فلسطين إذ تعرّي "المكارثية" السائدة من جديد

"إذا كنت محايداً في مواقف الظلم، فقد اخترت جانب الظالم"، كما قال كبير أساقفة جنوب أفريقيا السابق "ديزموند توتو"، الحائز على جائزة نوبل للسلام العام 1984، لنضاله ضد الفصل العنصري في جنوب افريقيا.
2024-01-18

كمال شاهين

كاتب وصحافي من سوريا


شارك
"بكلامك تتكلم بكلامك تدان", انجيل متى. خط: منير الشعراني

استطاع "العالم الغربي" في القرون الفائتة، وبكثير من الأدوات المعرفية والمادية، تحويل القيم والمُثل والمبادئ التي أنتجها سياق تطوره الحضاري إلى ما يشبه "القوةّ المعيارية" التي يَلزَم الآخرين اتّباعها إذا ما أرادوا الوصول إلى ما وصل إليه من تطور وتقدم و"إنسانية". وعلى هذه القيمة الأخيرة (الإنسانية) رُكِّبت قوة أخرى – أخلاقية - تُلزم الغرب نشر نموذجها المعياري للديمقراطية خارج حدوده الجغرافية لمصلحة "الإنسانية والعدالة والحرية"، أو قيم التنوير العالمية، وبمختلف الوسائل الممكنة، حتى لو اضطر الغرب تحت وطأة تلك الرسالية المخترَعة الى استخدام القوة الصلبة. وفي كل هذه "العمليات الحضارية" كانت مفردة "الحرية" حاضرة لتخليص الآخرين من "الاستبداد": من "عملية الحرية الدائمة" في أفغانستان العام 2001، إلى "عملية تحرير العراق" العام 2003 التي لم تنته بعد، إلى عمليات أخرى في أميركا الجنوبية وأفريقيا وآسيا.

هذه "القوّة المعيارية" تراكمت كذلك في مؤسسات الغرب التعليمية، الأكاديمية والجامعية، ووصلت الادّعاءات بشأنها إلى قياس مؤسسات العالم الأكاديمية والتعليمية الأخرى على مسطرة التأويلات الأكاديمية الغربية. فهناك "تصنيفات" لها معايير عالية المستوى وفق هذه الرؤى، وعلى الأخص منها معيار الحرية الأكاديمية، الذي بموجبه مثلاً يكون ترتيب الجامعات خارج الكتلة الغربية في أدنى المستويات، أياً يكن مستوى هذه الجامعات العلمي ومستوى الحرية الأكاديمية فيها.

هذه الثيمة النظرية شكلاً (الحرية بأنواعها) تعمّمت في العالم الغربي منذ عصر الأنوار الأوروبي على أنها قيمة القيم التي تعززها وترفدها حرية النقد والتفكير النقدي والممارسات الديمقراطية في قلب النظام التعليمي والمجتمعي. ومن ثمّ انزرعت كرايةٍ وعلامةٍ في الخطاب الأكاديمي بكثافة فجّة. وبالطبع هذه الثيمة واحد من التبريرات التي رفعتها الرأسمالية في وجه العالم تبريراً ﻷي غزو حديث ("الانتداب" بلغة الأمم المتحدة) كان يقتضيه منطق السوق والحاجة للموارد، كما للحروب، والحرب على العراق نموذجاً واضحاً.

مقالات ذات صلة

وقد أعادت الحرب الجارية على قطاع غزة نبش حقيقة هذه القيم من قبرها الساكن ونثرتها في العالم الأكاديمي الغربي من جديد (نضطر إلى استخدام مفردة "الغرب" بهذا الشكل العام باﻹذن من معلمنا إدوارد سعيد) ولم تكتف هذه الحرب بكشف الأقنعة المستخدمة في تلك الخطابات بل تعدّتها إلى كشف الممارسة العملية وزيفها في التعاطي مع الآخر بأنواعه العرقية والدينية والثقافية، لتعود مسألة "الرجل الأبيض" وقيمه المزيفة في الممارسة إلى الحضور من جديد بقوّة "مكارثية" لا تختلف كثيراً عن أدوار هذه المؤسسات في أوقات سابقة شرعنت فيها الاستعمار والتمييز العنصري والإبادات الجماعية.

تهديدات علنية للطلاب والناشطين

في الولايات المتحدة يبدو حضور التهديدات والمضايقات علنياً وبصورة لم تزعج أحداً. فما إن بدأ الهجوم الإسرائيلي على غزة حتى هدّدت عضو مجلس مدينة نيويورك، إينا فيرنيكوف، نشطاء التضامن مع فلسطين في جامعة بروكلين في مسيرة مؤيدة للفلسطينيين، بالتلويح بمسدس في 13 تشرين الأول/ أكتوبر، حيث شوهدت على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي جامعة كاليفورنيا، تعرّض طلاب مجموعة "من أجل العدالة في فلسطين" إلى موجة من التهديدات المتضمنة خطابات كراهية. وفي جامعة هارفارد، يشعر نشطاء "التضامن مع فلسطين" بعدم الأمان بسبب نشر معلوماتهم الشخصية علناً، حيث سارت شاحنة "إعلانية" بالقرب من حرم جامعة هارفارد في 14 تشرين الأول/ أكتوبر، عارضةً أسماء وصور طلاب جامعة هارفارد الذين وقعت منظماتهم على بيان يُحمّل إسرائيل وحدها المسؤولية عن الهجمات التي نفذتها حماس. وفي جامعة بنسلفانيا، يهدد المانحون بقطع التمويل بسبب إقامة مهرجان "فلسطين تكتب" الأدبي في حرمها الجامعي.

وهناك المزيد أيضاً: في جامعة كولومبيا، وحتى اليوم، يتم استهداف البروفيسور جوزيف مسعد مرة أخرى بسبب كتابته عن الفلسطينيين بطريقة تاريخية وسياقية. وهذه التهديدات جاءت بالتحديد بعد كتابته مقالاً حمل عنوان "مجرد معركة ثانية أم هي حرب التحرير الفلسطينية" "Just another battle or the) Palestinian war of liberation?). واستدعى هذا المقال توزيع منشورات وعريضة في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2023 من قبل منتسب سابق لجيش الدفاع الإسرائيلي وطالب من الجامعة، تدعو إلى عزل البروفيسور مسعد من الكلية بينما هو مارس حقه في الحرية الأكاديمية. وقد تعممت هذه العريضة إعلامياً في سياق نشرت فيه وسائل الإعلام الكبرى مثل فوكس نيوز وجيروزاليم بوست مقالات تحرّف آراء البروفيسور مسعد واعتبارها "تتغاضى عن الإرهاب وتدعمه"، مما أدى إلى زيادة الهجمات ضد حريته الأكاديمية وسلامته الشخصية.

أعادت الحرب الجارية على قطاع غزة نبش حقيقة القيم "الغربية" من قبرها الساكن ونثرها في العالم الأكاديمي.. لم تكتف هذه الحرب بكشف الأقنعة المستخدَمة في تلك الخطابات بل تعدّتها إلى كشف الممارسة العملية وزيفها في التعاطي مع الآخر بأنواعه العرقية والدينية والثقافية، لتعود مسألة "الرجل الأبيض" وقيمه المزيفة في الممارسة إلى الحضور من جديد بقوّة "المكارثية".

سأنقل هنا من مقال للبروفيسور جوزيف مسعد المقطع التالي: "في هذه الأثناء، وجد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في قلبه القدرة على الدعوة إلى عودة المدنيين الإسرائيليين "المختَطفين" من قطاع غزة. وقال غوتيريش: "يجب احترام وحماية المدنيين بموجب القانون الإنساني الدولي في جميع الأوقات"، داعياً إلى "الإفراج الفوري عن جميع المختطفين". لكن لم يصدر أي موقف منه عن أكثر من خمسة آلاف أسير حرب ومختطف فلسطيني، وهو مصطلح لم يستخدمه أبداً لوصف الفلسطينيين الذين تخطفهم إسرائيل وتسجنهم في زنازينها. كما أنه لم يعرب عن أي اعتبار لحق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال بموجب القانون الدولي"..ولكن دعوة غوتيريش إلى وقف إطلاق النار (مجرد ذلك!) أوجدت لدى وزير خارجية "إسرائيل" الجرأة لاتهامه أنه غير مؤهل لقيادة الأمم المتحدة!

تتيح هذه المشاهدات فهم أنّ ما يهم هناك، في عالم الشمال، هو العالم الإسرائيلي، وأنّ الفلسطينيين الذين بقوا أحياء بالصدفة، ليسوا مدرجين على لائحة الكائنات "الهوموسابينس"، سواء كانوا من غزة أو من الضفة أو من أي أمكنة أخرى. وبالضرورة يزيد الوضع سوءاً إذا كان هؤلاء الفلسطينيون من المنتمين إلى حركة حماس. في 14 تشرين الأول/ أكتوبر، وفي إحدى ضواحي شيكاغو، قتل أميركي بدم بارد الطفل الفلسطيني الأميركي "وديع الفيوم" وعمره ست سنوات، لأن وسائل الإعلام المعادية "للإسلام" نجحت بإثارة غضبه. وهذا القاتل ليس مختلاً عقلياً كما كان مقتحمو المسجد الأقصى من "المتطرفين اليهود" مثلاً.

وتتسع هذه التهديدات في كثير من الممارسات. ومنذ بدء عملية "طوفان الأقصى" نقلت وسائل الإعلام كثيراً من القصص التي تنصبّ بمجملها على التضييق على الباحثين والطلاب بشأن أية محاولة لإبداء التعاطف أو التضامن مع الفلسطينيين، وكل من يخالف هذا السياق يتعرض على الفور للطرد من عمله الأكاديمي. ففي بريطانيا، أقدمت هيئة البحث والابتكار في المملكة المتحدة UKRI))، على تعليق عمل "المجموعة الاستشارية للمساواة والتنوع والشمول" (EDI) المرتبطة بالهيئة بعد أن وصفت وزيرة العلوم "ميشيل دونيلان (Michelle Donelan)" في رسالة بتاريخ 28 تشرين الأول/ أكتوبر آراء اثنين من أعضاء اللجنة حول "الصراع بين إسرائيل وحماس" بـ "المتطرفة"، وعلى إثر هذا استقال العديد من الباحثين بالفعل من مناصبهم التطوعية بعد أن طالبت الحكومة بحل "المجموعة الاستشارية للمساواة والتنوع والشمول" ولجأ رئيس UKRI إلى تدابير مماثلة.

في السياق نفسه، ذكرت وسائل إعلام أنّ الحكومة البريطانية تعد ملفّاً عن الأكاديميين الذين انتقدوا على منصات التواصل الاجتماعي مجازر إسرائيل في غزة. وقد رأى اتحاد الجامعات والكليات في بريطانيا أن الأمر مزعج للغاية ويثير تساؤلات جدية بشأن حرية التعبير.

معاداة السامية كسلاح

من الغريب أنّ الأبحاث الجينية التي تغمر اليوم عالم الغرب وتهدّد مفهوم "القومية والوطنية" لم تستطع حتى الآن تذويب فكرة "السامية" الخرافية في حد ذاتها، وانتشارها المرتبط في أوساط أكاديمية عالية المستوى إلى حد كبير باعتماد "التوراة" مصدراً لتقسيم الجنس البشري. والغريب أيضاً أنّ مفهوم ما يسمّى "معاداة السامية Antisemitism" يتجاهل عن قصد أنّ العرب يقعون في أعلى قائمة الشعوب "السامية" المفترَضة باعتبارهم الأكثر عدداً وانتشاراً. ولكنّ هذا لا ينفع، على مبدأ عربي شهير "عنزة ولو طارت".

في كل "العمليات الحضارية" كانت مفردة "الحرية" حاضرة لتخليص الآخرين من "الاستبداد": من "عملية الحرية الدائمة" في أفغانستان العام 2001، إلى "عملية تحرير العراق" العام 2003 التي لم تنته بعد، إلى عمليات أخرى في أميركا الجنوبية وأفريقيا وآسيا.

"الحرية" بأنواعها تعمّمت في العالم الغربي منذ عصر الأنوار الأوروبي على أنها قيمة القيم، متضمنة حرية النقد والتفكير النقدي والممارسات الديمقراطية. لكن هذه الثيمة هي عملياً (وليس بذاتها أو نظرياً بالطبع) واحد من التبريرات التي رفعتها الرأسمالية في وجه العالم عند أي غزو حديث ("الانتداب" بلغة الأمم المتحدة) كان يقتضيه منطق السوق والحاجة للموارد، كما لتبرير الحروب.

تَظهر الدراما السيئة التي اسمها "معاداة السامية" تقريباً في أعقاب كل عنف تمارسه سلطات الاحتلال في الضفة أو القطاع أو في أي أراضٍ أخرى حول العالم ترى فيها "إسرائيل" ولو أقل القليل من التضامن مع الفلسطينيين لأي سبب، أو عند أي نقد لحكومة الاحتلال، أو لأي شخص "إسرائيلي"، أو عند الحديث عن المحاكمات الدولية الجنائية وغيرها. وإذا كان يمكن للغارديان البريطانية أن تنشر كاريكاتيراً للرئيس الأميركي ليندون جونسون (الملتزم عاطفياً تجاه إسرائيل) وعلى بطنه ندبة تمثل خريطة فيتنام، فالأمر لا ينطبق على نتنياهو. وهكذا يصبح ببساطة الرسام البريطاني "ستيف بيل" معادياً للسامية بعد أربعين عاماً من عمله مع الصحيفة اليسارية!

قاموس أوكسفورد الإنجليزي يعرّف معاداة السامية على أنها "​كراهية تجاه الشعب اليهودي أو المعاملة غير العادلة له"، لكن "التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة (IHRA)" يرى أن ذلك غير كاف، إذ يجب إعادة تعريف المصطلح مرة جديدة، ويعمل على حملة عالمية لإعادة التعريف ويقول: "قد تشمل مظاهر معاداة السامية إسرائيل التي يُنظر إليها على أنها جماعة يهودية". ويخلط التحالف بشكل علني بين انتقاد إسرائيل والصهيونية من ناحية، والتعصب ضد اليهود من ناحية أخرى، ويتم استخدامه لإسكات وقمع الناشطين المتضامنين مع فلسطين في العديد من البلدان، من خلال تشويه سمعتهم واتهامهم بالعنصرية، وهو بالتالي يربط معاداة السامية بالنقد السلبي لكيان الاحتلال. وقد تسبب التبني واسع النطاق لتعريف "معاداة السامية" لدى "التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة" في حرم الجامعات الأمريكية بإطلاق العنان للعنف الجامح ضد نشطاء التضامن مع فلسطين.

الحياد والإبادة الجماعية

صباح الجمعة 17 تشرين الثاني/نوفمبر، استقالت "آن بوير"، الشاعرة الحائزة على جائزة "بوليتزر" وكاتبة المقالات ومحررة الشعر في مجلة "نيويورك تايمز" من منصبها. وفي تبرير فعلها كما نقلت "السفير العربي" قالت: "لن أكتب عن الشعر وسط النبرات "المتعقِّلة" لأولئك الذين يهدفون إلى أقلمتنا مع هذه المعاناة غير المعقولة. لا مزيد من العبارات الملطَّفة/المتغوِّلة. لا مزيد من الجحيم المطهّر لفظياً. لا مزيد من الأكاذيب المروِّجة للحرب. وإنْ تركتْ هذه الاستقالة فجوة في الخبر بحجم الشعر، فهذا هو الشكل الحقيقي للحاضر".

إنّ الجحيم المطّهر لفظياً هو ما يسود فعلاً الإعلام الغربي بمختلف أقسامه، والأكاديمي أوّله، في تعاطيه مع ما يجري في غزّة سواء عبر استخدام مفردات مفخخة أو عبر الانحياز بشكل ما للسردية الإسرائيلية بصفتها مصدر الحقيقة الوحيد الذي يجب على العالم الإيمان به. هكذا ينكر كثيرون من الجسم الأكاديمي أو الإعلامي هناك أنّ ما حدث ويحدث في غزّة وقد يحدث في فلسطين كلها، هو إبادة جماعية" تعيد إسرائيل للمرة الألف إنكارها بحجة الضرورة الوجودية لها.

في العام 1944، عرّف "رافائيل ليمكين" هذا المصطلح الذي تبنته الأمم المتحدة بعد ذلك بأربع سنوات على أنه "قصد التدمير، كلياً أو جزئياً، لمجموعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه"، كما هو مذكور في اتفاقية الأمم المتحدة لمنع الجريمة والمعاقبة عليها في كانون الأول/ ديسمبر 1948. وفي هجومها القاتل على غزة، أعلنت إسرائيل بصوت عال عن هذه النية. وقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت ذلك بعبارات لا لبس فيها في 9 تشرين الأول/أكتوبر: "إننا نفرض حصاراً كاملاً على غزة. لا كهرباء، لا طعام، لا ماء، لا وقود. كل شيء مغلق. نحن نقاتل حيوانات بشرية، وسنتصرف وفقاً لذلك".

مجلة "وقائع التعليم العالي" الشهيرة نشرت في عددها الأخير مقالاً يدعو صراحةً إلى الحياد فيما يتعلق بحرب الإبادة الجماعية التي تشنها "إسرائيل" على غزة. المجلة حائزة على جوائز معروفة، ويزور موقعها الإلكتروني أكثر من مليوني شخص كل شهر، وتقوم 1650 منظمة في جميع أنحاء البلاد بإتاحة صحافتها لكل فرد من موظفيها وطلابها.

بنوع من المكارثية، يتهم جيفري فيلر، أستاذ الطب والعميد السابق لكلية الطب بجامعة هارفارد، جامعته بأنها "تفتقر إلى سياسات واضحة بشأن الحياد المؤسسي"، وأنه "في مثل هذه البيئات، سيتم ــ بل وينبغي ــ تقييم القادة Institutional leaders جزئياً بناءً على القضايا التي يختارون الاستجابة لها، وكيف يعبرون عن وجهات نظرهم"!

وقد عزز قادة في الغرب خطاب إسرائيل العنصري هذا من خلال مماثلة ما فعلته حماس بما تفعله إسرائيل منذ سبعة عقود وأكثر، إلى درجة أنّ الرئاسة الأميركية وصفت فعل حماس باعتباره "عملاً من أعمال الشر المطلق"، أو كخطوة تعكس "شراً قديماً"، على حد تعبير رئيسة المفوضية الأوروبية "أورسولا فون دير لاين". من الواضح أن هذه اللغة اللاإنسانية تهدف إلى تبرير التدمير واسع النطاق لحياة الفلسطينيين. إن تأكيد "الشر في مطلقه" يلغي التمييز بين حركة مقاومة شرعية للاحتلال ويحجب السياق الأوسع للاستعمار والاحتلال، وهو ما ينتقل إلى حد كبير إلى العالم الأكاديمي، إلى درجة التهديد عبر البريد الإلكتروني لكل من يرفض هذه السرديات العمومية المنافية للحقيقة، وخاصة تلك التي تغذّي الخلط بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية كحركة سياسية استعمارية الطابع.

الدعوات إلى الحياد كنوع من التهرب الأخلاقي

كانت الدعوات إلى الحياد بشأن ما يجري في غزة واحدة من الطرق التي انتشرت في كتابات العالم الأكاديمي الغربي ليس كنوع من الهرب من ضغوطات اللوبيات اليهودية المنتشرة في عالم الرأسمالية الأكاديمي فقط، بل كنوع من التهرب من رؤية حقيقة ما يجري على الأرض من تدمير وإبادة جماعية وعنصرية لم تعد مشاهدها المتوافرة تحتاج نقاشاً.

إحدى المجلات الشهيرة، وهي مجلة "وقائع التعليم العالي"، نشرت في عددها الأخير مقالاً يدعو صراحةً إلى الحياد فيما يتعلق بحرب الإبادة الجماعية التي تشنها "إسرائيل" على غزة. المجلة المطبوعة حسب تعريف نفسها "هي مؤسسة إخبارية" تأسست العام 1966 حائزة على جوائز معروفة، يزور موقعها الإلكتروني أكثر من مليوني شخص كل شهر، وتقوم 1650 منظمة في جميع أنحاء البلاد بإتاحة صحافتها لكل فرد من موظفيها وطلابها.

"الجحيم المطّهر" لفظياً (والوصف للشاعرة آن بوير) هو ما يسود فعلاً الإعلام الغربي بمختلف أقسامه، ويسود العالم الأكاديمي كذلك في تعاطيه مع ما يجري في غزّة، سواء عبر استخدام مفردات مفخَّخة أو عبر الانحياز بشكل ما إلى السردية الإسرائيلية، بصفتها مصدر الحقيقة الوحيد الذي يجب على العالم الإيمان به.

كاتب المقالة هو "جيفري فلير" أستاذ الطب والعميد السابق لكلية الطب بجامعة هارفارد، وقد عنون مقالته بعنوان "الآن هو الوقت للمسؤولين لتبني الحياد" Now Is the Time for Administrators to Embrace Neutrality، ويمكن أن نضيف كلمة "المناسب" بسهولة على ترجمة العنوان، وفي المحتوى "دفاع عن ضرورة حياد المؤسسات التعليمية ومنها جامعة هارفرد ومدارسها" في الشؤون السياسية والأخلاقية. ولكن "فيلر" يتبنى السردية الإسرائيلية دون أي موقف نقدي من سياسات حكومتها وينطلق في مقالته من كذبة روّجت لها وسائل الإعلام الغربية دون أن يكلّف نفسه عناء البحث ولو لثانية ليتأكد من أنّ "مقاتلين من غزة عبروا الحدود مع إسرائيل وذبحوا العديد من المدنيين ـ النساء والأطفال والمسنين ــ بأبشع الطرق". هذا هو الحياد الذي يتحدث عنه "الأكاديمي" البارز.

لا يكتفي فيلر بالدعوة إلى الحياد في موقف أخلاقي تقتضيه الأخلاق الإنسانية قبل الأكاديمية لجامعة عريقة في تركيزها على قيم حرية الرأي والحرية الأكاديمية، بل وبنوع من المكارثية يتهم فيلر جامعة هارفرد بأنها "تفتقر إلى سياسات واضحة بشأن الحياد المؤسسي"، و"في مثل هذه البيئات، سيتم ــ بل وينبغي ــ تقييم القادة Institutional leaders جزئياً بناءً على القضايا التي يختارون الاستجابة لها، وكيف يعبرون عن وجهات نظرهم". حسناً ماذا لو صدر هذا الرأي عن أكاديمي روسي أو صيني أو حتى عن أكاديمي في جامعة عربية درجة عاشرة؟ ببساطة سيتحول إلى "معاد لقيم العالم الحر" وسيكون رجعياً متخلّفاً وربما "إسلامياً متطرفاً".

"سيحدث ذلك مرةً أخرى"

لـ"ديزموند توتو" عبارة تقول: " "إذا كنت محايداً في مواقف الظلم، فقد اخترت جانب الظالم"، وربما أكثر من هم معنيون بهذا الكلام هم الأكاديميون والمدرّسون أكثر من السياسيين الذين لا يُتوقع منهم دائماً اتخاذ الجانب الصحيح. لقد واجه الفلسطينيون العنف والتطهير العرقي من قبل دولة استعمارية استيطانية لأكثر من 75 عاماً، وهي حقيقة لم يتعلمها سوى عدد قليل جداً من الناس في الأوساط الأكاديمية الغربية. ويشير هذا التاريخ إلى أنّ الأكاديميات الغربية بشكل عام، رغم وجود بعض الأصوات المعارضة للسردية الاستعمارية والصهيونية فيها، إلى أنّ درس "لن يحدث مرة أخرى أبداً" القادم من المحرقة النازية لم يكن ذا تأثير حقيقي، فهاهنا في المشرق يعاد هذا الأمر مرةً ومرات دون أن يثير ذلك أدنى الاعتراضات "الأخلاقية" إلا من قبل قلّة قليلة من المجتمع الأكاديمي. ولذلك، لا يمكن التعويل العقلاني على موقف "غربي" يشبه موقف جامعة "بيرزيت" الرائدة في فلسطين حين دعت المجتمع الأكاديمي في جميع أنحاء العالم إلى "عدم الصمت بشأن الإبادة الجماعية" والقيام بواجبهم الفكري والأكاديمي في البحث عن الحقيقة، والحفاظ على مسافة حاسمة من الدعاية التي ترعاها الدولة، ومحاسبة مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية والمتواطئين معهم.

مقالات من فلسطين

غزة القرن التاسع عشر: بين الحقيقة الفلسطينية والتضليل الصهيوني

شهادة الكاتب الروسي ألكسي سوفورين الذي زار غزة عام 1889: "تسكن في فلسطين قبيلتان مختلفتان تماماً من حيث أسلوب الحياة: الفلاحون المستقرون والبدو المتجوّلون بين قراها. الفلاحون هنا هم المزارعون....

وليد دقة الذي عاش ومات حرّاً

2024-04-11

عاش وليد دقّة غصباً عن القيد، غصباً عن السجان، غصباً عن الزنزانة، غصباً عن دولة الاحتلال بأكملها، غصباً عن العالم المختلّ بأسره، غصباً عن المرض أيضاً، غصباً عن العمر المنهوب...

للكاتب نفسه