إعداد وتحرير: صباح جلّول
في أيار/مايو الماضي، تداولت مواقع إلكترونية صوراً لمنزل الكاتب والعلّامة اللغوي السوداني عبد الله الطيب المجذوب[1]، في حيّ بري في العاصمة السودانية الخرطوم، وهو في حالة خرابٍ كبير، مدمّراً بفعل الحرب وجولاتها. جاء في الأخبار أن مكتبة الطيّب الثقافية النادرة ومقتنياته الأدبية التي حواها منزله مفقودة بمعظمها، بدون دليل على موقعها وما حدث لها، وأغلب الظنّ أن تكون منهوبة أو تحت الركام..
توفي عبد الله الطيب عام 2003، ولم يرَ ما آلت إليه بلده السودان ولا ما جرى على بيته الذي كان أشبه بمتحفٍ فني فريد، لكنّ السودانيين المهتمين بالثقافة نعوا المكتبة بحزن، واعين إلى أنها لم تكن الضحية الأولى ولن تكون الأخيرة لحرب لا ترأف بالبشر من بني البلاد حتى تُولي أي اهتمامٍ بالإرث الثقافي والتاريخي وحمايته.
"سودان، يا غالي".. هتافات قطعها أزيز الرصاص
04-12-2025
في حادثةٍ منفصلة، تعرّض المخزن الرئيسي للكتب في "الدار السودانية للكتب" لعملية سرقة وتخريب في تموز/يوليو 2025، في ظلّ الفوضى الأمنية المستشرية في المدينة، وسُرقت منه كتب نادرة وأخرى معدّة للتسليم. وقبل ذلك، في عام 2023، انتشرت إشاعة بأن الدار احترقت بالكامل على يد قوات الدعم السريع، ليتضح لاحقاً أن الحريق أصاب المبنى الملاصق لها. أمّا متحف "بيت الخليفة" وسط مدينة مدينة أم درمان، فلم يسلَم، وفي السنة نفسها، طالته القذائف والنيران، وتطايرت مقتنياته الثمينة وسُرقت مخطوطاته، ليتمّ اكتشاف بعضها يُباع عبر الحدود.


ما ذُكر سالفاً لا يعدو كونه أمثلة قليلة عن نوع المخاطر الهائلة والمتعددة التي تحيط من كلّ حدبٍ وصوبٍ بالوثائق والإرث الثقافي والفني والتاريخي في السودان بمختلف مناطقه، وفي مناطق أخرى حول العالم تشهد حروباً تنزع الحماية عن الإنسان والبناء والتراث، وكلّ ما ينبغي أن تكون حمايته بديهية. غزّة بالطبع مثالٌ متطرف عن ذلك، وقد وصل فيها الأمر إلى مرحلة "الإبادة الثقافية" (وهي قصْدية، لا عرَضية)، التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي كجزءٍ من إبادة الحياة عامّةً. فيعود السؤال الملحّ: ماذا يمكن العمل في مواجهة كارثة محو ما لا يمكن استعادته؟
يكتسب مشروع "ذاكرة السودان" أهميته انطلاقاً من هنا..
ما هو مشروع "ذاكرة السودان"؟
"ذاكرة السودان" هو مشروع رقمنة (digitization) يعمل للحفاظ على التراث الثقافي والوثائقي السوداني، وحمايته وترويجه. بدأت فكرة المشروع بمبادرة من الجمعية السودانية لأرشفة المعرفة عام 2013، وفي عام 2018، بدأ العمل على الأرض في السودان، بعد حصول المشروع على دعم من جامعة "كينغز كوليدج" في لندن، وذلك بالتعاون مع مؤسسات أرشيفية وثقافية سودانية ساهمت في تجميع الوثائق (من صور فوتوغرافية، مجلات وصحف، مجموعات شخصية وعامة، منشورات، وغيرها)، منها الجمعية السودانية لأرشفة المعرفة ودار الوثائق القومية والمتحف القومي السوداني وأرشيف السينما السودانية.
في عام 2022، أُطلِقت المنصة الإلكترونية أمام الجمهور، لتتيح الوصول إلى مجموعاتها الرقمية، تحت عشرات التبويبات والمواضيع المتنوعة.
يذكُر موقع "ذاكرة السودان" أسباب تأسيس المشروع في هذه الفترة من الزمن: "تتعرض العديد من المجموعات المحفوظة في جميع أنحاء السودان للخطر بسبب الظروف الجوية القاسية وعدم التخزين المناسب والإهمال والصراع الدائر. مهمّة ذاكرة السودان هي المساعدة في الحفاظ على هذا التراث الفريد للأجيال الحالية والمستقبلية". أما في الكيفية، فيذكُر الموقع أنّ أكثر من 100 شخص من أعضاء الفريق عملوا "بلا كلل أو ملل من أجل رقمنة آلاف الصور والوثائق والأفلام".
يهتمّ المشروع بالاستمرارية، فالتوثيق ليس عملاً يُقام به مرة واحدة فينتهي، بل هو دائم، مستمر ومتراكم. لذلك، وكجزء من مشروع "ذاكرة السودان"، تمّ تدريب موظفين في المنظمات الشريكة والمجموعات الخاصة على المسح ووصف البيانات وإدارتها، حتى تكون القدرة على الرقمنة والحفظ وتحديث البيانات موجودة لدى جهات أكاديمية وثقافية مختلفة، ما يزيد من فرص إنقاذ الإرث التاريخي والثقافي في مواقع مختلفة ومن قبل فاعلين مختلفين.

على الموقع الإلكتروني، يمكن استكشاف مواد الأرشيف تحت تبويبات مختلفة تبعاً لثيمات محددة: الفلكلور والتاريخ القديم، الزراعة وتربية الأحياء المائية، الإعلانات، علم الآثار، الحيوانات، العمارة، الفن والتصميم، الإدارة الاستعمارية، الحياة اليومية، ثقافة، حِرَف، تمثيل ورقص، الأكل، الأسواق، الصحافة، العبودية، المرأة، الإثنوغرافيا والانتروبولوحيا، السياحة، وغيرها.




"ذاكرة السودان" واستخلاص منهجية لحفط التراث
بعد اندلاع الحرب في السودان في نيسان/أبريل 2023، وما رافقها من نهب وتدمير للمؤسسات الثقافية والمتاحف والمجموعات الأرشيفية، اكتسب مشروع "ذاكرة السودان" أهمية إضافية. وقد نجح في رقمنة نحو 148 ألف مادة ثقافية وتاريخية، تشمل صوراً ومخطوطات وأفلاماً وتسجيلات صوتية ومقتنيات متحفية، من عشرات المجموعات العامة والخاصة.
الحكامة شادن ونزفُ نساء السودان
18-05-2023
في أيلول/سبتمبر من العام الحالي، 2026، صدرت دراسة جديدة من جامعة "كينغز كوليدج"، تبحث، انطلاقاً من نموذج مشروع "ذاكرة السودان" ونجاحه في عمليات الرقمنة والتوثيق في كيفية حماية الأرشيفات والمجموعات الثقافية المعرّضة للخطر في كلّ مكان، خصوصاً في سياقات النزاعات المسلحة والحروب.
تستند الدراسة إلى مقابلات مع أشخاص شاركوا في مراحل المشروع المختلفة، لاستخلاص الدروس من التجربة. وتخلص الدراسة إلى توصيات تشدد على أهمية خمسة نقاط بالذات في أي عملٍ توثيقي رقمي لاحق:
- بناء القدرات المحلية: تدريب العاملين في الأرشيف والمتاحف، ونقل المعرفة إليهم بحيث تستمرّ عمليات الحفظ والأرشفة بعد انتهاء تمويل مشروع ما.
- الثقة وحقوق الملكيّة: بناء علاقات واضحة مع أصحاب المجموعات الخاصة والمؤسسات بشأن ملكية المواد وإتاحتها.
- اللامركزية والمرونة: تصميم عمليات الأرشفة بحيث يمكن نقلها وتكييفها مع ظروف الحرب، وعدم ربطها بموقع واحد أو مجموعة واحدة.
- توثيق الذاكرة الشفوية: عدم الاكتفاء برقمنة القطع والصور والوثائق، بل الانتقال إلى مرحلة تسجيل قصص الناس، والتعريف بالسياقات الإنسانية والاجتماعية المرتبِطة بها، التي تمنح هذه المواد معناها.
- اعتماد معايير واقعية: والمقصود بها إعطاء الأولوية لإنقاذ المواد وتوثيقها، بما تيسّر، حتى عندما لا تتوافر الإمكانات التقنية المثالية، وهو ما يسميه التقرير (“Good Enough” Digitization)، ويمكن تلخيصه بالقول: "عندما لا تتوفر الظروف للتوثيق بشكل ممتاز فلا بأس بالتوثيق بالحد الأدنى الذي يجعل من الوثيقة مفهومة ومقبولة"، خاصة في الظروف السياسية والأمنية الصعبة.
في مناطق الحروب، وفي حالة السودان بشكلٍ خاص، لا يقتصر خطر العنف على تدمير المتاحف والمباني التاريخية ونهبها، بل هو يمتد إلى تهديد الشواهد التي تحفظ إرث المجتمع وتاريخه الثقافي. تكتسب هذه المقاربة، والمنهجيات المرتبطة بها في مجال التوثيق، أهمية خاصة، لناحية تصميمها بشكلٍ يتيح حفظ أكبر عدد من المواد بفعالية أكبر، وتحت ضغوطات الظروف الصعبة.
في سياق الحروب، ومع تزايد التهديدات التي تواجه التراث الثقافي حول العالم (من الكوارث البيئية إلى حروب من صنع البشر)، توصي الدراسة بالنظر إلى الرقمنة "باعتبارها نظاماً مرناً للرعاية، متجذراً في السياق المحلي، وليس مجرد عمل تقني جامد". يبرز مشروع "ذاكرة السودان" كواحدٍ من المساحات التي تحاول أن تتيح الاستجابة السريعة والقابلة للتوسّع لحفظ التاريخ والتراث المعرَّبالف كلمة نهائي مع الانتباه الى الملاحظة بالاحمرض للاندثار، وربما لإلهام غيره من التجارب للقيام بالمثل.
_____________
*جميع حقوق الصور لمالكيها الأصليين. يستخدم "السفير العربي" الصور لأغراض تعريفية وغير تجارية حصراً. للاطلاع على المواد المؤرشفة، الرجاء زيارة موقع "ذاكرة السودان" على الرابط: https://www.sudanmemory.org/
- شغل البروفيسور عبد الله الطيب المجذوب منصب عميد كلية الآداب في جامعة الخرطوم، وترأس مجمع اللغة العربية في السودان، وكان عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة. ↑



