع ضمن سلطة دمشق، ليس هناك اهتمام بمسألة استدامة المياه وتدوير النفايات الصلبة وتشجير مناطق غابية محترقة أو جديدة، والأهم، إيقاف عمليات استخراج النفط البدائية في مناطق الرقة ودير الزور التي تلوث البيئة وتؤذي الناس بطريقة كبيرة، أو إيقاف عمليات قطع اﻷشجار في مناطق ريف إدلب. 

تعمل منظمات المجتمع المدني في مناطق سلطة دمشق في ظل المنظمات المرخصة رسمياً مثل "اﻷمانة السورية للتنمية". وبكل الأحوال، فإنّ الموضوع المناخي غائب عنها.
توضح قراءة أوّلية أنّ ما يقرب من ألف من "منظمات المجتمع المدني" في عموم سوريا فشلت في فرض إيلاء القضية المناخية أيّ أهمية وازنة. وبينما يتعامل معها المجتمع بحذر، وفي ظل عدم تطابق اﻷولويات المجتمعية مع خطط عمل هذه المنظمات، أدى هذا الإخفاق الى ترسيخ جمعيات المجتمع الأهلي القديمة ودعم البنى التقليدية القائمة التي لا تولي للاستدامة ولا لقضايا المناخ أي أهمية. ويتطلب تغيير وضعية منظمات المجتمع المدني السورية تغييراً استراتيجياً في طريقة دعمها، والانتقال من نهج قصير الأمد يدعم مشاريع منفردة، إلى نهج طويل الأمد يهتم بالواقع ويقوم على شراكات تنمي قدرات المنظمات في القضايا المناخية.

صورة الغد السوري، اﻵن

إنّ التعامل مع الكوارث المناخية في سوريا يدخل بشكل مباشر ضمن المشهد السياسي السوري المعقّد، حيث تميل دمشق لتجاهل مشاكل المناطق الخارجة عن سيطرتها. ومع أن مشاكل الجفاف تشمل الجميع فإنه ليس هناك أي نوع من التنسيق والعمل المشترك بين اﻷفرقاء السوريين بشأن المناخ. وتؤثر هذه الحالة على البحث عن حلول سورية وطنية لمشاكل التغيّر المناخي الذي لا يشتغل وفق خطوط الانتماءات السياسية، بل يشمل الجميع.
تدفع غالبية السياسات السابقة، بالسوريين ـ المقيمين والمهّجرين ـ إلى التفكير بالهجرة من مناطقهم باتجاه أوروبا أو مناطق أكثر استقراراً، حيث أدت سنوات عديدة من فشل المحاصيل إلى الهجرة الجماعية باتجاه المناطق الحضرية، وأدت البطالة وسوء الإدارة والعديد من الضغوطات الأخرى إلى اضطرابات مختلفة (بعضها ترتبت عليه نتائج كبرى كما حصل العام 2011)، وهي مهددة بالتصاعد مرة جديدة. وحالياً، نشهد بوادر هجرة مكثفة من مناطق التصحر والجفاف إلى مناطق لا تقدّم هي الأخرى سبل حياة كريمة، حيث يعيش الواصلون إليها في أحياء العشوائيات والكل ينتظر أدنى فرصة للخروج من هذا الجحيم.
في السنوات الأخيرة، منذ اندلاع الحرب الأهلية، أدّى تدمير جزء كبير من البنية التحتية والحد الأدنى من الحوكمة، وتراجع القطاع الزراعي القوي تاريخياً، إلى جعل سوريا أكثر عرضة من أي وقت مضى للصدمات المستقبلية، ومنها تلك المتأثرة بالمناخ. وأصبحت الظروف اللازمة للدخول في إدارة أكثر استدامة أقل حضوراً. ونتيجة لذلك، تتضاءل إمكانيات التخفيف من المخاطر المناخية المتزايدة، وهذا يعني أيضاً أنّ تقلّب المناخ سيلعب دوراً أكبر في رسم مخرجات الصراع في قادم الوقت.

يواجه المجتمع المدني واﻷهلي السوري عدداً كبيراً من التحديات التي ترجع للافتقار إلى الترخيص الرسمي والحماية، ومحاولات الاستقطاب السياسي من قبل مختلف القوى المسيطرة على اﻷرض. وقد أدى هذا الوضع إلى التركيز على قضايا اﻹغاثة والتنمية وتجاهل قضايا التغير المناخي غالباً. كما أنّ توجهات منظمات المجتمع المدني، هي نفسها توجهات الجهات الدولية المانحة التي لم تلتفت إلى قضايا التغير المناخي.

إنّ المعطيات السابقة جميعها، إضافةً إلى تصاعد الجوع والعطش ومحاولات الفرار من البلاد بكل السبل المتاحة، بما فيها الانتحارية منها - وبملاحظة أنّ العالم كله يعيش في هذه الحقبة تدافعاً وحروباً في الطاقة والغذاء، وتغيرات مناخية حاسمة تتمثل في ارتفاع درجات الحرارة بما يقترب من حد الخطر الفعلي - تجعل الحرب السورية العبثية منذ عشر سنوات وأكثر، لا تكتفي بترك أثرها عليهم فقط، بل ستكون أكثر فتكاً بأجيال المستقبل. 

محتوى هذه المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

______________________

1-https://bit.ly/3XYLVEn
2- بتاريخ 21 تشرين الاول/اكتوبر 2021 وهو pdf ورابطه: https://bit.ly/3CwaqOe
3-https://bit.ly/3R8cFzY
4-https://bit.ly/3jcTEQn

مقالات من سوريا

سوريا: ذلك العفو الرئاسي!

داوود فرج 2022-07-25

انتهى العفو الرئاسي السوري عن معتقلين، والذي صدر منذ شهرين، بخروج بضع عشرات من المعتَقَلات، وهم نقطة في بحر الأعداد الفعلية للمعتقلين. وعلى ذلك فهو في شكله العام جنائيٌ لا...

للكاتب نفسه

سوريا: هل من ناجٍ أخير؟

كمال شاهين 2022-09-22

لم تقف الظواهر المناخية في سوريا عند العواصف والأمطار في غير وقتها وزخمها المعتادين، ووصول أمواج البحر المتدافعة إلى منشآت قريبة من الشواطئ للمرة اﻷولى حسب حديث السكان، بل تعدتها...