المشكلة ليست في العدوانية الاسرائيلية المجنونة، بل هي في انهزامنا، وهو انهزام أخلاقي قبل أن يكون سياسياً. صحيح أن المنطقة برمّتها خربة، وأن الخراب يبدو وكأنه زاحف حتى إلى ربوعها الأكثر ثراء والأبعد عن التحديات التي تعصف بها (الخليج). ولكن ذلك ليس مبرراً لعدم الاكتراث بما يجري في فلسطين وللاستخفاف به، إن لم يكن الضجر منه والانحياز إلى منطق الاستسلام، على أساس أن لا فائدة أو لا حل. تلك حلقة مفرغة، فهذا الموقف، عدا عن كونه يُمكِّن إسرائيل، فهو سيزيد خرابنا خراباً، لأن القبول بفظاعة ما يجري هناك و"ابتلاعه" يجعل كل شيء سواه مقبولاً. وإسرائيل، لأسباب ايدولوجية تكوينية وأخرى واقعية، لا ترتاح إلا بمحق محيطها الذي زُرعت في وسطه، إذ تريد منه أن ينسى تماماً ما جرى وأن ينحاز الى روايتها عن الأحداث والسياقات. وعلى ذلك وبعده، تبقى مقتنِعة بأن حتى هؤلاء الذين اتبعوها يضمرون لها العداء، فتطلب المزيد والمزيد من الخضوع، في مسلك وتعامل لا قعر لهما. هاكم الاحتلال يبني 2000 مسكناً في القدس الشرقية لتعزيز فكرة أن المدينة هي "عاصمة إسرائيل الأبدية" كما قال نير بركات رئيس بلديتها، بلا اعتبار للقرارات الدولية، لا في هذه ولا في سواها. فأي خارطة طريق يمكن اعتمادها مع هؤلاء، والى أين تقود؟
الفلسطينيون الذين يعيشون في ظل العسف الاستعماري بأشد أشكاله بشاعة ما زالوا يقاومون. ولا يُفترض بمقاومتهم، والحال هي تلك، أن تكون منظمة أو شاملة. كما أنها لا تُحسب بميزان المنجَز، أي "الربح والخسارة"، بل بحجم الإرادة في عدم الرضوخ. وهذا موقف قبل كل شيء. وهو قد يتجسد بين حين وحين، مرة على شكل انتفاضات أولى وثانية، وقبلهما مقاومات، وأخرى على شكل أعمال فردية ضد الرمز الاحتلالي أياً كان.. ومن لا يذكر موجة دهس الجنود الإسرائيليين والمستوطنين بالسيارات أو ضربهم بسكاكين المطبخ أو بالمقصات والمفارك خلال الخريف الفائت، مع علم الفاعلين، شباناً وشابات، بأن حياتهم هي ثمن موقفهم ذاك.. واليوم يصلي الفلسطينيون في الطرقات رافضين الخضوع إلى تدبير المرور إلى المسجد الاقصى عبر البوابات الإلكترونية التي رُكِّبت على مداخله. ويرتعب الاحتلال من الدعوة التي أطلقت إلى صلاة الجمعة في الطرقات كلها، وإلى ترك الجوامع كلها والتوجه إلى المسجد الاقصى أو أقرب نقطة منه.
وهم رفعوا أيضا، وكأفق، مطلب الحماية الدولية للأقصى ولكل مقدسات المسلمين والمسيحيين في القدس وفي فلسطين، كعنوان لمعركة كبرى تخاض، وتواجَه بالرفض الإسرائيلي القاطع لها. وهذا البعد هام واستراتيجي - بغض النظر عن بؤس الموقف الدولي - لأنه يعني إنهاء الاستفراد الإسرائيلي بالفلسطينيين.
تلك هي بعض أشكال عدم الرضوخ اليوم. ويضاف إليها تبني دعوة وليد جنبلاط لأبناء الطائفة الدرزية الفلسطينية بالانسحاب من جيش الاحتلال الإسرائيلي ورفض الانخراط في الخدمة العسكرية، وهو اعتبر أن الجنديين اللذين قتلا في عملية نفذها شابان من أهالي أم الفحم، إنما استُهدفا لأنهما جزء من جيش الاحتلال وليس لكونهما درزيان.. ما يبدو صعباً على أفهام النائب العربي السابق في الكنيست، محمد بركة، الذي تقدم للعزاء بهما.
... "فلسطين هي المسألة الأخلاقية الأكبر لزماننا"، بحسب نيلسون مانديلا. وهو يعرف عمّا يتحدث.
إفتتاحية
هل الاستسلام حل؟

مقالات من القدس
يعذَّبان.. كي لا يجرؤ سواهما
"ستعيشين في عالم أكثر أماناً لأن العديد من الآباء قرروا التضحية بكل شيء لبناء هذا العالم الأفضل لكِ. أتمنى أن تُدركي يوماً ما أنه، لشدة حبي لكِ، لم يكن هناك...
غلاف "ليسبريسو" الإيطاليّة والهوس الإسرائيلي بالصورة
وجهها في الصورة عليه علامات الاضطراب والألم، ووجهه عليه علامات سخرية "ضبْعيّة" منتشِية، جاهزة للنهش. في أسفل الصورة هذه، وبالخطّ العريض، كتبت كلمة واحدة: "L'ABUSO" - الاعتداء.
الخط الأصفر وخطوط أخرى
صار مصطلح الخط الأصفر شيئاً عادياً في حياة الفلسطيني الغزّاوي. مرّت خمسة أشهر على وقف إطلاق النار و"انتهاء" الحرب بالمعنى الرسمي والإعلامي، ومنذ ذلك الحين صار هذا الخط شيئاً يومياً...
للكاتب/ة
استعادة التماسك المجتمعي: الطريق الممكن والضروري
يُدرك الناس أو يشعرون على الأقل، بأن قوانين العالم ومحركاته – الاقتصادية والسياسية على السواء، ومعها الثقافية والقيمية – قد تغيّرت بشكل عميق، ولكنهم لا يزالون يفكِّرون ويفعلون بواسطة أدوات...
الناس ليسوا على دين ملوكهم
السياسة لا تمارَس بأفعال رمزية جوفاء. ولا الحرب.
علامات العصر الجديد
ربطاً بما حدث ويحدث في فنزويلا والعالَم، نضيف الى هذه الافتتاحية السابقة المنشورة بعنوان "العبودية الجديدة"، ما قد يفسر سياق الحدث واللحظة: لحظة الفجاجة التامة في ممارسة سياسات النهب المباشِر...





