ثلاث سنوات.. أو ثلاثة دهور!

تبدّلَ كُلُّ شيءٍ في غزّة. كُلُّ ما يتخيّله العقل البشري وما لا يتخيّله. تحولت حياة الناس، في لحظة، من البيوت والشقق إلى الخيام، ومن الجدران إلى القماش، ومن الخصوصية إلى حياةٍ مكشوفة، ومن الاستقرار إلى انتظار دائم لنزوحٍ جديد. أما حياتهم الشخصية والاجتماعية، فتكسَّرت هي الأخرى، لكن بطريقة لا يُرى ركامها كما يُرى ركام البيوت. قالوا إن السنة والسنتين والثلاث لا وزن لها في عمر الشعوب. ربما. لكن بعض السنوات لا تُقاس بعدد أيامها، وهذه لم تكن ثلاث سنوات. كانت ثلاثة دهور.
2026-10-06

المقداد جميل مقداد

كاتب وباحث من غزة


شارك
النزوح من غزة

حلّ "أكتوبر" من جديد، الشهر الذي اختلف فيه كلُّ الناس. سمّوه الشهر الملعون، وسمّوه الشهر المُبارك. سمّوه شهرَ النكبة، وسمّوه شهرَ الانتصار. الشهر الذي فرِحَ الناس به، ونُكِبوا. أكتوبر، الشهر الذي حمل ذكرياتهم الأخيرة ولحظاتهم السعيدة القليلة، التي انتهت قبل أن ينتهي أسبوعه الأوّل، كأن الذاكرة توقّفت هناك، وأغلقت بابها عند الأيام الستّة تلك، وتركت ما بعدها للحَرب.

منذ السنة الأولى من الحرب، اعتاد الناسُ في غزّة، قبيل إحياء ذكرى الحرب، على أن يتذكّروا ما قبلها. وبالضرورة فإنّ الأيام الأخيرة قبل الكارثة هي أشدُّ ما سيتذكّره الناس، لأنّ باقي الأيام ستبقى، على الدوام، مرتبطةً بالحرب وتفاصيلها. وفي الأيام الأخيرة، نشر معظمنا وتداول ذكرياته ولحظاته الأخيرة في أكتوبر، قبل قدوم الحرب.

مقالات ذات صلة

يوم الخميس، الخامس من أكتوبر، قبل يومين من الحرب، جلستُ مع أصدقائي في جلسةٍ كان قرارها مُصادفةً. قررتُ بنفسي الذهاب إلى هذا المشوار، بعد نهاية يوم عملٍ طويل ختم أسبوعاً مُتعباً. اقترحتُ على أصدقائي، حين كُنّا نمشي مُغادِرين الدوام، وبعد أن قال بعضهم إنّه لا يعرف ماذا سيفعل، وقال آخرون إنهم يشعرون بالملل، الذهابَ إلى مقهى "الباقة" على شاطئ البحر، الذي لا يبعُد عن مكان العمل سوى خمس دقائق سيراً على الأقدام.

اتصلتُ بهيثم، صديقي الذي كُنّا نناديه دائماً "أبو النمر". كان يعمل في المكتب المُقابل لنا، وقُلتُ له إننا سنكون في المقهى بعد دقائق. جاء هيثم، وجلسنا ستة أشخاصٍ في المكان حتى الغروب. لم نكن نعرف أننا نجلس مع هيثم للمرة الأخيرة.

منذ صباح السابع من أكتوبر، فُقِد صديقنا هيثم عبد الواحد، المصوّر والصحافي، حين كان يؤدي عمله، في توثيق وتصوير اللحظات الأولى للحرب، قُرب معبر "إيرز" شمال قطاع غزّة.

في السادس من أكتوبر، قبل ساعاتٍ قليلة من اليوم الذي جاء باللعنة على غزّة، كنتُ في رفح، على شاطئ بحرها، آكلُ السمك. لم أعرف أنها ستتحوّل في الأسابيع والأشهر اللاحقة، إلى أحد أهم فصول المأساة التي أعيشُها أنا وعائلتي، وأنّ تلك المدينة ستبقى لاحقاً أشبه بالحُلم بالنسبة إلى أهلها، كما كانت غزّة بكاملها.

عدتُ تلك الليلة إلى مدينة غزّة. مشيتُ في شوارعها وذهبتُ إلى "مدينة اللحوم"، السوق المُفضّل لدي. مررتُ بالشارع المليء بالإضاءة والمُزدحم بالمحلات والمطاعم والمقاهي وأفراد شرطة المرور، الذين ينظّمون السَير عند أحد أشهر مفترقات المدينة، "أبو طلال"، الواصل إلى مستشفى الشفاء.

كل ذلك كان موجوداً. وهذه الجملة وحدها صارت ثقيلة اليوم.

بعد شهرٍ وقليل، غادرتُ إلى رفح نازحاً بشكلٍ قسري، تحت القصف، وبعد حصارٍ استمرَّ أياماً في بيتي مع عائلتي. وفيما كانت المدينة تستقبل مئات الآلاف من النازحين، كانت إسرائيل تُجهّز لمأساةٍ أُخرى فيها.

دُمِّر مستشفى الشفاء، الأشهر والأكبر في غزّة، وتعرّض لإبادةٍ ساحقة . مات الناس فيه وحُوصِروا، وأُعدم كثيرون وهم يُحاولون الهرب من شِراكه، بينما اعتُقل المئات داخله، وتحوّلت ساحاته إلى مقبرةٍ جماعية لإخفاء الجريمة. اختفت معالم مفترق "أبو طلال"، والمحل الشهير لبيع الفلافل، صاحب الاسم نفسه، اختفى ودُمِّر، ولم يعُد من ذكراه سوى الاسم. "مدينة اللحوم" أيضًا صارت ذكرى، وتحوَّل مكانها، الذي كان يوفّر لي مُعظم احتياجاتي اليوميّة من الطعام، إلى رُكام.

لم تعد المدينة تُمحى من الأرض فقط، بل صارت تُمحى من تفاصيل حياتنا اليومية أيضاً.

تذكّر الناس كثيراً ونشروا ما تُذكِّرهم به خوارزمياتُ وسائل التواصل الاجتماعي، وخاناتُ الذاكرة في "فيسبوك" وأرشيف "إنستغرام"، حتى ولو كانوا لا يعرفون إن كانت تلك الخصائصُ التقنية لعنةً حلّت عليهم لتذكِّرهم بما تسرّب من أيديهم، أو فرصةً جديدة ليُدْركوا أنهم عاشوا يوماً جيداً في حياتهم، قبل أن يتغيّر شكل الحياة من حولهم.

لطالما قالوا لنا إنّ السنة والسنتين شيءٌ بسيط لا تُساوي شيئاً في عُمر الشعوب، لكن ماذا لو كانت ثلاث سنوات كافيةً لتغيير كل شيء؟ ماذا لو استطاعت ثلاث سنوات أن تفعل بالناس ما تفعله الدهور؟ رُبما هي أكثر من ثلاث سنوات. ربما لأننا كنا نصحو كل يومٍ فنشعرُ أنَّ عاماً كاملاً مر بين ليلٍ ونهار.

تبدّلَ كُلُّ شيءٍ في غزّة. كُلُّ ما يتخيّله العقل البشري وما لا يتخيّله. تحولت حياة الناس، في لحظة، من البيوت والشقق إلى الخيام، ومن الجدران إلى القماش، ومن الخصوصية إلى حياةٍ مكشوفة، ومن الاستقرار إلى انتظار دائم لنزوحٍ جديد. أما حياتهم الشخصية والاجتماعية، فتكسَّرت هي الأخرى، لكن بطريقة لا يُرى ركامها كما يُرى ركام البيوت.

تبدل شكل المجتمع نفسه. صار أكثر فراغاً، وأكثر فجوات. صار احتمال أن تجلس إلى جانب شخص في باص المواصلات، ثم تكتشف أنه الوحيد الباقي من عائلته، احتمالاً عاديًا. وصار احتمال أن تكون الأسرة التي تجلسُ إلى جواركَ في المطعم قد فقدت شخصاً أو اثنين أو أكثر، احتمالاً لا يستدعي الدهشة.

بعد سنواتٍ لا شكّ سيسألُ كثير من الأطفال عن آبائهم أو أمهاتهم، أو عن عمّاتهم وأعمامهم، وسيُقال لهم، ببساطة الكلمة التي لا تعرف فداحة تلك اللحظة: ماتوا جميعاً في الحرب.

سيتكررُ الأمر، فيلتقي الطفلُ الناجي الوحيد مع آخرين مثله، لكن نقاشهم البسيط في المدرسة لن يكون عمّا أكلوه بالأمس، إنما عن الفراغ الذي تركه المَوت في تسلسُلِ العائلة: الأم أم الأب؟ العم أم الجد؟ أم الجميع؟

نشأت أجيال قد لا تعرف جيداً معنى أن يكون للبيت حائطٌ حقيقي، أو أرضية بلاط، أو باب يُغلق. نشأ أطفال على الرمال، وبين جدران من الشوادر، كُتب عليها "يونيسف"، و"أونروا"، وأسماء دول ومؤسسات كثيرة. أسماءٌ مطبوعة على القماش الذي صار جداراً، وسقفاً، وحدوداً للعالم. كأن العالم كله تسابق على أن يطبع اسمه على شكل المأساة، التي سيكبر هؤلاء الأطفال، وهم يظنون أنها شكلٌ طبيعيٌّ للحياة.

ثلاثة دهورٍ، أو رُبما أكثر. على الرغم من الإعلان عن انتهائها قبل سنةٍ من الآن، لم تنتهِ الحرب إلا في اسمها، وبقيت حتى اليوم تجرُّ مزيداً من الموتى، وتقتلُ الأطفال في أحضان أُمهاتهم في الليل "الآمن". أمّا أثرها فلن ينتهي، ولم ينتهِ منها سوى شكلِ الموت وطريقته.

ثلاثة دهورٍ بدّلت الناس وقتلت علاقاتهم، وفرّقت العائلات وشتّتها. بعضُها في "الشمال"، وبعضُها الآخر في "الجنوب". بعضُها في خيمة، وغيرها في البيت، أو في بقايا البيت، وآخرون في بلاد الله الواسعة، وغيرهم عالقون في الجارة الشقيقة، لا يستطيعون زيارة المستشفى إلّا بإجراءاتٍ وأموالٍ طائلة.

ليست ثلاث سنوات، بل ثلاثة دهورٍ وأكثر. لاحقنا فيها الموت، ولحِقناه. نمشي في الجنازة ونجري لنتهيأ لغيرها، أو لنزوحٍ آخر. وفيها انقسم المجتمع أيضاً تحت ثقل أزماته الصغيرة والكبيرة، كأنّهُ لم يكتفِ بما فعلتْ به إسرائيل ،فخلقَ مزيداً من: الكاش، والتطبيق، والملابس، والإيجارات، والسرقات، والجوَّالات، والمافيات، والمواصلات.

هل حقًا تتسعُ ثلاث سنواتٍ لكُل هذه التفاصيل؟

أن ننزح عشرات المرّات. أن نعيشَ في الخيمة. أن نُرممَ بقايا المنازل، ونستعد للشتاء، ثم لشتاء آخر. أن نغرقَ ونحن نعرف مسبقاً كيف سنغرق. أن يأتي الصيف فنستعد لجحيمه، وأن نستقر أياماً، ثم نعود إلى نزوح آخر. أن نجوع. ونبحث عن الطعام. أن نشتهي رغيفاً، ونقف في طوابير طويلة من أجل قطعة لحمٍ تقوّي أجساد أطفالنا، وأن نجري خلف المساعدات. أن نبحث عن شوادر، ونصطف في ممرات المستشفيات.

أن ننظر إلى أنفسنا فلا نكاد نعرفها، ونسأل: هل تغيّر لون وجوهنا فقط، أم تغيّرت الحياة كلها؟ وهل كانت هنا، فعلًا، حياة قبل كل هذا؟

قالوا إن السنة والسنتين والثلاث لا وزن لها في عمر الشعوب. ربما. لكن بعض السنوات لا تُقاس بعدد أيامها، وهذه لم تكن ثلاث سنوات. بل كانت ثلاثة دهور.

مقالات من فلسطين

الحياة في خيمة

2026-09-24

رسالة من أبو سامح، المقيم وعائلته في خيمة في غزة منذ دمار بيته قبل أكثر من ثلاث سنوات.

"مشروع المحو": جهود إلغاء الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية!

2026-09-17

سجّلت منظمة "بتسليم" ("B'tselem"، مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة)، آلاف الافادات والشهادات، جُمعت بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023، كجزء من تقرير مفصّل بعنوان "مشروع المحو: إلغاء إسرائيل للوجود...

للكاتب/ة

ماذا تعرف عن غزة؟

بنسبة كبيرة لا يعرف الناس عن غزّة شيئًا. أدركتُ ذلك سواء من سفرتي اليتيمة تلك، أو من حواراتي العديدة مع أصدقاء في الخارج، أو من متابعتي اليومية الطويلة لآراء الناس...

جنازات مؤجلة

شاهدها الناس، وعرفوا أنهم لا يُشاهدون جنازةً عابرة، بقدر ما كانوا يُشاهِدون قهرهم وألمهم المخبأ منذ سنوات. بكى الصحافيون، بكى السكان، انهارت النساء، وذابت قلوب الأطفال من الوجع. كأنّها طاقةٌ...