من المفارقات اللافتة في تاريخ الثورات أن القوى التي تُسقِط الأنظمة الحاكمة ليست بالضرورة هي التي ترث السلطة بعد سقوطها[1]. فكثيراً ما تنجح تحالفات شعبية واسعة، تضم تيارات سياسية واجتماعية متباينة، في تقويض نظام بدا عصياً على التغيير، لكنها تكتشف، بعد تحقيق هدفها المشترك، أن إسقاط الحاكم شيء، وبناء سلطة جديدة شيء آخر. ففي اللحظة التي تتراجع فيها وحدة القوى الثورية، ويبدأ الصراع حول طبيعة النظام البديل، تبرز أهمية التنظيم السياسي والمؤسسي بوصفه أحد العوامل الرئيسية التي تحدد اتجاه الثورة ومآلاتها.
ولا تقتصر الأفضلية التنظيمية على الأحزاب التي شاركت في الثورة أو تبنّت شعاراتها. فقد تتمتع بها مؤسسات عسكرية أو دينية، أو أحزاب تمتلك خبرة سياسية سابقة، أو شبكات مصالح نجحت في الحفاظ على تماسكها على الرغم من انهيار النظام الذي ارتبطت به. وهكذا قد تتحول الثورة، بعد أن كانت مواجهة بين المجتمع والسلطة القائمة، إلى صراع بين قوى متفاوتة في قدرتها على التنظيم والتعبئة والسيطرة على المؤسسات.
ومن هنا تنشأ مفارقة تاريخية تستحق التأمل: قد تمتلك الجماهير القدرة على إسقاط النظام، من دون أن تمتلك القوى التي تمثل تطلعاتها الوسائل التنظيمية اللازمة لتحديد ما سيأتي بعده.
رواية ما جرى بمصر في الأيام الحاسمة
21-04-2016
وتقدِّم الثورة الفرنسية عام 1789 مثالاً مبكراً على هذه الظاهرة. فقد انطلقت بمشاركة قوى اجتماعية وسياسية متعددة، جمعتها معارضة الامتيازات القائمة والحكم الملكي المطلق، لكنها سرعان ما دخلت في صراعات حول طبيعة السلطة الجديدة وحدود التغيير المنشود. وفي خضم هذه الصراعات، برز اليعاقبة الذين استفادوا من شبكة واسعة من النوادي السياسية، ومن قدرتهم على التعبئة والتحالف مع قطاعات من الحركة الشعبية في باريس، ليعززوا نفوذهم خلال المرحلة الراديكالية من الثورة عام 1793. غير أن تفوقهم التنظيمي لم يكن ضمانة لاستمرارهم في الحكم، إذ انتهت هيمنتهم بسقوط روبسبير وحلفائه عام 1794. وبعد خمس سنوات، انتقلت السلطة إلى نابليون بونابرت بانقلاب عام 1799، مستنداً إلى نفوذه العسكري وتحالفاته السياسية.
وهكذا تكشف التجربة الفرنسية أن الصراع على السلطة بعد الثورة قد ينتقل بين أشكال مختلفة من التنظيم، من النوادي والحركات الشعبية إلى المؤسسات العسكرية، وأن التفوق في مرحلة معينة لا يضمن الاحتفاظ بالسلطة في المراحل التالية.
وبعد أكثر من قرن، أعادت الثورة الروسية عام 1917 إبراز هذه الإشكالية بصورة مختلفة. فالثورة التي أطاحت بالحكم القيصري في شباط/ فبراير لم تكن من صنع البلاشفة وحدهم، بل جاءت نتيجة احتجاجات وإضرابات وتمردات شاركت فيها قطاعات واسعة من العمال والجنود والقوى السياسية.
لكن البلاشفة، بقيادة لينين، امتلكوا تنظيماً حزبياً قادراً على اتخاذ القرارات وتعبئة الأنصار، واستطاعوا توسيع نفوذهم داخل مجالس العمال والجنود، قبل أن يستولوا على السلطة في تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه.
ومع ذلك، لا يمكن تفسير نجاحهم بالتنظيم وحده. فقد أسهم استمرار الحرب العالمية الأولى، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، وعجز الحكومة المؤقتة عن معالجة المطالب الشعبية، في تهيئة الظروف لصعودهم. لقد منحهم التنظيم القدرة على استثمار أزمة سياسية واجتماعية لم يكونوا وحدهم من صنعها.
وتكشف الثورة الإيرانية عام 1979 عن أهمية نمط آخر من التنظيم، يستند إلى الشبكات الدينية والاجتماعية. فقد شارك في إسقاط الشاه تحالف واسع ضم الإسلاميين والليبراليين واليساريين والطلاب والعمال، على اختلاف رؤاهم لمستقبل البلاد. غير أن التيار المرتبط بآية الله الخميني امتلك شبكات دينية واجتماعية واسعة، مكّنته من التعبئة والتواصل وحشد التأييد.
وبعد سقوط النظام الملكي، استفاد أنصار الخميني من قدرتهم على إنشاء مؤسسات ثورية جديدة، وتعزيز نفوذهم داخل أجهزة السلطة الناشئة، لترسيخ موقعهم تدريجياً على حساب القوى الأخرى التي شاركت في الثورة.
وتوضح التجربة الإيرانية، كما الروسية، أن المشاركة في إسقاط النظام لا تحدد وحدها من سيحكم بعده. فالأمر يتوقف أيضاً على قدرة القوى المتنافسة على تحويل نفوذها الاجتماعي والسياسي إلى سلطة مؤسسية مستدامة.
يتوقف النجاح على القدرة على تحويل التأييد الشعبي إلى نفوذ سياسي، والنفوذ السياسي إلى مؤسسات، ثم الحفاظ على تماسك هذه المؤسسات في مواجهة الأزمات والصراعات.
أما التجربة المصرية بعد انتفاضة عام 2011، فتضيف بُعداً آخر إلى هذه العلاقة، يتمثل في التفاوت بين التنظيم الحزبي والتنظيم المؤسسي للدولة. فقد أسهمت حركة احتجاجية واسعة ومتنوعة في إسقاط حسني مبارك، لكن جماعة الإخوان المسلمين كانت تتمتع بخبرة تنظيمية وشبكات اجتماعية وانتخابية لم تتوافر بالقدر نفسه لكثير من القوى التي شاركت في الانتفاضة.
واستفادت الجماعة من هذه الأفضلية، فحققت نجاحاً في الانتخابات البرلمانية، ثم وصل مرشحها محمد مرسي إلى الرئاسة عام 2012. غير أن المؤسسة العسكرية، التي احتفظت بتماسكها القيادي وسيطرتها على أدوات القوة، أطاحت بمرسي في تموز /يوليو2013، عقب احتجاجات شعبية واسعة ضده.
وأظهرت هذه التجربة، من بين ملامح أخرى تستحق التدقيق، أن القدرة على الفوز بالانتخابات والوصول إلى الرئاسة لا تعني بالضرورة امتلاك السيطرة الفعلية على مؤسسات الدولة، أو حتى على إدراك التطلعات المجتمعية المتنوعة، علاوة على ما يتكشف من خيبات وقصور في الأداء، وأن التنظيم الحزبي قد يجد نفسه في مواجهة مؤسسة عسكرية راسخة ومتماسكة.
جدل تونسي غير عقيم حول الشعبوية
19-07-2022
وفي تونس، اتخذت العلاقة بين التنظيم والسلطة مساراً مختلفاً خلال السنوات الأولى التي أعقبت انتفاضة 2010. فبعد سقوط زين العابدين بن علي، برزت حركة النهضة بوصفها إحدى أكثر القوى السياسية تنظيماً، وفازت بأكبر كتلة في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، وشاركت في تشكيل حكومة ائتلافية. لكنها لم تتمكن من احتكار السلطة، إذ أدت الأزمات السياسية والمفاوضات بين القوى المتنافسة إلى تخليها عن قيادة الحكومة عام 2014، قبل أن يفوز حزب نداء تونس بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات التشريعية اللاحقة.
وتُظهِر هذه التجربة أن التنظيم، على أهميته، لا يمنح صاحبه قدرة مطلقة على تحديد مسار المرحلة الانتقالية، خصوصاً عندما توجد قوى منافِسة قادرة على التعبئة والتنظيم، وتتوفر آليات سياسية تسمح بالتفاوض والتسوية.
وتكشف المقارنة بين هذه التجارب أن "التنظيم" لا يقتصر على امتلاك حزب أو قيادة أو شبكة من الأنصار، بل يشمل القدرة على تحويل التأييد الشعبي إلى نفوذ سياسي، والنفوذ السياسي إلى مؤسسات، ثم الحفاظ على تماسك هذه المؤسسات في مواجهة الأزمات والصراعات.
فالقوى التي تمتلك قيادة واضحة، وهياكل تنظيمية راسخة، وشبكات اجتماعية واسعة، وقدرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها، تكون أقدر على التعامل مع الفراغ السياسي الذي قد يُخلِّفه انهيار السلطة القديمة. وتزداد أهمية هذه المزايا عندما تكون القوى التي فجّرت الثورة تحالفات متباينة، جمعتها معارضة النظام القائم أكثر مما جمعتها رؤية مشتركة لطبيعة النظام البديل.
غير أن التنظيم لا يعمل في فراغ، ولا يمكن اعتباره تفسيراً كافياً بمفرده. فالسيطرة على أدوات القوة، ومدى الشرعية الشعبية، وتماسك التحالفات السياسية، والأوضاع الاقتصادية، والتدخلات الخارجية، كلها عوامل قد تعزز التفوق التنظيمي أو تحدّ من أثره.
كما أن التنظيمات نفسها ليست كيانات ثابتة. فقد تتماسك في مرحلة وتتصدع في أخرى، وقد تنجح في الوصول إلى السلطة ثم تعجز عن الاحتفاظ بها. ولذلك فإن العلاقة بين التنظيم ونتائج الثورات ليست علاقة حتمية، بل تتشكل من خلال تفاعل التنظيم مع موازين القوى والظروف التاريخية المحيطة به.
ولعل المسألة الأكثر أهمية أن سقوط رأس النظام لا يعني بالضرورة انهيار المؤسسات التي استند إليها. فقد يحتفظ الجيش والأجهزة الأمنية والإدارة البيروقراطية وشبكات المصالح الاقتصادية بقدر كبير من تماسكها، حتى عندما تتفكك السلطة السياسية التي كانت تتصدرها.
وفي مثل هذه الحالات، قد تجد القوى الثورية نفسها أمام بنية مؤسسية لا تزال تمتلك الموارد والخبرة والقدرة على التأثير في مسار الأحداث، بينما تكون هي منشغلة بخلافاتها الداخلية وبالبحث عن صيغة مشتركة للحكم.
ثورة ليبيا يدفنها من تربَّحوا من فشلها
01-10-2026
وهنا تتضح إحدى المفارقات الكبرى في تاريخ الثورات: فالقوة التي تمتلك القدرة على إنهاء حكم قائم ليست بالضرورة هي التي تمتلك القدرة على تأسيس حكم بديل. وبين لحظة إسقاط الحاكم ولحظة استقرار النظام الجديد، يتحدد الكثير وفق اعتبارات موازين التنظيم والتماسك المؤسسي، وقدرة القوى المتنافسة على تحويل ما تمتلكه من تأييد أو نفوذ إلى سلطة فعلية.
الثورة قد تبدأ بفعل جماهيري واسع، لكن مصير السلطة التي تنشأ بعدها لا يتقرر في الشارع وحده، بل أيضاً داخل الأحزاب والمؤسسات العسكرية والشبكات الاجتماعية وأجهزة الدولة التي تنجو من انهيار النظام القديم، أو تتشكل على أنقاضه.
1- دفعني النقاش الذي أعقب نشر مقالي في السفير العربي، "عدوى الثورة وصمود النظام القديم.." إلى التأمل في سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا لا تكون القوى التي تصنع الثورات هي التي تصل بالضرورة إلى السلطة بعدها؟ ففكرت بتناول دور التنظيم السياسي والمؤسسي في تحديد مآلات الثورات الشعبية، مستعيناً ببعض التجارب التاريخية، من الثورة الفرنسية إلى الانتفاضات العربية.





