العِلم و"المصرية" .. هوية عريقة وأوهام عرقية

النتائج العلمية، وكذلك البداهة المنطقية، جعَلت الجينوم المصري مزيجاً فريداً، من دون تفرد عرقي، باعتبار الاستمرارية القوية عبر الزمن والتفاعلية الشديدة، حيث المصريون الحاليون يشبهون وراثياً المصريين القدماء بدرجة كبيرة، من دون انقطاع حضاري كما يُشاع أحياناً، ومن دون انسلاخ عن الثقافات والمؤثرات الجينية الأخرى.
2026-05-11

منى سليم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
مشروع الجينوم المصري

"مصرية.. كالأرض، حميمة وبهية.. كالشمس، قديمة وصبية".

كلماتٌ رقيقة للشاعر اللبناني جورج جرداق، تغنت بها المطربة اللبنانية "ماجدة الرومي"، تحت عنوان "سمراء"، هو أمر يدخل في باب المحبة ويحيي شيئاً من الانتشاء، ولكن من دون أدنى ادعاء بالنقاء... النقاء الجيني.

هو إبداعٌ يُعبّر عن أمر بديهي. غير أن كثيراً من البديهيات، في مصر وكامل المنطقة العربية، قد انقلبت حالها وأصابها العطب. وكيف لا، في زمن عنوانه حربٌ لا يغلِّفها الغضب؟!

وعليه، فلا غرابة أن تشهد "أرض القبط" رواجاً جديداً لهذا التيار، الذي لا يتنصل فقط من العروبة، ولكنه يدّعي نقاءً عرقياً خالصاً ممتداً من المصري القديم، ويعود فقط إلى جذره الإفريقي.

لكنه أيضاً زمن اللاحدود بالعلم. وعليه نضجت في هدوء رؤى علمية داخل مصر وخارجها، تطرح زوايا شديدة العمق والبيان، وتدحض، ولو من دون اهتمام، ذلك الرافد الثقافي الذي اشتهر تحت اسم "جماعة كيميت"[1].

مشروع "الجينوم المصري"

في 7 نيسان/ أبريل الفائت، أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري، عن نتائج أضخم دراسة للتسلسل الجيني الكامل، ضمن مشروع يحمل اسم "الجينوم المرجعي للمصريين وقدماء المصريين"، وذلك عبر دراسة تفصيلية لعينة تضمنت 1024 مواطناً مصرياً، يمثلون إحدى وعشرين محافظة، من أصل سبعة وعشرين.

هذه النتائج التي تسعى إلى تفسير التركيبة الجينية للمصريين، أو الخليط الوراثي الذي تكوَّن عبر آلاف السنين، نجحت في رصد قرابة 17 مليون تباين جيني فريد، لم تكن مسجلة في قواعد البيانات العالمية من قبل، ما سمح بتسجيل "مكوِّن جيني مميَّز للمصريين" بنسبة 18.5 في المئة.

مقالات ذات صلة

يفتخر القائمون على المشروع بأن هذه النتائج تمنح الدولة المصرية لأول مرة "مرجعية جينية وطنية"، تنهي عقوداً من غياب التمثيل الجيني المصري في الأبحاث الدولية. كما اهتم البحث بإعطاء توضيح مفصلي عن أن نسبة الـ 18.5 في المئة لا تعكس بالضرورة تفرداً قدر ما تعكس حجم التمايز عن عدة بيانات جينية دولية، مسجل بها فقط جينات أوروبيين وأمريكيين شماليين، والقليل جداً من الآسيويين واللاتينيين، وفي غياب شبه كامل للقارة الإفريقية.

وفي باب الفخر أيضاً، بل وهو الأهم، والمدخل الأصلي لإطلاق هذا المشروع، يأتي دور تلك النتائج في مساعدة المتخصصين على فهم الطبيعة الوراثية للشعب المصري، ما يفسر سبب اختلاف استجابة أجسادهم لبعض الأمراض أو الأدوية عن الشعوب الأخرى، وهو ما يمهد الطريق إلى عصر "الطب الشخصي"، الذي يصمم العلاج وفقاً للشفرة الوراثية لكل مواطن.

نضجت في هدوء رؤى علمية داخل مصر وخارجها، تطرح زوايا شديدة العمق والبيان، وتدحض، ولو من دون اهتمام، ذلك الرافد الثقافي الذي اشتهر تحت اسم "جماعة كيميت".

هكذا الطموح العملي المشروع، حيث جلْب النفع العام، تدقيق وعلمنة التاريخ، لا ادعاءات لا تغني ولا تسمن من جوع. ولهذا ركّزت التفاصيل على تشريح هذه "البصمة الوراثية الفريدة"، لتكشف عن أن أكثر من 70 في المئة منها هي بصمة شرق أوسطية: (بلاد الشام، وما بين النهرين أي العراق، وجزيرة العرب). وفي المرتبة الثانية يحضَر الشمال الإفريقي، وبنسبة أقل جنوب الصحراء الكبرى وغرب إفريقيا، وهو ما يَظهر أكثر بين سكان محافظات الصعيد الممثّلة في العينة.

دراسة جينوم المومياوات

ومن الأحدث إلى الضارب في القدم، نقف مع نتائج دراسة علمية، نشرتها مجلة Nature الأميركية العام الماضي، عن نتائج فحص جينوم مومياء مصرية.

توثِّق الدراسة، وترجِّح، أن الجينوم محل الدراسة هو لرجل عاش قبل حوالي 4500 عام، وهو ما يوافق فترة نهاية الأسر المبكرة وبداية عصر الدولة القديمة (عصر بناة الأهرامات). وقد تم اكتشاف بقايا المومياء داخل مقبرة في منطقة النويرات، بقرية بني حسن، في صعيد مصر. ووفقاً للنتائج، فإن حوالي 80 في المئة من الأصول الجينية لهذه المومياء، تعود إلى شمال إفريقيا، مع روابط واضحة بمنطقة المغرب حالياً، أما النسبة المتبقية فتعود تحديداً إلى بلاد ما بين النهرين.

في 7 نيسان/ أبريل الفائت، أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري، عن نتائج أضخم دراسة للتسلسل الجيني الكامل، ضمن مشروع يحمل اسم "الجينوم المرجعي للمصريين وقدماء المصريين"، وذلك عبر دراسة تفصيلية لعينة تضمنت 1024 مواطناً مصرياً، يمثلون إحدى وعشرين محافظة، من أصل سبعة وعشرين.

ركزت التفاصيل على تشريح هذه "البصمة الوراثية الفريدة"، لتكشف عن أن أكثر من 70 في المئة منها هي بصمة شرق أوسطية: (بلاد الشام، وما بين النهرين أي العراق، وجزيرة العرب). وفي المرتبة الثانية يحضَر الشمال الإفريقي، وبنسبة أقل جنوب الصحراء الكبرى وغرب إفريقيا، وهو ما يَظهر أكثر بين سكان محافظات الصعيد الممثّلة في العينة. 

تؤكد الدراسة أن شمال إفريقيا لم يكن مجرد منطقة عبور، بل لعب دوراً مهما في تشكيل الحضارات القديمة، وليس فقط وادي النيل كما كان يُعتقد. لافتةً إلى أن أقدم إنسان عاقل تم اكتشافه في العالم وُجِد في محيط المغرب، ويعود عمره إلى حوالي 300 ألف سنة. ومع ذلك، أوضحت Nature أن هذا لا يعني أن المصريين القدماء مغاربة بالمعنى المباشر، بل أن أصولهم متنوعة نتيجة قرون من التفاعل البشري والثقافي.

تعقيد منطقي

لماذا الجينوم المصري معقّد؟ سؤال يتوقف عنده الباحثون، بالشرح المنطلِق من حقائق راسخة عن كون مصر نقطة التقاء حضارات، تبدأ أولاً من منبع "النيل" في هضبة البحيرات الاستوائية وبحيرة تانا في مرتفعات إثيوبيا، مروراً بغرب أفريقيا وحضارة جنوب الصحراء، ثم شمال أفريقيا (الأمازيغ)، والشرق الأدنى القديم ( (بلاد الشام وما بين النهرين والارتباط بالهجرات السامية)، يليها اليمن، وفي فترات لاحقة جزيرة العرب، ثم عودة إلى البحر المتوسط (اليونان، الرومان)، والعثمانيين من شمال تركيا.

في تعليقٍ مفسِّر، تقول باحثة الآثار المصرية "مونيكا حنا" في مواجهة مزاعم جماعة "كيميت"، إن الآثار ليست أداة لإثبات التفوق العرقي، ومن الأجدى بمن يحاولون ذلك أن يشكِّلوا حركة إنسانية واسعة، من أجل استرداد الآثار المصرية من كل مكان في العالم وإعادتها إلى مكانها الطبيعي، بما يُسهم بشكلٍ فاعل في استعادة مكانة مصر نفسها.

كل ذلك، كما تنتهي النتائج العلمية وكذلك البداهة المنطقية، جعَل الجينوم المصري مزيجاً فريداً، من دون تفرد عرقي، باعتبار الاستمرارية القوية عبر الزمن والتفاعلية الشديدة، حيث المصريون الحاليون يشبهون وراثياً المصريين القدماء بدرجة كبيرة، من دون انقطاع حضاري كما يُشاع أحياناً، ومن دون انسلاخ عن الثقافات والمؤثرات الجينية الأخرى، التي تواترت على مصر تحت اسم الاستعمار تارة، وتحت أثر المد الحضاري الذي مثلته تاراتٍ أخرى، ومن ثَمّ جغرافيتها التي سمحت - قبل أن تفسدها عوامل التغير المناخي والاحتباس الحراري، باستيطان عشرات الروافد الجينية والاندماج فيها.

فضلاً عن ذلك، يبقى ما يؤصله العلم الجيني وعلم الاجتماع النفسي عن أثر البيئة الاجتماعية. فوفقاً لتلك العلوم، وفى متوسط عمر شخصٍ واحد، فإن الجينات "تفتح الاحتمالات"، والبيئة "تحدِّد الاتجاه، ما يعني أن الجين نفسه الذي يحمل الصفات الشكلية والطباع النفسية يعطي نتائج متباينة في بيئة مختلفة.وهو ما يعني أيضاً، وفق توصيف علمي مبسَّط، أن"التجارب تَكتب التعليمات فوق الجينات. وأن البيئة لا تبدِّل الجين ولكنها تغيّر طريقة قراءته... فما بالك بالنتائج، تحت تأثير الاندماج البيئي الممتد على مدار ما يزيد عن ثلاثة آلاف عام حول مجرى النيل فوق أرض مصر؟

بداهة من دون إخلال

في تعليقٍ مفسِّر، تقول باحثة الآثار المصرية "مونيكا حنا" في مواجهة مزاعم جماعة "كيميت"، إن الآثار ليست أداة لإثبات التفوق العرقي، ومن الأجدى بمن يحاولون ذلك أن يشكِّلوا حركة إنسانية واسعة، من أجل استرداد الآثار المصرية من كل مكان في العالم وإعادتها إلى مكانها الطبيعي، بما يُسهم بشكلٍ فاعل في استعادة مكانة مصر نفسها.

عبر السنوات، يبقى صوت المفكِّر المصري وعالم الأنثروبولوجيا، "جمال حمدان" الذي سطع وامتد منذ مطلع الثمانينيات، مع تنامي ظاهرة التنصُّل من عروبة مصر في مواجهة مقاطعة الأنظمة العربية لنظام السادات، عقب توقيعه معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني. يقول حمدان في مجلّده الشهير "شخصية مصر": تحمل مصر مركّباً خاصاً للهوية، فهي قبطية الجذور، عربية الانتماء الحضاري واللغوي، إسلامية التأثير التاريخي، ومتوسطية وإفريقية في الامتداد الجغرافي. غير أن أي بُعد من هذه الأبعاد لا يمكنه أن يتحول إلى هوية وحيدة تلغي البقية.

ويقول أيضاً: "التاريخ قديم في مصر، لكن يجب ألا يتحول لأداة للاستلاب الثقافي، وهو ما يوافِق رغبات الاستعمار القديم والحديث". وكتب: "اللغة العربية ليست مجرد لغة وافدة، بل أصبحت الوعاء الحضاري الحقيقي للشخصية المصرية الحديثة عبر قرون طويلة، وأن "مصر ليست دولة عربية طارئة، بل قلب العروبة ومركزها التاريخي والجغرافي والثقافي".

***

في الخلفية، لا يزال صوت الشعر والغناء، والمقطع الأخير من "سمراء"، يقول:

 أَنَا بِنْتُ النِّيلِ وَزَهْوُ الْجِيلِ
بِكُلِّ جَمِيلٍ تَلْقَانِي
فِي قَمَرِ اللَّيْلِ وَمَوْجِ الْبَحْرِ
وَشَمْسِ الصَّحْرَاءِ تَرَانِي
فِي وَجْهِ الدُّنْيَا كَتَبُونِي
لِلُغَاتِ الدُّنْيَا نَقَلُونِي
واشْتَاقُوا لِي وَأَحَبُّونِي
أَنَا لَسْتُ اِمْرَأَةً عَادِيَّة
أَنَا مِصْرِيَّة.

______________________

  1. - "كيميت": تعني الأرض السوداء، في إشارة الى تربة النيل، والجماعة – المتنوعة - التي ظهرت بهذا الاسم بعد انتفاضة 2011 تدعو إلى إحياء مُعاصر للديانة المصرية القديمة وما يتعلق بها من ممارسات.

مقالات من مصر

على وقع الاحتجاجات العمالية: كيف يُعاد تشكيل العمل النقابي في مصر؟

إسلام ضيف 2026-04-27

تشهد مصر في الآونة الأخيرة موجة احتجاجات عمالية امتدت إلى قطاعات متعددة، كما جسَّدت استياءً جماعياً من تدهور ظروف العمل والأجور المتأخرة والتأمينات غير المنتظمة. يسلِّط الحراك أيضاً الضوء على...

للكاتب/ة

حقوق وأحقاد حول الآثار المصرية

منى سليم 2026-03-12

في مقابل التعنت والإيغال في السرقة في بلدان أوروبية وفي أمريكا، كان هناك موقف مصري رائد في جولة استرداد الآثار المصرية التي نهبتها إسرائيل، تحت اسم الكشف العلمي خلال احتلالها...

مصر… دور الوسيط في مواجهة السليط

منى سليم 2026-01-15

هل المصلحة المصرية يحكمها فقط الاحتياج الاقتصادي؟ وهل ما يؤرق الاقتصاد المصري والأمن القومي المصري هو النقص الحاد في الطاقة فقط؟ بالتأكيد لا! لكن ملفات أخرى لا تقل فداحةً، من...