إعداد وتحرير: صباح جلّول
اجتهد جهاز المخابرات الألماني لتقديم فرضه المنزلي لإسرائيل، فأعدّ، كتلميذٍ شاطر، تقريراً حول ما سمّاها "معاداة السامية العلمانية المتطرفة الداعمة لفلسطين"، جاء في مقدمته أن "النزعة المتطرفة العلمانية المؤيدة للفلسطينيين في هذا البلد تتسم بتنوع هائل، إذ تضم طيفاً واسعاً من المنظمات والحركات والشبكات والأفراد". يحذّر التقرير من "الثقل الذي اكتسبته هذه الأصوات الفردية والجماعية بعد السابع من أكتوبر"، وينسج صورة لمؤامرة منظَّمة خفية، إذ يدّعي أنّ "الأفراد والمجموعات المؤيدة للفلسطينيين في ألمانيا تؤدي دور حلقة الوصل بين مختلف الأطياف المتطرفة، فيعملون على نسج روابط أيديولوجية لا تقتصر على الفاعلين من التيار اليساري والإسلامي فحسب، بل تمتد لتشمل أيضاً المتطرفين من التيار اليميني". حسب الكتيب، "تُشكِّل الكراهية الشديدة لإسرائيل ومعاداة السامية العنصرين الأساسيين اللذين يجمعان بين هذه الأطراف ويوحدان صفوفها". انطلاقاً من هذا الأساس المغلوط والخالط الحابل بالنابل، يبني التقرير مزاعمه وتحذيراته.
بعد تقرير المخابرات الألمانية بأيام، أصدر المكتب الاتحادي لحماية الدستور في ألمانيا (BfV) كتيّباً مفصّلاً بعنوان "رسائل خفيّة: شيفرات ورموز معادية للسامية"، مركّزاً على ما يسميه "التطرف العلماني المؤيد لفلسطين".
يقول الكتيّب إنّ هدفه هو "رفع الوعي بالأشكال الخفية لمعاداة السامية"، ويأخذ القارئ في رحلة غريبة، على امتداد أكثر من 80 صفحة، هي مزيج من الخلط (المتعمَّد طبعاً) في المفاهيم والهوَس المرَضي بكلّ ما هو دالّ على فلسطين، واستعادات من تاريخ معاداة السامية الأوروبي - والنازي، مع صور توضيحية مولَّدة بالذكاء الاصطناعي تدّعي وجود شبكات مختلفة تجمعها معاداة السامية حول العالّم، بما يشبه نظرية مؤامرة بدائية.
أُدرج في الكتيّب رمز "البطيخة"، التي تُستخدم للاستعاضة عن ألوان العلم الفلسطيني رمزياً، كما خريطة فلسطين الملونة بألوان البطيخة، ورسم حنظلة (للرسام الكاريكاتوري الفلسطيني ناجي العلي)، كأمثلة عن "العلامات التعريفية" أو الرموز الدالة على ما سمّوه "التطرف العلماني المؤيد للفلسطينيين" في ألمانيا.

لم يحد الكتيب كذلك عن التعريف المغلوط والذي تمّ تفنيده مراراً لمعاداة السامية، وهو تعريف "التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة" (IHRA)، الذي يجعل من انتقاد إسرائيل سبباً كافياً لإطلاق تهمة معاداة السامية. فحسب الكتيب: "معاداة السامية هي تُوجَّه، قولاً أو فعلاً، ضد أفراد يهود أو غير يهود و/أو ممتلكاتهم، وكذلك ضد مؤسسات المجتمع اليهودي أو المؤسسات الدينية"... بما يشمل جيش الإبادة الإسرائيلي مثلاً، كمؤسسة تابعة للدولة اليهودية. بل يضيف: "إنّ دولة إسرائيل، بصفتها كياناً جامعاً لليهود، قد تكون كذلك هدفاً لمثل هذه الهجمات (المعادية للسامية)" (!)
****
وبشكل خبيث، لكن شديد الركاكة، يضع الكتيّب قائمة من صور ورموز الدعاية المعادية لليهود في الحقبة النازية، متبوعة بالرموز والصور والشيفرات التي يستخدمها المتضامنون مع فلسطين وغزة اليوم للاحتجاج على الإبادة الجماعية والاحتلال الإسرائيلي، محاولاً القول إنّ هذا امتداد لذاك، بدون تقديم أية حجة أو دليل على ذلك.
ويتضمن التقرير أقساماً بعنوان "الرموز والعلامات التعريفية المعادية للسامية"، و"شبكات التواصل والترابط بين المتطرفين المؤيدين للفلسطينيين والمتطرفين اليساريين والإسلاميين"، مشيراً إلى أنّ ما يسمّيه "التطرف العلماني المؤيد للفلسطينيين" في ألمانيا "يتَّسم بتنوع شديد، ويضم طيفاً واسعاً من المنظمات والحركات والشبكات والأفراد"، محاولاً اختراع رابط ما بين معاداة السامية الأوروبية التاريخية وبين ما تَشكّل في وعي الناس بعد شهادتهم على الإبادة الإسرائيلية لغزة.
عندما يوضع رمز عنصري نازي متبوعاً برمز داعم لحرية فلسطين ومناهض للاحتلال قرب بعضهما البعض تحت ترويسة واحدة، وتسمّى جماعياً "رموزاً معادية للسامية"، فتلك خدعة رخيصة ومفضوحة، لكنها تسمح لألمانيا باتهام من يعترض على هذا الخلط. فمن يرفض الاعتراف بلاسامية الرمز الفلسطيني المفترضة، فكأنما يشكّك بلاسامية الرمز النازي كذلك! وهلمّ جرا.
جمل وشعارات "من النهر إلى البحر"، "إسرائيل قاتلة الأطفال"، أو "يللا، يللا، انتفاضة!"، جميعها أيضاً مما يحذِّر الكتيب من استخدامه. فحسب الناشرين، "من النهر إلى البحر" ليست دعوة للتحرير، إنما "لنكران دولة إسرائيل وحقها في الوجود"، و"قاتلة الأطفال" هي تهمة معادية للسامية لأنها تعني بالنسبة لهم اتهاماً لليهود جميعاً بأنهم محبون لقتل الأطفال، أمّا "انتفاضة" فدعوة للإرهاب.
يشعر المرء أنه يخسر خلايا من دماغه أثناء تصفح هذا الكتيب الذي يبدو أن من كَتبه لا يعي أن الزمن سبقه إلى مكانٍ أخر، وأن التحركات المناصرة لفلسطينن في العالَم تخطّت "إشكالياته" المخلوطة والمعلوكة إلى مكان آخر.. مكان يتضح فيه تماماً الفرق بين اليهودية والصهيونية وإسرائيل والاحتلال، ويتضح فيه الباطل والإجرام والموقف منهما.
****
يشجّع الكتيّب المعلِمين والأساتذة وأصحاب العمل على استخدامه "كمادة إضافية في الفصول الدراسية" أو كـ"دليل إرشادي للمساعدة في رصد أي عبارات تنطوي على معاداة للسامية في بيئة العمل"، متوقِّعاً من المؤسسات التعليمية وأماكن العمل أداء دور استخباري/ رقابي يخنق أية أصوات معادية لإسرائيل ومناصرة لفلسطين، بحجة مكافحة معاداة السامية.

يَعتبر الكتيّب معاداة السامية واحدة "من أقوى الظواهر العابرة للثقافات وأكثرها ديمومة"، حيث تسمح، حسب زعم الكتيّب بـ"تحالفات بين مجموعات لا يجمع بينها في الأحوال العادية سوى القليل من القواسم المشتركة"، مركِّزاً على "هجوم 7 أكتوبر" كحدث مفصلي سمح بإعلان هذه المجموعات عن تضامنها مع "ما يُفترض أنه "نضال تحرير فلسطين" من خلال الاحتجاجات"، خالصاً إلى نتيجة مفادها أنهم "بذلك، ساهموا في جعل إرهاب حماس مقبولاً اجتماعياً". يتمّ بذلك التركيز على حدث السابع من أكتوبر كمحرِّك التضامن المتزايد مع فلسطين، ولا ذِكر للإبادة التي شهدناها على امتداد أكثر من عامَين، بكل ما فيها من ألمٍ ورعب وظلامة.
في رسم بياني مولَّد بالذكاء الاصطناعي، نرى مجموعة كلمات: التطرف اليميني، التطرف اليساري، التطرف الإسلامي، التطرف الدولي، وبينها رُسمت جسور تصل إلى كلمة تتوسطها: "معاداة السامية". فوقها كلها، يرتسم طريق عريض يربط بين معاداة السامية وكلمة "الرأي العام السائد"، كتعبير عن أنّ كل هذه التيارات لديها ميل يكاد يكون جوهرياً لمعاداة اليهود. ركاكة الرسم لا تعكس ضحالة فقط، بل كسلاً مُهيناً لعقل أي شخص يقرأ هذا المنشور الخالي من المنطق والعلمية.

تُذكَر بالاسم شبكة "صامدون" ومجموعة "فلسطين بتحكي" و"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، كمجموعات داعمة لحركات المقاطعة والعقوبات وسحب الاستثمارات، أو بوصفها "منصات بروباغندا فلسطينية"، أو كجماعات تقوم أو قامت في ما مضى بأعمال سُمّيت "إرهابية" ضدّ إسرائيل.

إحدى الكاريكاتورات التي شاركها الكتيّب (الصورة أعلاه) على أساس أنها "معادية للسامية"، تظهر جندياً من الجيش الإسرائيلي يفصل أجهزة المستشفى الحيوية عن طفل رضيع، ويسأله "هل تدين حماس؟". بالنسبة للكتيب، يضع الكاريكاتور "اليهود" – لا الجيش الإسرائيلي – في مكانة "خسيسة أخلاقياً" ويوحي بأنهم قتلة أطفال. لن يجد المتصفّح ذِكراً لأنّ هذا الرسم مستوحى من جرائم فعلية حدثت بالفعل في غزة، حيث وجد أطفال في الحاضنات ميتون بسبب إبادة الجيش الإسرائيلي للمستشفيات وتدميرها وقطع الكهرباء عنها...
"هل تروننا حقاً؟": محاولات لإطفاء العيون
03-04-2025
لا يسع المرء أحياناً إلا أن يفكّر: كيف يمكن التواصل مع هؤلاء الذين يصرون في ألمانيا على ادعاء الجهل بما حدث ويحدث، ورؤية كلّ الأمور عبر عدسة واحدة، منحرفة وخدّاعة، هي عدسة جريمتهم هم (ألمانيا) ضدّ الإنسانية؟



