مشاهد غزَّاوية

لقطات من الحياة اليومية للغزاويين: هُنا أربعة مشاهد.
2026-06-16

المقداد جميل مقداد

كاتب وباحث من غزة


شارك
صلاة العيد في غزة

المشهد الأول

ثمانية أشهر بعد انتهاء الحرب. يقولون انتهت الحرب. قالوا حينها ذلك، فَرِحَ الناس، احتفلوا، وعاد كلٌّ إلى مكانه. أحدهم إلى خيمته، والآخر إلى ما تبقى من بيته المدمّر. لكن شيئاً لم يعُد معهم كالسابق. لا يزال الإعلام يقول كما قال في اليوم الأوّل بعد الاتفاق على "وقف إطلاق النار"، "يُسمّونه وقف إطلاق النار". ينتشر كذلك في الإعلام، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى مواقع الإنترنت، وفي الصحف. الكلمات نفسها، لكن الواقع ليسَ نفسه.

مقالات ذات صلة

كأنّ الحرب جاءت بثوبٍ آخر، وكأنها نفسها، لكنهم يخجلون من تسميتها بالاسم، أو كأنهم قرروا خلع العبء الذي يرميه هذا الشبح القاتل المُسمى "الحرب" عنهم، فقرروا تغيير المسمّيات، وربطها بأشياء أُخرى غير حقيقيّة. رُبما يريدون النوم جيداً، ورُبما لا يُريد بعضهم أن يصحو فزِعاً، لأن خبراً عاجلاً فاته من تلكَ الحرب، فينامُ أكثر، يصحو هادئاً، وينشرُ خبر القصف الذي حصلَ "بعد الحرب"، وفي ظل "وقف إطلاق النار"، كأيّ خبرٍ عابرٍ وعادي.

المشهد الثاني

الصحو المبكر في غزة فريضة، حتى وإن قرَّرتَ كأي إنسانٍ عادي في يوم إجازته، أن تنام أكثر قليلاً، ستبدو الفكرة فاشلة تلقائياً. الكل يستيقظ في وقتٍ واحد، مع تأكيد وجود رغبات لآخرين مثلي، في الاستيقاظ مبكراً جداً، مع الفجر، لمحاولة استيعاب الحياة بعض الشيء. المهم أن الكل يستيقظ مبكراً، لأن أصواتاً من الخارج تقوم بدورٍ بديل من المُنبَّهات.

أصوات سيارات تعبئة المياه اليوميّة، التي تصل إلى الشارع كافية لإيقاظ الجميع، وحاجة الناس إلى الماء في كثيرٍ من الوقت، كافية لإيقاظهم قبل ذلك.

مقالات ذات صلة

تبدأ نغمة الأصوات المزعجة من بداية الشارع حتى وصولها إلى مكان استقرار السيّارة، ثم تبدأ نغمة أخرى. صراخ الأطفال، وتزاحم الناس على الطابور. وفي كثير من الأوقات، تتداخل نغمة الشجار بين الأصوات، فالكُل يريد الماء، والأشطر هو الذي يحصل على كمية أكبر، أو يأخذ دوراً متقدماً فلا يكون من الخاسرين، وإلا سينتظر حتى مرور سيارة أخرى.

الاحتياج كبير والطوابير حول السيارات كثيرة. الكُل يُريد الماء قبل الفطور ليُعدَّ لأسرته إبريق الشاي في خيمته، وإن لم يستيقظ باكراً، فقد ينتهي به المطاف إلى الانتظار حتى يومٍ آخر، سيقضي معظمه إمّا بالاقتصاد في شرب الماء القليل المتوفر من الأمس، وإما بالبحث عن مكانٍ يحصل منه على الماء.

المشهد الثالث

التقاطع الأوّل، أشخاصٌ كثيرون يتجمعون على المفترق. بعضهم يجلس على الأرض، آخرون يرتمون في الاتجاه المقابل، وغيرهم يقفون، أطفالًا ونساءً ورجالًا وبعض الشباب، أمام واجهة دكانٍ صغير يُطلق على نفسه "سوبر ماركت"، والكل ينتظر. يتحوّل المشهد إلى محادثاتٍ جانبية بسيطة، أو إلى جلسة سمرٍ "صباحية" بين المُنتظِرين.

ينتظر جميعهم الشيء نفسه، الذي ينتظرهُ الناس على بُعد شارعيْن حينَ أراهم من السيارة في طريقي إلى العَمل. هؤلاء ينتظرون الخُبز، فمنذُ الحرب تحوّل، وبعد وقتٍ طويل من الأزمة، دعم صناعة الخبز إلى مؤسسة برنامج الغذاء العالمي التابعة للأُمم المتحدة، والتي بدورها حاولت - ويا للعجب! - بِطرقٍ عديدة أن تحُل الأزمة، وتجد طريقة لتوصيل الخُبز إلى الناس. فشلت معظم الطُرق، أمام الاحتياج الكبير، والقيود الإسرائيلية المتكررة، والتحكم بالمعابر، وكميات الدقيق التي تصل إلى القطاع، وحالات الفساد المؤسسيّة، ولصوص الخُبز.

الطريقة الأخيرة التي لا تزال مُستمرة، هي صناعة الخبز في مخابز مخصصة، تموّلها المؤسسة، التي تأخذ الخبز منها لتنقله إلى نقاط بيع صغيرة موزعة على عدة مناطق، تكون في الأغلب دكاكين ومحلات سوبر ماركت منتشرة في الأحياء السكنية. وعلى الرغم من أن الخُبز الذي يدعمه هذا البرنامج رديء، لغياب الرقابة والاهتمام - ككل الأشياء المدعومة والمؤسساتية - إلا أن احتياج الناس وعدم وجود خياراتٍ أخرى لهم يجعلهم يقفون بالساعات، لأجل الحصول على ربطة واحدة أو اثنتين - العدد محدود - كي يسدوا حاجة عائلاتهم اليوميّة.

هذا المشهد الذي انتشر منذُ أشهر الحرب الأولى، مستمر إلى الآن. فكيف يقولون انتهت الحرب؟ ومن المهم التذكير بنقطة ضرورية: منذ ثلاثة أو أربعة أشهر، قلّصت مؤسسة "الغذاء العالمي" نقاطها الخاصة بالخبز، وخفضت توزيع الدقيق على المخابز، ما أدخل غزّة في أزمةٍ أُخرى، تمثلت في انتشار الطوابير بهذا الشكل الكبير والمضاعف عن السابق. ويبدو أن التقليص يستمر ببطء، وبطريقة لن يُلاحظها الإعلام، صاحب "انتهاء الحرب"، لكن يُلاحظها المواطن الذي يعيش حرباً أخرى داخل خيمته.

المشهد الرابع

انتظرت سلوان العيد، وبقيت حتى قبل خمسة أيامٍ منه تسألني: "متى العيد؟ عشان نروح ع الصلاة". كانت قد جهزت ثوب صلاتها، وملابس العيد، وانتظرت طويلاً، مع ازدياد وعيها بمظاهر العيد، التي لا تزال ناقصة، لعدم وجود الأضاحي، ومنعها منذ بداية الحرب.

جاء العيد، وعاشت سلوان سعادته بين زياراتٍ جميلة بين الركام، ولخيام النازحين من الأقارب والعائلة، والحصول على العيدية، التي ليست كأيّة عيدية في العالم، فقد غاب شكلها عن أطفال غزّة، بعد أزمة السيولة واهتراء الأوراق النقدية، ما جعل الناس يحوّلون عيدياتهم على تطبيق البنك والمَحافظ الإلكترونيّة.

في ثالث أيام العيد، وصل اتصالٌ إلى أحد المواطنين في منطقة، في الحي الذي نعيش فيه، يدعوه فيه الجيش الإسرائيلي إلى إخلاء المكان ومُحيطه. دقائق حتى سمعنا انفجاراً هائلاً، استعاد في لحظة أجواء الحرب، التي يقول الإعلام إنها انتهت.

كنّا قبل أسابيع قد عشنا مشهداً مشابهاً، لكنه أصعب، مع قصف منزل مجاور لنا، قبل إخلائنا للبيت وخروجنا منه قبل إتمام القصف. تطلّب ذلك حمل سلوان وهي نائمة عند الحادية عشرة مساءً، لتستيقظ على صوت خطواتي على الدرج، من دون أن تستوعب ما هي فيه. لكنها لا تعرف: نحنُ في "وقف إطلاق النار"، ولكن الآن المطلوب منّا الإخلاء.

هذه اللحظة فتَّحت وعي سلوان، على قلق الإخلاءات، التي كانت قد غابت قبل ذلك عنّا منذ "وقف إطلاق النار"، وحتى وصل خبر الإخلاء الثاني - في العيد – فأدركت أن هذا الشيء وما يتطلبه من حذر، يعني الخوف والقلق وانتظار الانفجار، ثم تتبع أثره.

بعد الانفجار بدقائق، كانت سلوان تغرق في حضن والدتها وتضعُ يديها على أّذنيها، مع بداية البكاء المُحمّل بالخوف. قالت سلوان بعدها بلحظة: "كيف يعني؟ بنفع يقصفوا واحنا في العيد. كيف عيد وقصف؟". لم أتحمّل كلماتها. كبرت الطفلة وصارت تُدرك المعاني الأعمق للأشياء. العيد والفرح، الحرب والألم، القصف والخوف، ومعنى أن تتعارض الأشياء، فيمحو خوف القصف فرحة العيد في قلوب الأطفال!

مقالات من فلسطين

يعذَّبان.. كي لا يجرؤ سواهما

2026-05-07

"ستعيشين في عالم أكثر أماناً لأن العديد من الآباء قرروا التضحية بكل شيء لبناء هذا العالم الأفضل لكِ. أتمنى أن تُدركي يوماً ما أنه، لشدة حبي لكِ، لم يكن هناك...

للكاتب/ة

الخط الأصفر وخطوط أخرى

صار مصطلح الخط الأصفر شيئاً عادياً في حياة الفلسطيني الغزّاوي. مرّت خمسة أشهر على وقف إطلاق النار و"انتهاء" الحرب بالمعنى الرسمي والإعلامي، ومنذ ذلك الحين صار هذا الخط شيئاً يومياً...

من يحمل عبء الذاكرة يا غزة؟

الذاكرة انتقائية، فهي تتمسّك بالتفاصيل الصغيرة، وتعلّقنا بها، وهي سرعان ما تُهاجمني. ينزلُ المطر، وعلى الرغم من غرقنا وانهيار كلّ شيء من حولنا، من شبابيك المنزل المتهرئة والمرقّعة، وجرينا السريع...