خلاف السعودية - الإمارات النفطي وملامح مرحلة جديدة

ما هي عناصر الخلاف السعودي الاماراتي الذي برز إلى العلن بصورة واضحة، بعدما ظل مكتوماً لسنوات؟ في هذا النص بعض أبرزها.
2021-07-14

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
مصفاة راس تنورة، السعودية.

في العام 1998، احتفلت شركة أرامكو السعودية بافتتاح حقل الشيبة الذي ينتج نفطاً خفيفاً، ومن ثم يعزز من قدرات السعودية التصديرية. انتهزت أرامكو الفرصة لتحدِّث الحضور من الضيوف عن التحديات اللوجستية التي شكّلها إنجاز هذا المشروع في منطقة الربع الخالي، بعد ثلاثين عاماً من اكتشاف هذا الحقل، إذ جرى العمل لإزاحة الكثبان الرملية التي ترتفع قرابة الألف قدم، كما تتعرض المنطقة إلى رياح تهب بسرعة 50 ميلاً في الساعة، وإلى درجة حرارة تصل إلى 50 درجة.

على إن الذي لفت الأنظار فعلاً في ذلك الاحتفال كان غياب وفد يمثل دولة الإمارات العربية المتحدة، على الرغم من حضور بقية وزراء النفط في دول مجلس التعاون الخليجي. الغياب الإماراتي كان مبرراً من وجهة نظرها بأن المنطقة التي يقع فيها حقل الشيبة لا تزال متنازعاً عليها مع السعودية.

الخلافات الخليجية على الحدود، وغيرها من قضايا سياسية واقتصادية، كانت موجودة على الدوام. لكن العواصم الخليجية نجحت في إخفائها والتقليل منها، خاصةً بعد تأسيس مجلس التعاون الخليجي الذي استفاد من التقارب الاجتماعي والاقتصادي لتمتين نسيج التعاون السياسي بين الدول الست. ثم جاءت أسباب وأحداث كبرى، لعل آخرها ثورات الربيع العربي، فضعف الدور القيادي المشرقي المعروف لمصر وسوريا والعراق، مما خلق حالة من الفراغ سعت الدول الخليجية، خاصة الإمارات، إلى ملئه. وهو ما برز في تحركاتها الإقليمية التي تمددت من ليبيا إلى سواحل البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي.

وبرز خلال هذه الفترة تحالف سعودي – إماراتي، خاصة بعد تولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان السلطة الفعلية، وهو الذي وضع يده في يد ولي العهد في الإمارات محمد بن زايد، ووصل الأمر إلى مرحلة من التخطيط الاستراتيجي بين البلدين لتمتين العلاقات بينهما، وتنسيق جهود علاقاتهما الثنائية والإقليمية والدولية.

ضعف الدور القيادي المشرقي المعروف لمصر وسوريا والعراق، الذي تسببت به عوامل متعددة، خلق حالة من الفراغ سعت الدول الخليجية، وخاصة الإمارات، إلى ملئه.

ومثلما كان تدخلهما في اليمن العلامة الأبرز على هذا التنسيق، فسياق هذا التدخل وما صاحبه كانت مؤشرات على المتاعب والتشقق في هذا التحالف الذي بدأت سبحته تكرُّ بانتظام في الميدان السياسي، مع تباين النظر إلى العلاقة مع قطر مثلاً أو تكييف العلاقة مع إسرائيل. على إن مجال الخلاف الذي ستكون له تبعاته داخلياً فهو ذاك المتعلق بالجانب الاقتصادي. وقد طلبت السعودية من الشركات الأجنبية التي ترغب في استمرار عملها، والحصول على مشاريع من الحكومة السعودية، أن تنقل رئاسة تلك الشركات إلى الرياض، وفي هذا استهداف واضح للإمارات، وخاصة دبي التي أصبحت وجهة هذه الشركات بحكم البيئة التي وفرتها لها، والتي جعلتها تتحرك في المنطقة انطلاقاً من قواعدها في دبي.

... والجبهة النفطية

مجال الخلاف الذي برز إلى العلن بصورة واضحة هو ذاك المتعلق بالتحركات على الجبهة النفطية، وتحديداً إدارة أوبك للسوق النفطية. الخلاف في جانب منه إشارةٌ إلى أن الإمارات تعبت من التقيّد باتفاق خفض الإنتاج المستمر منذ العام 2016، وهي تريد إعادة النظر في الحصة المخصصة لها، وذلك على أساس أنها تمكنت من رفع طاقتها الإنتاجية إلى قرابة 4 مليون برميل يومياً، وتخطط أن تصل بها إلى 5 ملايين برميل في المستقبل القريب. وهي لا تحتاج فقط إلى استغلال هذه الطاقة التي صرفت من أجلها أموالاً طائلة، وإنما ترغب في استخدام عوائد مبيعاتها النفطية في تنويع قاعدتها الاقتصادية، والاستعداد لتبعات إجراءات اتفاقية باريس للتغير المناخي التي تستهدف تقليل الانبعاثات، مع كل النتائج على مجمل الصناعة النفطية سواء في الإمارات أو غيرها.

وفي هذا الإطار، يدخل عامل الزمن الذي أصبح يلعب دوراً ضاغطاً، خاصةً فيما يتعلق بالسياسات التنفيذية لتحويل القاعدة الاقتصادية من الاعتماد على النفط. فوفقاً لمختلف السيناريوهات من الوكالة الدولية للطاقة وأوبك نفسها، فإن حجم الطلب الذي بلغ 100 مليون برميل يومياً قبل جائحة الكورونا يتوقع له أن يتراوح بين 105 مليون إلى 85 مليون برميل يومياً بحلول عام 2030 وأن يستمر في التراجع بعدها.

أدى الموقف الإماراتي المطالب بزيادة الانتاج الى تعليق اجتماع أوبك بلس الذي كانت وشيكاً من دون موعد ثانٍ مقرر، وتسبب بارتفاع الأسعار لبعض الوقت..

وعليه سيكون التنافس شديداً بين المنتجين في الحصول على حصة أكبر، وهو ما يرشح كلاً من الرياض وموسكو للاستمرار في قيادة السوق، ومن ثم الحصول على حصة أكبر من باب تحالفهما وقدراتهما الإنتاجية العالية، ووضعهما السياسي كلٌّ في مجاله. وفي الحسابات الإماراتية ومن خلفها الخليجية عموماً إن وحدة الموقف الخليجي التي ميزت فترة طويلة من التاريخ السياسي والنفطي تحديداً تحتاج إلى إعادة نظر، بدأتها قطر في واقع الأمر عندما انسحبت من أوبك قبل عامين، وكان من بين الأسباب التي ذكرتها، هيمنة الرياض وموسكو على القرار في المنظمة.

كما يبرز ميدان الطاقة الهيدروجينية الزرقاء كميدان محتمل للتنافس بين أبوظبي والرياض. ولدى شركتيهما أرامكو وأدنوك خطط طموحة للاستثمار في هذا المجال الذي يعوض عن الوقود الأحفوري. ويظهر ذلك في الاتفاقيات التي تعمل الشركتان على إبرامها مع كبريات الشركات العالمية الناشطة في هذا الميدان، بل والسعي الحثيث لإبرام اتفاقيات إمدادات مبكرة مع زبائن محتملين مثل الهند.

مثلما كان تدخل السعودية والامارات في اليمن العلامة الأبرز على التنسيق بينهما، فسياق هذا التدخل وما صاحبه كانت مؤشرات على المتاعب والتشقق في هذا التحالف الذي بدأت سبحته تكرُّ بانتظام في الميدان السياسي، مع تباين النظر إلى العلاقة مع قطر مثلاً أو تكييف العلاقة مع إسرائيل..

الكثير من المراقبين يتحدثون عن أن خطوة الإمارات المقبلة ستذهب إلى آخر الشوط في إطار رؤيتها للاستفادة القصوى من مواردها النفطية، في إطار الوقت المحدود قبل غروب شمس الوقود الأحفوري، وأن تنسحب من أوبك كذلك. التسريبات الصحافية تشير إلى أن هذا الخيار تم تداوله ولو أنه لم يتبلور بعد، وإن هناك بعض المراحل التي تحتاج الإمارات إلى قطعها قبل الخروج من أوبك التي اكتسبت عضويتها في العام 1967، وظلت منذ ذلك الوقت أحد الأعضاء الفاعلين فيها، خاصةً في حقبة السبعينيات الفائتة عندما توهجت المنظمة إبّان فترة ارتفاع الأسعار، والحديث عن النظام الاقتصادي العالمي الجديد الذي فتحت أوبك الطريق إليه.

ملامح مرحلة جديدة

الخطوة الإماراتية التي أدت إلى تعليق اجتماعات أوبك الأخيرة، ومن ثم إلى ارتفاع في أسعار النفط وصل إلى أعلى معدل له في غضون ثلاث سنوات، ثم تراجعه بعد ذلك، تتجاوز الخلافات المعهودة في أوبك، إذ تدخل في مرحلة جديدة بدأت ملامحها ترتسم في الأفق.

فمن ناحية، ظلت هناك خلافات بين تبني استراتيجية تقوم على فكرة زيادة نصيب المنظمة في السوق بغض النظر عن الأسعار، وذلك مقابل النظرية المعاكسة التي ترى أنه من الأفضل الحصول على أسعار عالية وتقييد الإنتاج خاصةً والنفط من السلع الناضبة.

طلبت السعودية من الشركات الأجنبية التي ترغب في استمرار عملها، والحصول على مشاريع من الحكومة السعودية، أن تنقل رئاسة تلك الشركات إلى الرياض، وفي هذا استهداف واضح للإمارات، وخاصة دبي التي أصبحت وجهة هذه الشركات بحكم البيئة التي وفرتها لها، والتي جعلتها تتحرك في المنطقة انطلاقاً من قواعدها في دبي.  

ويتم هذا الجدل في إطار تقسيم آخر بين الدول الأعضاء في أوبك. فهناك الدول ذات الاحتياطيات الضخمة لكنها قليلة السكان في الوقت ذاته، كالدول الخليجية، وبالتالي فمن مصلحتها الإبقاء على الأسعار معتدلة لضمان أن يستمر العالم في الاعتماد على النفط إلى أطول فترة ممكنة، وألا يدفعه تصاعد الأسعار إلى البحث عن بدائل. ثم هناك المجموعة الأخرى ذات الكثافة السكانية العالية، والتي يتلازم معها أحياناً احتياطيات نفطية أقل، وبالتالي فمن مصلحتها الحصول على أعلى سعر ممكن للبرميل لمقابلة احتياجاتها المالية المتصاعدة. وبما أن احتياطيّاتها أقل، فهي تفضل أن تحصل على نصيبها قبل أن يتغير المشهد النفطي لغير صالحها.

الخطوة الإماراتية تشير بوضوح إلى تغيير في التوجه، إذ أصبح الجميع في مرمى تهديد أن الوقود الأحفوري في طريقه إلى الخروج من دائرة النشاط الاقتصادي، طال الزمن أم قصر. وما حديث الإمارات عن أنها تود استغلال قدراتها النفطية لدعم برنامجها لتنويع قاعدتها الاقتصادية إلا دليل على هذا. خاصةً مع تنامي الحركات المختلفة المهتمة بقضايا التغير المناخي والدور السلبي الذي يلعبه النفط والوقود الأحفوري عموماً في هذا المجال، وخروجها إلى الفضاء العام بعد أن كانت محصورة في الدوائر الأكاديمية وتلك التي تهم المختصين فقط.

ثم إن فترة الثلاثين عاماً المخصصة لاتفاقية باريس للتغير المناخي لا تعتبر شيئاً في تاريخ الشعوب، خاصةً مع ما تتطلبه من تغيرات في التركيبة الاقتصادية من خلال سياسات وإجراءات تتسارع وتتمدد كل يوم بقوة الدفع الذاتي الذي تولده هذه السياسات، وما يصحبها من تنوير سياسي وإعلامي يصبح في حد ذاته أحد العوامل الدافعة إلى مزيد من السياسات الهادفة إلى تقليص استخدامات الوقود الأحفوري.  

مقالات من الخليج العربي

سردية عرب الصحراء وعرب الماء

تنتج الازمات السياسية سلسلة من ردات الفعل الباحثة عن التخلص من أعباء تحمل المسؤولية والمراجعة النقدية الذاتية: هنا عن التنميط بين "عرب الخليج" و"عرب الماء"، سابقاً واليوم، بكل انقلاباته!

سراب الإصلاح في بلدان الخليج العربي

فرض نظام الضريبة غير المباشرة وتقليص الإنفاق الحكومي تدابير غير معتادة لمواجهة الأزمات الإقتصادية في بلدان الخليج، ولعلها تشير الى أن الأوضاع الإقتصادية في المنطقة لن تتحسن في المستقبل المنظور..

للكاتب نفسه

السودان في مواجهة تحديات إعادة التأسيس

تواجه الدولة السودانية أسئلة وتحديات أساسية تفرض إعادة تأسيسها، وعلى رأس ذلك قدرة القوى السياسية على التعامل مع هذه التحديات، واستيعاب قوى التغيير الشبابية، ومطالب الأقاليم في السلطة والثروة، علماً...

السودان: الترتيبات الأمنية مدخل تسوية أو خميرة تمرد جديد؟

التحدي الرئيسي يبقى كيفية تنفيذ "اتفاق جوبا" الأخير للسلام. فوضع الاتفاق موضع التنفيذ مواجه بعقبات تتجاوز طاقة الدولة السودانية. وأي اتفاق سلام يستبطن تنفيذ بعض البنود بالتوازي مع الترتيبات الأمنية....